الأولى

رب ضارة نافعة

| وضاح عبد ربه

عام ٢٠٠٢ وعقب هجمات أيلول الإرهابية التي ضربت نيويورك، وبعد الهجوم العنيف الذي شنه الجيش الأميركي على أفغانستان وتنظيم القاعدة بزعامة السعودي أسامة بن لادن، أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش الابن لأول مرة مصطلح «محور الشر» متهماً كلاً من العراق وإيران وكوريا الديمقراطية بالانتماء إليه، وكانت المرة الأولى التي نستمع فيها لهذا المصطلح الغريب آنذاك عن قاموس السياسة العالمي، و«آلية» تقييم الدول وتصنيفها ما بين «شريرة» و«خيّرة»!
عام ٢٠٠٥ تطور مصطلح بوش، وبات المحور يضم أيضاً سورية بعد رفضها الانصياع للائحة المطالب الأميركية وكذلك ليبيا وكوبا، وبعد حرب تموز عام ٢٠٠٦ على لبنان، وانقسام العرب بين مؤيد للمقاومة ومعارض لها، تعدل المصطلح وتطور، وبات الحديث عن محور مقاوم يقابله محور معتدل، وكان الاعتدال يعني الانصياع لسيد البيت الأبيض وأوامره، ولإسرائيل بطبيعة الحال.
ما يحصل اليوم وتحديداً منذ لحظة اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بانسحاب بلاده من الاتفاق النووي الموقع مع إيران، لا يختلف شكلاً، عما كان يحصل منذ عام ٢٠٠٢ في إطار تصنيف وتقييم الدول ومعاقبتها وفقاً لسلوكها تجاه واشنطن وتل أبيب.
الفارق بين عامي ٢٠٠٢ و٢٠١٨، هو أن محور «الشر» الذي بدأ بثلاث دول وفقاً للتصنيف الأميركي، بات يضم اليوم الكثير، وفي مقدمتهم روسيا والصين ودول البريكس إذا اعتمدنا معايير التصنيف ذاتها، أما إيران ذاتها فباتت اليوم أقوى بعشرات الأضعاف عما كانت عليه قبل حرب العراق والحرب على سورية، وتفاقمت قوتها مع كل محاولة أميركية أو إسرائيلية أو عربية لزعزعتها، و«وتحجيمها» إن كان من خلال العقوبات الاقتصادية أو من خلال الاعتداء على كامل المحور المقاوم من لبنان إلى العراق مروراً بسورية، ومنيت جميعها بالفشل.
المحور الذي أراد بوش تصنيفه بالـ«شرير»، أصبح اليوم محوراً للحق والعدالة ولمكافحة الإرهاب، وذلك ليس فقط بفضل صمود ووعي شعوب تلك الدول وقياداتها، بل أيضاً نتيجة حتمية لسياسات واشنطن، ومحاولاتها المستميتة لفرض الوصاية السياسية والاقتصادية على الدول والشعوب وقلب الأنظمة، فكانت السبب الأساس في تكوين رأي عام عالمي مناهض لها ومقاوم لسياساتها، وما كان محوراً في الماضي بات اليوم قطباً يعيد فرض التوازن على الساحة السياسية العالمية، ويعيد لكل ذي حق حقه.
وبنظرة سريعة إلى خريطة العالم، نرى بكل وضوح أن سياسة القطب الواحد دفنت إلى أجل بعيد، وأن دولاً وقوى عظمى، وتحديداً بعد توقيع ترامب قرار انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، ومعارضة أوروبا له، أصبحت خارج نطاق سيطرة القرار الأميركي، وإن انتفاضة كبرى باتت جاهزة لِلَجْم واشنطن وإعادتها إلى حجمها الطبيعي الذي كان قائماً طوال فترة الحرب الباردة، مع فارق في توزيع خريطة النفوذ العالمي، إذ بات حلفاء واشنطن وداعموها، هم فقط أمراء وملوك النفط والبترودولار، أي المغلوبون على أمرهم والمحكوم عليهم تسديد فواتير واشنطن ونفقات سياستها، وهؤلاء من كانوا يصنفون سابقاً في محور «الاعتدال» باتوا اليوم في محور وفلك إسرائيل ينفذون أوامرها وتعليماتها، وعبيداً عند سيد البيت الأبيض الذي ينهب ثروات شعوبهم ليبقيهم على عروشهم!
اليوم أنهى ترامب بسياساته الاستعلائية عهد القطب الواحد، وأعاد الحياة إلى سياسة دولية متعددة الأقطاب، وعزل بلاده عن باقي دول العالم، ووضع نفسه في مأزق لا يرضي سوى إسرائيل، حليفه وداعمه الأكبر، والسعودية والإمارات اللتين باتتا في خندق واحد مع العدو الصهيوني تجاه تصفية القضية الفلسطينية أولاً وإعلان العداء على إيران ثانياً.
خلال الأسابيع المقبلة، وفي حال استمرت واشنطن في سياساتها العقابية، قد تنطلق حرب اقتصادية عالمية، تضع حداً للنفوذ الأميركي وسيطرته على اقتصاد العالم، وهذه الحرب من شأنها أن تلغي دور الشرطي الذي تمارسه واشنطن على كبرى شركات العالم الأوروبية والصينية والروسية والآسيوية عموماً، وستلحق ضرراً بليغاً في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت بدأت تشهد إرهاصات تعاف في قطاعاتها الاقتصادية بعد انهيار عام ٢٠٠٨، وستجد واشنطن نفسها ولو بعد حين، مضطرة للتفاوض مع باقي دول العالم، للتخفيف من وطأة سياستها الاستعلائية وقد يحصل ذلك بضغط من كبرى الشركات الأميركية التي ستخسر المليارات من الدولارات في حال اندلعت الحرب الاقتصادية.
نتيجة قرار ترامب الأخير، لا يمكن إلا أن نتفاءل بمستقبل أكثر إشراقاً للبشرية جمعاء، فما كان عام ٢٠٠٢ محوراً للشر أصبح اليوم محوراً للعدالة الدولية، وقد نرى دولاً أوروبية تقترب أكثر فأكثر من روسيا والصين وتبتعد عن الولايات المتحدة الأميركية، وبالنسبة لإيران يمكن اختصار هذا الأمر بعبارة «رب ضارة نافعة» شرط أن تكون الدول الأوروبية جادة هذه المرة في موقفها من الاتفاق النووي، وألا تكون شريكة في مسرحية مع البيت الأبيض وإسرائيل، لإعادة التفاوض على الاتفاق وفرض شروط جديدة على طهران بحجة «تخفيف التوتر» ومنع اندلاع حرب لا يمكن لأحد أن يستبق نتائجها ويسدد تكاليفها!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن