من دفتر الوطن

البشر في بلاد العجائب!!

عبد الفتاح العوض

 

إذا كانت فصول الطبيعة تتغير بتدرج واتزان وهدوء، فإن فصول البشر تتغير بغير هدى ولا اتزان.
ثمة ما يثير الانتباه وأنت تتابع ما يجري على البشر من تغيرات في سلوكهم.
المبدأ الذي تم صوغه كقاعدة أن كل شيء يتغير بما فيها هذه القاعدة ينطبق تماماً على البشر. لا أتحدث هنا عن مزاج يتبدل من الفرح إلى الكآبة، ولا أتحدث عن الأشخاص «الهوائيين» الذين تتبدل اتجاهاتهم من غير تفسير.. بل أتحدث عن أشخاص يتغيرون عن سابق الإصرار… ويتبدلون «بمزاجهم» دون أن يتبدل «مزاجهم»!!
وإذا أردت أن تتحدث عن تغيرات آراء الناس في هذه الأزمة، فستجد أن فصول السنة تمر على الكثير منهم خلال أيام إن لم نقل ساعات.
أكثر ما يغيّر الأشخاص هو المال.. إنه العنصر الأكثر تأثيراً.. حتى إن المال سمّي مالاً لأن الأشخاص «يميلون» معه شمالاً ويميناً… إنه «مرجوحة» يأخذ الناس إلى اليمين واليسار وإلى الأعلى والأسفل، وفي هذه الأزمة أخذ المال دوراً مهماً في جعل أشخاصٍ كنا نظنهم أعمق من أن يؤخذوا بجريان المياه إلا أن الواقع أثبت غير ذلك.
حتى إن بعضهم اختار قضايا خاسرة من أجل صفقات رابحة، وكذلك يصح القول على كثير من البسطاء الذين اكتفوا بمغانم بسيطة وخسروا أشياء كبيرة في حياتهم، ليكتشفوا أن خزائن العالم لا تعادل سعادة الأمان التي افتقدوها الآن وأفقدوها لكل السوريين.
ثم إن عنصراً آخر يكمل مسيرة المال في جذب التغيرات لدى البشر وهو الإعلام.
إن هذه «القوة الناعمة» أثبتت قدرتها على فعل الكثير، ومن المؤسي أننا وحتى الآن لم ندرك قدرة الإعلام على التأثير.
وقبل أيام كان يوم حرية الصحافة.. والجميع بات يؤمن أنه لا يوجد وسيلة إعلامية حرة.. فهي ملك مالكها وهي أيضاً رهن لأفكار صانعيها.. لكن يوجد إعلام حر بحيث يمتلك المجتمع بكليته فرصة إعطاء الحق لكل الأفكار والآراء وحتى المصالح بأن تجد وسائلها الإعلامية التي تعبر عنها وتترك للمجتمع حق الاختيار تناسباً مع قوة الإقناع والحجة.
لكن الواقع يقول غير ذلك… الإعلام لم يكن حراً… وامتلك الأقوياء بشكل حصري فرصة بث مباشر لأفكارهم ومصالحهم على الناس من دون أن يعطى الآخرون فرصاً مماثلة. لا يوجد صحافة حرة.. لكن يوجد حرية صحافة.
من الأشياء التي غيّرت آراء الناس وأفكارهم التطرف الديني والطائفي الذي أفرز تطرفاً مضاداً… لم يكن أحد يتوقع أن يتغير السوريون إلى هذا الحد من استخدام اللغة الطائفية.
لكنهم فعلوها.. وأبسط ما يبرر فيه بعضهم استخدامهم لها بأن «الطرف الآخر يستخدمها»، أصبحت بمنزلة فعل ورد فعل.. ولا نعرف أيهما الفعل وأيهما رد الفعل!!
إن ما يمكن فعله في هذا الجنون ألا نشارك فيه على الأقل بانتظار أن يتغير الناس مرة أخرى لكن هذه المرة نحو التسامح والارتقاء.
ثمة أشياء أخرى كثيرة هي محددات التغير عند البشر مثل المصالح وهي أشبه ما تكون بمحددات محمد عابد الجابري عندما تحدث عن الغنيمة العقيدة والقبيلة.. كان عليه أن يضيف أيضاً «الصحيفة»!!
أختم لكم بما قاله أحد منظري علم السياسة «جورج يبرودي» في كتابه «السياسة في بلاد العجائب»:
إن الظاهرة السياسية لا يؤسسها وعي الناس بل تجد واقعها فيما يطلقون عليه اسم «اللاشعور السياسي» والذي هو عبارة عن بنية قوامها علاقات مادية جمعية تمارس على الأفراد ضغطاً لا يقاوم.
إن الثبات على المواقف يستحق المدح حيث قال المتنبي:

وحالات الزمان عليك شتى
وحالك واحد في كل حال

أقوال:

إن الثروة لا تغير البشر، ولكنها ترفع عنهم القناع.
عندما تعزف الأموال على الكمان يرقص الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن