ثقافة وفن

هنيئاً للعمال بعيدهم وهم يبنون الوطن بسواعدهم وعقولهم … تاريخ الطبقة العاملة السورية حافل بمآثر النضال والكفاح والإنجازات على الصعد كافة

| وائل العدس

تقديراً لجهود العامل بمختلف القطاعات الإنتاجية، تم الاتفاق عالمياً على تحديد يوم الأول من أيار من كل عام يوماً للاحتفال بعيد العمال تكريماً لهم واعترافاً بجميلهم.
إن هذا العامل الذي يكد ويتعب طوال العام بهدف كسب رزقه يستحق منا كل تقدير واحترام، ومن واجبنا أن نقدر جهده ونحتفل به ونشجعه على بذل المزيد من الجهد لنرتقي باقتصاد بلدنا، فالعامل عنصر مهم في سلسلة حلقات الإنتاج، وتشجيعنا له وتقديرنا لعمله يعطيه الثقة بنفسه وبعمله أكثر ويحثه على بذل المزيد من جهده.

وقد أجمع العالم على ضرورة إيجاد يوم خاص بالعمال، يكرمون فيه، ويُعلى من شأنهم، وهو مناسبة تتبناها عدة أيدولوجيات فكرية حول العالم، لكونه ينطلق من مبادئ إنسانية لا يمكن أن يختلف اثنان عليها.
إن الاحتفال بعيد العمال يكتسب أهمية كبيرة وخاصة أن الطبقة العاملة في مختلف أنحاء العالم تتعرض لظروف صعبة، نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، واستهداف الحقوق العمالية بعدما أفلست مئات الشركات الكبرى وتعرض العمال للتسريح وفقدان أعمالهم وارتفاع نسبة البطالة في مختلف دول العالم، وذلك في ظل الهيمنة الرأسمالية وسيطرة الاحتكارات وتسلط قوة القطب الواحد على السياسة العالمية.
ويمثل الاحتفال بعيد العمل في سورية عنواناً لتضامن الطبقة العاملة ورمزاً لوحدتها وتجسيداً لانتصاراتها وصمودها في وجه الإرهاب والعقوبات والصعوبات التي تتعرض لها سورية منذ أكثر من سبع سنوات، إذ استطاع عمال سورية بمختلف مواقعهم ترسيخ القيم والتصميم على زيادة الإنجازات في مختلف الصعد رغم كل الظروف والمعاناة، فكانوا مثالاً للوفاء والعطاء لوطنهم ليتمكن من البقاء الرقم الصعب الذي لا يمكن النيل منه.

قصة العيد
تعود الفكرة الأولى لهذا اليوم إلى القرن التاسع عشر للميلاد، وتحديداً في دول أميركا وأستراليا وكندا.
كانت تشتعل في ولاية شيكاغو الأميركية العديد من النزاعات العمالية لتخفيض ساعات الدوام الرسمي في هاملتون في تلك الفترة، وقد تشكلت حركة ترعى هذه النزاعات أطلق عليها حركة ثماني الساعات.
أما في أستراليا فكانت البداية الأولى للعيد، وكانت الانطلاقة الأولى لهذا اليوم في الحادي والعشرين من شهر نيسان عام ألف وثمانمئةٍ وستة وخمسين، ثم انتقل هذا التقليد بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث طالب العمال في ولاية شيكاغو تخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات في اليوم وذلك عام ألف وثمانمئةٍ وستة وثمانين، وتكرر هذا الأمر في ولاية كاليفورنيا.
نظمت مجموعة من العمال في ولاية شيكاغو إضراباً عن العمل، انتقل بعدها هذا الإضراب إلى مدينة تورنتو، شاركت في هذا الإضراب مجموعة من العمال يتراوح عددهم بين ثلاثمئة وخمسين وأربعمئة ألف عامل، طالبوا من خلاله بتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعاتٍ في اليوم، وكان شعارهم: «ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع».
لم يرق هذا الإضراب للسلطات الرسمية وأرباب العمل هناك، وخاصة أن تلك الدعوة التي طالبت بالإضراب قد حققت نجاحاً كبيراً، ونتج عنها إحداث شلل في الحركة الاقتصادية للولاية، حيث أدى هذا الأمر إلى إطلاق الشرطة النار على المتظاهرين وأدى إلى قتل العديد منهم.
قيل بعدها إن مجهولاً قام بإطلاق قنبلة وسط تجمع للشرطة أدى إلى مقتل أحد عشر شخصاً من بينهم سبعة من رجال الأمن، على أثر تلك الأحداث قام رجال الشرطة باعتقال العديد من المتظاهرين من قادة العمال، وحكم بالإعدام على أربعة منهم أما الباقون فقد صدر بحقهم عدد من الأحكام المتفاوتة.
في لحظة تنفيذ حكم الإعدام بالقادة، كانت زوجة أحدهم وهو أوجست سبايز تتلو خطاباً قام زوجها بكتابته لابنه الصغير (جيم)، حيث قال به: « ولدي الصغير، عندما تكبر وتصبح شاباً وتحقق أمنية عمري، ستعلم لماذا أموت وليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء وأموت من أجل قضيّةٍ شريفة ولهذا لا أخشى الموت، وعندما تكبر ستفخر بأبيك وتحكي قصته لأصدقائك».
لاحقاً ظهرت حقيقة القنبلة والجهة المسؤولة عن إلقائها، وذلك بعد اعتراف أحد عناصر الشرطة بأن من قام بإلقاء القنبلة هم رجال الشرطة أنفسهم.
بعد تلك الأحداث وتوابعها سعى الرئيس الأميركي آنذاك غروفر كليفلاند إلى عقد مصالحة مع حزب العمال، وكان من نتائجها أن تم تشريع عيد العمال وإعلان هذا العيد عطلةً رسميّة في البلاد.
كان لأحداث هايماركت تأثير مزلزل للعمّال في العديد من دول العالم، حيث قام المؤتمر الأول للأممية الاشتراكية بإحياء ذكرى تلك الأحداث في مدينة باريس عام ألف وثمانمئةٍ وتسعة وثمانين، تمت على أثره الدعوة للخروج في تظاهرات لإحياء تلك الذكرى، وفي المؤتمر الثاني تم الاعتراف بعيد العمال كحدثٍ سنوي يحتفى به.
في عام 1904 تمت الدعوة إلى عيد العمل في الأول من أيار من كل عام، حيث وجهت هذه الدعوة التي انطلقت من أمستردام إلى جميع النقابات العمالية والمنظمات في جميع أرجاء العالم، حيث تمّ السعي بعدها لتجعله يوم عطلة رسمية في العشرات من الدول.
في عام ألف وتسعمئةٍ وخمسة وخمسين أطلقت الكنيسة الكاثوليكية مباركتها بالأول من أيار كعيد للعمال، وتم اعتبار القديس يوسف النجار شفيعاً للحرفيين والعمال، أما فيما يخص أميركا وكندا فيتم الاحتفال بهذا اليوم وفق التقليد القديم، أي في أول يوم اثنين من شهر أيلول من كل عام.
عمال سورية

إن تاريخ الطبقة العاملة السورية حافل بمآثر النضال والكفاح والمواقف المتميزة، وقد أسهمت بشكل كبير في بناء الوطن وحمايته وتحقيق المزيد من المكاسب ودعم الاقتصاد الوطني.
عيد العمال هو رمز لعمال سورية ليؤكدوا في هذا اليوم أنهم متمسكون بمواقع عملهم ليست لأنها مصدر عيشهم فقط بل لأن هذه المواقع تعني صمود دولتهم في وجه الحرب الإرهابية التي تشن عليها.
كان عمال سورية ولا يزالون السباقين في النضال على ساحات الوطن والدفاع عنه وحمايته من الطامعين بخيراته، ومناهضة الاستغلال بأشكاله المختلفة، واستطاعت الطبقة العاملة من خلال تلاحمها المصيري مع سائر الكادحين أن تسهم بقوة في التحولات الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وتبوأت الطبقة العاملة السورية مواقع مهمة في قيادة العملية الإنتاجية وشارك العمال عن طريق تنظيمهم النقابي في صنع القرارات السياسية والاقتصادية من خلال مؤتمراتهم ومشاركتهم في السلطة التشريعية حتى وصلت نسبة تمثيل العمال والفلاحين في مجلس الشعب إلى 51 بالمئة من عدد الأعضاء في المجلس. ‏
وأصبحت الطبقة العاملة السورية تتحمل المسؤولية وتدافع عن مكاسبها وتعي دورها في إطار المصلحة الوطنية، وأصبحت المؤتمرات العمالية محطات نضالية لتقويم العمل والانطلاق نحو الأفضل على صعيد العمل والإنتاج وتحقيق المكاسب للطبقة العاملة والمساهمة في تطوير أساليب العمل وتحسين مستوى الإنتاج والارتقاء بالأداء والدفاع عن القطاع العام والعمل على تحديثه وتطويره ليبقى القطاع الرائد والقائد للاقتصاد الوطني. ‏
وعلى صعيد آخر فقد حظيت المرأة العاملة بمكانة متقدمة في سورية، حيث تم توفير عناصر الراحة لها سواء فيما يتعلق بمنحها إجازة الأمومة، وافتتاح دور الحضانة للأطفال في أماكن العمل وذلك بهدف توفير الاستقرار النفسي ضمن بيئة عمل المرأة العاملة وتحسين ظروفها الاجتماعية والصحية.

نتطلع للمزيد
لم يدخر عمال الوطن جهداً لمواصلة العمل على كل الجبهات متحدين ظروف الأزمة والإرهاب ليصلوا الليل بالنهار من أجل أن تبقى مواقع العمل مستمرة لتقديم الخدمات التي يحتاجها المواطنون وتلبية احتياجات السوق المحلية.
بكل الأحوال، نتطلع إلى تحقيق المزيد من التطور والتقدم وصولاً إلى الحاضر والمستقبل الأفضل لعمالنا ولاسيما معالجة أوضاع القطاع العام وحل مشكلاته وتخليصه من معوقاته وصعوباته وتطوير مؤسساته الصناعية والخدمية وتعميق دوره الاقتصادي باعتباره مرتكزاً للتنمية الشاملة والعمل على ما يلبي تطوير هذا القطاع واستعادة كفاءته ودعم القطاعات الوطنية الأخرى لتسهم جميعها في عملية البناء والإنتاج بما ينعكس إيجاباً على المستوى المعيشي للمواطنين، وخلق المزيد من فرص العمل وتفعيل دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي بما يحقق تنمية شاملة مستدامة ومتوازنة تحقق التطور الاقتصادي والتقدم والعدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن