من دفتر الوطن

الحلم المستحيل!

| عصام داري 

ننحاز إلى الحلم طوال حياتنا، نحلم بالجمال والسحر والحب، بل نحلم بامتلاك «طاقية الإخفاء» لنحقق أحلامنا، أحلام الفقراء.
نحلم بأننا نطير في الجو إلى درجة نكاد نصدق أننا قادرون على التحليق فعلاً، ولكن على ارتفاعات منخفضة لا تتجاوز السنتيمترات، المهم أن نطير! إننا نطير فرحاً عند لقاء من نحب، مثلاً، أو عند استقبال غائب له مكانة القلب من الجسد وقد عاد إلى ملاعب الشباب.
نطير فرحاً، نحن الذين صنعتنا الكتابة وتطويع الأبجدية والحرف عندما ننجز مقالة، قصيدة، كتاباً، مسرحية أو قطعة موسيقية، وهكذا يفعل المبدعون في الفن والشعر والموسيقا.
تخيلوا كيف يمكنكم الطيران، وطيروا كالعصافير والفراشات، فالحلم يجعل الحياة حلوة على مرارتها وقسوتها.
يغريني مشهد كوخ نائم على كتف النهر بالكتابة عن حلم يراودني على مدى سنوات طويلة، فأنا من عشاق الجبال والأنهار والشلالات، عالم قائم بذاته هو هذا العالم الذي أتوق إليه، فيه البساطة والعظمة والجمال المرسوم بالأشجار والورود والأزاهير والمياه المتدفقة التي تعزف معزوفة الخلود.
قيل لي: ستمل إذا تحقق عالمك المسحور، سيتكرر المشهد على مدار الساعة، ولن تستطيع التجديد فيه!، ربما يحدث ذلك، لكنني أظن أن كل يوم ستصادفني صورة جديدة، مفاجأة من نوع خاص، قد تكون بأن ينقر عصفور بألوان مفرحة نافذتي، وقد أكتشف في تسلقي الجبال وتجوالي في الغابة عالماً جديداً، أو حيواناً صغيراً يبحث عن حبة بندق، أو فراشة تاهت بين أزاهير البساتين.
يقولون: «الجنة من دون ناس ما بتنداس»! هذا صحيح، لكن الناس هم من قام بتخريب كوكبنا ولوث هواءه ومياهه، وهم من اغتال الطفولة وتاجر بالبشر وصادر حرياتهم، وهو من سحق الورود وقتل العصافير.
مع ذلك أرى دائماً أن الحلم هو البضاعة الوحيدة والثروة الوحيدة التي يتساوى فيها البشر، فلا يستطيع الأغنياء مصادرة أحلام الفقراء، ولا يستطيع الفقراء تشكيل خطر على الأغنياء! لكن أحلام الفقراء تتحول في كثير من الأحيان إلى كوابيس بسبب الفقر وجشع الأغنياء، فمن قال إن أحداً لن يستطيع تحويل أحلامنا إلى كوابيس؟ إنهم بالفعل يسرقون أحلامنا، وحتى إنهم يشترون منذ الآن قصوراً في الجنة! ومن قال إن الجنة للفقراء؟
نتمنى إشراقات الروح والنفس لتواكب مسيرة الكون نحو الغد الآتي والذي لا يمكن إلا أن يكون مبهراً وسعيداً ومورقاً كما رسمناه في مخيلتنا وأحلامنا، فنحن وحدنا القادرون على تحويل الأحلام إلى حقائق.
ليست معجزة ولا أحجية، بل هي إرادة ورغبة في الحياة السعيدة التي يغمرها النور رغم كل جحافل الظلام التي تحاول حبسنا وخنق أرواحنا في العتمة، هو الحلم بكل أبعاده، والسير على دروب الحب الآتي من عالم الغيب السحري على جناح فراشة من نور، حلم يشحن الروح والقلب بطاقة جديدة من خيالات تسكنها الروعة، وتمنحها فرصة جديدة لولادة من قلب الموات، «وكمشة تفاؤل» من رحم اليأس المتربص بنا.
إنها الأحلام المؤجلة، فتمسكوا بالحلم، إذ لم يبق لكم زملائي الفقراء سوى هذا الحلم المستحيل!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن