اقتصاد

حكومة الفرزدق

| علي محمود هاشم

يخيل للمرء أن «الفساد» بقي على توجسه من البيان الحكومي منتصف 2016، إلى أن أعلنت الحكومة حربها عليه قبل أيام، فجلس متربعا، يردد «جريريته» بتصرّف:
«زعمت حكومتنا أن ستكافح فاسداً.. أبشر بطول سلامة يا فاسد».
ليست النوايا هي من يقف عثرة أمام مكافحة الفساد وفق البيان الحكومي، بل القدرة الذاتية لمنفذيه، ومع ذلك، فللدفاتر القديمة وقع سيئ في النفس، إذ عادة ما يؤوب إليها المرء في هزيع غيابه، وحينها، عادة ما يكون كلامه «مدهوناً بزبدة».
في النتيجة، لم تكن جلسات «الفساد» التي أقامتها الحكومة مؤخراً، سوى زوبعة جديدة انتهت بمراسم «تطييب خواطر» جهازي الرقابة «المركزي للرقابة المالية وهيئة الرقابة والتفتيش»، تخللها وعود بتأمين سيارات وحوافز وبعض «المتطلبات اللوجستية» الأخرى، وبإعلانات مكررة عن حاجتنا إلى تطوير مئات القوانين «القاصرة» التي يشير تعدادها إلى انتظار سنوات أخرى لا يطيقها الوطن والمواطن.
في المرتجى، فلربما أجاب جرير على الفرزدق قبل بعض وألف سنة، وكذا أجابت الحكومة عن الفقرة الرابعة الخاصة بمكافحة الفساد في أولويات بيانها الحكومي «طاب ثراه»، عبر ممارساتها المحبطة في سابقتها ذات العلاقة بـ«تنشيط الدورة الاقتصادية وتحسين المستوى المعيشي».
تذكيراً لـ«المؤمنين»، فالفقرة الثالثة، تحدثت عن «الزراعة ودعم اقتصاد الأسرة والاقتصاد المنزلي وخلق الأسواق التصديرية للمحاصيل الفائضة واستعادة محاصيل القطن والقمح، وتحريك الإنتاج الصناعي ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر والفردية عبر خلق شبكة متماسكة من المقومات التي تضمن نمو هذه المشاريع وتأمين دخولها في الدورة الإنتاجية والاقتصادية».. وبالطبع «إعادة تدوير العجلة الإنتاجية على نحو فعال».
يومها قالت الحكومة: إن بيانها «يتسم بالواقعية والقدرة التنفيذية»، غامزة من قناة سابقاتها بالإعلان عن رفضها الذهاب إلى «بيانات نارية» لا يمكن تطبيقها، وإنها قدمت «ما تستطيع فعلاً تحقيقه والمضي في تنفيذه مبتعدة عن إطلاق الوعود والشعارات»، وفق ما روجت حينها منابرها الإعلامية الملحقة.
البيانات «اللا نارية» و«الواقعية»، لم تطبق!، وسرعان ما أسفرت عن ذاتها الشعاراتية والوعودية، ليس ذلك فحسب، بل تخللها في بعض الأحيان فصول كاريكاتورية كما في قطاعي المشاريع الصغيرة الذي لا يزال يخضع لسلسلة من الاستعمال الشعاراتي الممل، وكذا التمويل المصرفي الذي أزهقت آلاف التصريحات على «إعادة هيكلته في هذه المرحلة الحساسة من عمر الاقتصاد الوطني»!..
النموذجان الفاشلان السابقان كلاهما مثال واضح عما ينتظر شقيقهما «مكافحة الفساد» على يد «الفرزدق».
بشكل شخصي.. ليس للسوريين «حكومات ومحكومين» تاريخ حافل في مكافحة الفساد خارج الأطر الثقافية، لربما يفسر ذلك جانبا من ردود الفعل الشعبية اللطيفة إزاء استيقاظ الحكومة المباغت على شعار مكافحة الفساد، ومن ثم الردود الحكومية الألطف على ذلك التهكم.
وما دامت الحكومة واثقة من نفسها إلى هذا الحد في عدم جديتها بمكافحة الفساد، فالأفضل لها أن تقلب الفقرة الرابعة ولتقفز إلى خاتمة البيان: «أشكركم وأسأل اللـه التوفيق».. أقلّه كي لا تكون فرزدقاً يستفز رداً جريرياً من عيار: «رأيتُ نبلَك يا حكومة قَصَّرت..».

 

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن