قضايا وآراء

رحلة إلى يالطا

| أنس وهيب الكردي

القرم تجسد كل ما تحلم دولة بأن يكون لديها. شبه جزيرة متصلة بالأرض الأم ذات مناخ عليل، طبيعة آسرة، وإرث حضاري فريد.
في هذه الجزيرة، التي قرر أهلها الالتحاق بروسيا قبل أربعة أعوام، قضيت أيام مليئة بالتعلم والتأمل. الدعوة جاءت من مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا والعالم الإسلامي»، للمشاركة في المنتدى الرابع للصحفيين من الدول المسلمة. منتدى العام خصص للتباحث حول سبل إرساء «شراكة ما بين الحضارات»، واجتراح قواعد ناظمة لوسائل الإعلام تساهم في تهيئة الأجواء لهكذا شراكة.
منذ العام 2014، شهدت القرم ورشة نشطة لإنشاء بنية تحتية كبرى تربطها على نحو متزايد بروسيا، الأرقام وحدها تدل على ما شهدته الجمهورية من تطور كبير؛ بين أربع سنوات تضاعفت الاستثمارات بشبه الجزيرة، ما أدى إلى مضاعفة نصيب الفرد من الدخل، وعائدات الموازنة الخاصة. تعي الحكومة الإقليمية ضرورة رعاية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إذ ضاعفت منذ 2014، مخصصات دعم تلك المشروعات 17 مرة، وهو ما جعل عددها يزيد بمقدار الخمس.
تدفقت الاستثمارات الحكومية بشكل خاص على قطاعات الطاقة وتمديد شبكة أنابيب غاز إلى المنازل، وتحديث البنية التحتية للنقل في شبه الجزيرة التي تبلغ مساحتها ضعف مساحة لبنان (26 ألف كيلو متر مربع)، ويقل عدد سكانها عن نصف عدد سكانه (2.5 مليون نسمة). مشروعان ضخمان يعبران عن تفكير الحكومة الروسية: إنشاء مطار جديد في عاصمة القرم، سيمفروبول، وأحد أطول الجسور في العالم الواصل ما بين شبه جزيرة القرم ومقاطعة كراسنودار عبر مضيق كريتش، بطول 19 كيلو متر، والذي سيدخل الخدمة جزئياً هذا الشهر.
والمسافر عبر مطار سيمفروبول المحدث، والذي يتعذر الوصول إليه سوى عبر الأراضي الروسية، نتيجة عدم الاعتراف الدولي بنتائج استفتاء تقرير المصير لمواطني القرم في شتاء العام 2014، يلحظ أعمال التشييد والبناء والتوسع التي لا تزال سائرة على قدم وساق في المطار. كما يلحظ التنوع والتعايش الذي يميز الجزيرة، حيث تستقبله عبارات الترحيب على ألسنة موظفي المطار باللغات الروسية، والعربية. تنوع يرافق زائر القرم في كل محطات شبه الجزيرة التي كانت يوماً من الأيام مركز تنازع جيوسياسي ما بين القيصرية الروسية والسلطنة العثمانية قبل أن تحسم الإمبراطورة كاثرين الكبرى الصراع لصالح بلادها ولتصبح القرم جزءاً من البلاد الروسية.
يعمل الغرب على تكبيد روسيا والقرم أكلافاً اقتصادية وسياسية باهظة، ووسيلته إلى ذلك فرض واحدة من أقسى العقوبات على سكان شبه الجزيرة تشابه إلى حد بعيد تلك المفروضة على سورية. جولة في السوق الرئيسة لمدينة يالطا توضح هذه الحقيقة. غالبية البضائع هي بضائع محلية أو قادمة من تركيا. هذا ما يجعل جسر كريتش في غاية الأهمية بالنسبة لموسكو، لأنه سيوفر الأداة الفعالة القادرة على تعويم اقتصاد شبه الجزيرة. يدعم الغرب كذلك الأمر شخصيات من المعارضة التتارية، في مسعى للتأثير على استقرار شبه الجزيرة.
بالتوازي مع جهودها لاستكمال اندماج القرم اقتصادياً وعلى صعيد البنية التحتية ضمن الاتحاد الروسي، عملت موسكو على إرساء توازن سياسي في شبه الجزيرة، معولةً على إحياء الهوية الإسلامية في المنطقة، التي طالما تعرضت لإهمال خصوصاً إبان الحقبة السوفييتية، بلغ ذروته في التهجير القسري للتتار إلى وسط آسيا إبان الحرب العالمية الثانية. باتت العناية بالآثار والأوابد الإسلامية، ومن بينها: قصر خان تتار القرم في مدينة بخش سراي (القصر المحاط بالحدائق الغناء)، ومدرسة زندجيرالي الشهيرة (مدرسة السلاسل)، ملقاةً على عاتق الحكومة بعد أن كانت من مسؤوليات الأفراد. ولعل نافورة الدموع هي أشهر مآثر قصر بخشه سراي، والتي أفرد لها شاعر روسيا العظيم بوشكين قصيدته الشهيرة مستذكراً وفاء أحد الخانات لزوجته. ذهبت موسكو أبعد، حيث وافق الرئيس فلاديمير بوتين على مطالب التتار بناء مسجد جامع في عاصمة شبه الجزيرة سيمفروبول، سينتهي تشييده بعد نحو أقل من عام.
حرصت روسيا هذا العام على أن تتبوأ القرم بشكل متزايد، صدارة المشهد الدولي، فاحتضنت أشهر مدن الجزيرة، يالطا، الكثير من الأنشطة الرسمية والمنتديات الدولية، من المنتدى الاقتصادي الرابع «مستقبل العالم.. مستقبل روسيا»، وعلى هامشه منتدى التنمية الاقتصادية في سورية، إلى منتدى الصحفيين من الدول المسلمة، وكل ذلك في مدة لا تزيد عن الشهر الواحد. ولهذا المنتدى نكهة خاصة حيث إنه يستهدف إثراء النقاش حول الشراكة ما بين الحضارات وتعزيز تبادل المعلومات بين الصحفيين من الدول المسلمة وروسيا، بالأخص حول الوضع الحقيقي في شبه جزيرة القرم لمواجهة وسائل الإعلام الغربية التي تروج لتعرض التتار المسلمون في شبه الجزيرة للاضطهاد على يد السلطات الجديدة!
لقد خيمت على كلمات المنظمين الروس القلق مما وصفوه بـ«واحدة من أعقد المراحل في تاريخ البشرية، بل حتى الأكثر درامية»، فهم اعتبروا أن العالم «اقترب من حدود خطر احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة»، مشيرين إلى الضربات الغربية التي استهدفت سورية الشهر الماضي، والتي جعلت الإنسانية تقف على أعتاب «حرب نووية» مدمرة. تزاوج التحذير مع الرغبة العارمة في تحقيق إنجاز على طريق الحوار ما بين روسيا والعالم الإسلامي بوصفه خطوة في مسار الشراكة ما بين الحضارات.
ثلاثة محاور اعتبرها المسؤولون من مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا العالم الإسلامي»، التي يقودها رئيس جمهورية التتار في روسيا الاتحادية رستم مينيخانوف، ركائر التعاون ما بين روسيا والدول المسلمة: الحرب ضد الإرهاب، التنسيق الاقتصادي في مجالات النفط، الغذاء خصوصاً القمح، الحبوب، والمياه، وأخيراً، التبادل الثقافي.
بقية المتحدثين ركزوا على مسائلهم المحلية. أولئك القادمون من بنغلاديش وأندونيسيا، أبرزوا المخاوف من الاضطهاد الذي تتعرض له الأقليات المسلمة في بعض دول آسيا. القادمون من المنطقة العربية أشاروا إلى مخاطر التطرف والإرهاب وتصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب على التعاون ما بين الحضارات، مبرزين الخوف من مساعي الغرب لـ «إعادة السيطرة» على المنطقة، متوسلاً «التنظيمات الإرهابية» ونفخ نار «الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة». وبينما نبه المشاركون الذين أتوا من آسيا الوسطى، إلى تزايد مظاهر الأسلمة داخل مجتمعاتهم، لفت المتحدثون الأتراك إلى مخاوف بلادهم من تعاون الأميركيين و «وحدات حماية الشعب» الكردية في سورية، داعين إلى تحالف أوثق مع الروس لمواجهة هذا التحدي.
على هامش المنتدى، دارت بين المشاركين نقاشات عميقة حول السياستين العالمية والشرق أوسطية، لكنها ما لبثت أن أخلت الطريق أمام نقاشات فكرية حول مسائل الفقه، الحديث، والأسس الثقافية لحوار الحضارات، أغناها وجود مستشرقين روس على دراية بالثقافتين الإسلامية والعربية.
شبه الجزيرة، التي كانت سبباً لتوتر روسي تركي طويل الأمد، والتي خاضت قوات من مختلف أرجاء الدولة العثمانية بينها مصر، تونس، سورية، معارك ضارية ضد القوات القيصرية في حرب القرم أواسط القرن التاسع عشر، تقدمها حكومة الرئيس بوتين، الذي اعتبر «روسيا المدافع الأكثر موثوقية عن العالم الإسلامي» نموذجاً لشراكة روسية إسلامية تكون نواة لشراكة أكيدة ما بين الحضارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن