ثقافة وفن

مهنة الإعلام.. بين الواقع والتحديات … محمد العمر لـ«الوطن»: دورنا كمؤسسة إعلامية ضعيف وهزيل ومهين

| نسرين ترك

الكاريزما، الموهبة، التأهيل الأكاديمي، الثقافة، التدريب العملي وغيرها، كلها عوامل أساسية تشكل حجر الأساس لكل من اجتذبه ضوء العمل الإعلامي للخوض في صناعة إعلام بمفهومه المهني كصناعة احترافية تقود عقولاً، ترسم سياسات وتُشعل حروباً.
وبعد ثماني سنوات قاسية لا يزال هناك إشارات استفهام حول مستوى الإعلام السوري الذي واجه حرباً كانت إعلامية بالدرجة الأولى، فأين نحن اليوم من كل ذلك؟

وعن هاجس تحقيق التكامل بين الثقافة والمهنية للارتقاء بمستوى الإعلام السوري، ودور كلية الإعلام في تخريج طلاب مؤهلين أكاديمياً وعملياً، وخاصة في ظل حالة من اللامهنية والكثير من الأمثلة التي برزت مؤخراً مجسدةً حالة من الاستسهال وفقر الثقافة لكثيرٍ ممّن يظهرون على الشاشات يومياً، وعن القدوة الثقافية والإعلامية للطلاب، وغيرها من النقاط التي تبحث مقومات وواقع التخصص الإعلامي ودور المؤسسة الأكاديمية في ذلك، التقينا عميد كلية الإعلام الدكتور محمد العمر الذي رأى أن: «مهنة الإعلام تتطلب امتلاك خلفية ثقافية عالية ليكون الإعلامي مؤثراً في المجتمع، وهذا الدور يقع على عاتق الأستاذ في الإعلام إضافة إلى المناهج التدريسية والمحاضرات، حيث تركز كلية الإعلام من خلال مناهجها على مواد ثقافية أساسية تدعم الجانب الثقافي، الفكري والسياسي بشكل متكامل مع المواد الإعلامية التخصصية لتعزيز ثقافة الطالب وليكون حاضراً في كل مجالات الحياة».

حضور شكلي للمكتبة
عند طلاب كلية الإعلام
وأشار العمر إلى الحضور الشكلي للمكتبة على أرض الواقع: «فالمكتبة بمفهومها التقليدي في الفترة الأخيرة أصبحت ثانوية، حيث يستسهل الطالب في ظل التطور التكنولوجي الحصول على المعلومة من خلال الإنترنت بعيداً عن المكتبة، وهو ما يجب التركيز عليه، فمراجعة المكتبة وقراءة المراجع تختلفان عن تصفح الإنترنت والأخبار السريعة، لذلك يجب تفعيل دور المكتبة ورفدها بشكل دائم بمراجع وكتب حديثة».

التدريب العملي ضعيف
وهزيل وهذا إهانة لنا!
أمّا عن أهمية الربط بين الجانب العملي التدريبي وبين تكوين الشخصية في كلية الإعلام مهنياً وإعلامياً، أكد العمر على تفعيل هذه المسألة في الفترة الأخيرة، من خلال الدورات التي تقيمها الجامعة للطلاب، وقال: «الطالب لن يتمكن من امتلاك أدواته على مدرجات الكلية فقط وهذا ما يُسيء لنا، فدورنا كمؤسسة إعلامية ضعيف وهزيل ومهين، فإذا كنا نحترم أنفسنا ككلية يجب أن نفكر بطلابنا بشكل أكبر والعمل على تخريجهم ليكونوا على مستوى جيد، وهو ما نعمل عليه من خلال التعاون مع وزارة الإعلام بكل مؤسساتها الإعلامية وتدريب الطلاب بشكل فعلي، إضافة إلى استضافة المحررين الصحفيين من جميع المؤسسات الإعلامية الوطنية واستقدام الخبرات لتنمية شخصية الطلاب، لتكامل الجانب العملي إضافة إلى الجانب الثقافي، الفكري والأكاديمي.

معايير غير دقيقة لتقييم الأوائل
في كلية الإعلام
وأفاد العمر بأن تقييم الأوائل يتم بناءً على معايير أكاديمية فقط من خلال الورقة الامتحانية، قائلا: «اليوم نسعى إلى اعتماد معايير أخرى بناء على تحقيق الجانب النظري والعملي، ما سينعكس على أداء الطالب ودوره في المؤسسات الإعلامية، فخلال ثلاث سنوات خريج كلية الإعلام الذي سيحصل على ترتيب جيد سيكون ترتيبه «نوعياً» بكل معنى الكلمة، لأن هناك شرخاً كبيراً وهو ما نعمل عليه حيث يتوافق الجانب الثقافي والأكاديمي والتطبيقي المهني».
مشيراً إلى أن دور الجامعة هو النصح والإرشاد ثقافياً، «وهذا دور أستاذ الجامعة بمتابعة الطلاب من خلال المراجع والمكتبات، لأن دور الأستاذ ليس فقط للتلقين والاختبار في نهاية الفصل، وهناك أساتذة يعملون على هذا الموضوع لكن ربما ليس كما يجب».

مستوى هابط ثقافياً
في الوسط الإعلامي السوري
وأضاف العمر إلى وجود حالات مؤسفة جداً على كل وسائل الإعلام السوري، وفي الفترة الأخيرة كان هناك أمثلة لمستوى هابط جداً، قائلاً: «لابدّ من التركيز على المضمون، فلا يكفي الإعلام السوري الإبهار بالهوية البصرية، مع السطحية وتسخيف المادة الصحفية، هناك الكثير من اللامبالاة في هذا الشأن ويجب أن يكون هناك جدية أكبر بالتعامل مع هذا الموضوع في وزارة الإعلام».
وأنهى العمر الحديث بالتساؤل عن سبب عدم التواصل مع كلية الإعلام لتزويد المؤسسات الإعلامية السورية بمشاريع تخرج وأبحاث نوعية، وذلك لأهمية الاستفادة من مشاريع الطلاب ومن خبرات أساتذة الكلية في تطوير العمل الإعلامي بكل أقسامه، مشيراً إلى عدم وجود أي مبادرة من وزارة الإعلام بهذا الشأن.

كلية الإعلام لا تُخرج
حتى «مشروع إعلاميين»
بين الخبرة، الثقافية وملامسة قضايا الناس والتعبير عنها بجرأة، تجارب عديدة حصدت شعبية في الفترة الأخيرة، ومنهم الإعلامي نزار الفرّا الذي أكد ضرورة الحالة الثقافية للإعلامي والتي تظهر من خلال الحوار وخاصّة الحوار النوعي، معتبراً أن الموضوع بالدرجة الأولى هو امتلاك أدوات، أي التحضير الجيد والإلمام بالموضوع المطروح والاهتمام بما يطرحه الضيف، فالإعلامي الذي يمتلك أدواته كاملة ولو كان مستواه الثقافي متوسطاً وغير عالٍ فسيكون مُقنعاً، فالمحتوى الثقافي للإعلامي أمر ضروري لكن هناك ما هو أهم وهو امتلاك الأدوات ومهارة الأداء، وهي مهارات شخصية يمكن للإعلامي أن ينميها عن طريق التدريب، والاهتمام».
ونوه الفرا بأهمية المتابعة والتحضير الجيد لأن متابعة تفاصيل العمل ستظهر من خلال أداء الإعلامي وموضوع القيمة المضافة التي ستظهر بشخصيته، وهي موهبة تميز شخص عن آخر من الإعلاميين، فمن يمتلك موهبة فمن المفروض أن يطورها، أما من لا يمتلك الموهبة فإنه يفتقر إلى القواعد الأساسية التي يمكن أن يبني عليها.
وأشار إلى أهمية الربط بين المضمون الثقافي وقضايا المجتمع لمعالجة قضاياه لأن المضمون الثقافي للإعلامي هو نتاج تحصيل وتراكم لأنه لا يمكن إنكار دور الخبرة، فالمطلوب هو الثقافة التخصصية بأداء الإعلامي والتي تتبع مجال عمله، ومن خلال الخبرة يراكم الإعلامي ثقافة العمل الذي يقوم به.
وحدّد الفرّا مقومات الإعلامي الناجح والسعي لكي يكون قدوة، ما يتطلب حتمية امتلاك الإعلامي للثقافة والكاريزما والشخصية، وهذا جزء منه يخلق مع الإنسان والجزء الكبير يأتي من التدريب المتابعة والتحصيل، إضافة إلى الجانب الذي لا يقل أهمية وهو «السلوك الشخصي» فنحن نعيش في مجتمع ضيق لا يستطيع الإعلامي الظهور على الإعلام والحديث عن القيم والمُثل والمبادئ والأخلاق وفي الوقت نفسه تعرف الناس أن هذا المتحدث لا يمتلك الأخلاق وأن سلوكه سيئ في المجتمع، وبذلك سيكون هناك تباين بشكل حتمي بين صورته التي تظهر على الإعلام وبين شخصيته الحقيقية.
فلا بُدّ للإعلامي أن يمتلك إضافة للأدوات والتدريب مستوى أخلاقياً عالياً جداً وأن يكون ملتزماً بعمله وملتزماً بما يطرحه ليكون له مصداقية..
ومن منطلق عدم جلد الذات وعدم التقليل من شأن الإعلام السوري يرى الفرّا أن الأمور مقبولة وجيدة في الوسط الإعلامي السوري اليوم، مُستثنياً بعض الجدد على المهنة والدخلاء عليها، مضيفاً إنه «بشكل عام الإعلامي السوري على مستوى جيد من الثقافة والمتابعة والاهتمام، ربما تنقصه أحياناً بعض المهارات لتسويق نفسه من خلالها إلا أن الإعلامي السوري متميز جداً من ناحية الثقافة، والإعلاميون في سورية يمتلكون مستوى لا بأس به».
وبرأيه أنه مع غياب الجانب العملي لا نستطيع القول إن كلية الإعلام تخرّج حتى مشروع إعلاميين، هي تخرج طلاب حاصلين على الخبرات المعرفية النظرية فقط، ربما الأمور تتجه اليوم نحو الأفضل في ظل الاهتمام بشكل أكبر بالجانب العملي.

جولة في كلية الإعلام
في جولتنا اطلعنا على بعض آراء الطلاب والخريجين الحديثين في كلية الإعلام، وعن علاقتهم بالمكتبة والأساتذة وقدواتهم الثقافية والإعلامية.. قالت الخريجة حديثاً «ليديا دياب»: دراستي في كلية الإعلام زادت من اهتمامي بالقراءة والاطلاع على معلومات تخص دراستي ومجالات أخرى، لأن الإعلام يحتاج إلى إلمام الشخص بمختلف المجالات، وبالنسبة إلى علاقتي بالمكتبة لم تكن جيدة لأن المعلومات التي كنت أحتاجها لم تكن متوافرة أو بسبب وجود الانترنت واعتمادي عليه وعلى الكتب الإلكترونية بحكم دراستي في قسم الإعلام الإلكتروني.
وأضافت: «الآن وقد بدأت مجال العمل الإعلامي حديثاً أشعر بفجوة كبيرة، فشهادة الإعلام لا تؤهلني بشكل جيد لأخوض عملياً في المهنة، كما أن هناك الكثير من الأمثلة لمن يعملون في مجال الإعلام من دون شهادة أكاديمية ربما يكفي عدد من الدورات التدريبية لتأهيلهم للدخول في المجال».
وعن القدوة الإعلامية والثقافية قالت: لا امتلك قدوة إعلامية عربية، أمّا عالمياً «أوبرا وينفري» لأنها استطاعت تحدي كل الصعوبات التي واجهتها بالحياة لتصبح من أشهر الإعلاميين بالعالم، وثقافياً أفضل الشاعر «نزار قباني» لأنه كتب عن الوطن من خلال المرأة.
وبرأي «رزان أبو عبدلله» قسم إذاعة وتلفزيون أن الإعلامي يجب أن يمتلك ثقافة واسعة في كل المجالات، الأمر الذي زاد من اهتمامها بالقراءة منذ دخولها إلى كلية الإعلام.
مضيفةً إن د. عربي المصري من أكثر المهتمين بهذا الجانب فيحفز الطلاب على القراءة والكتابة يومياً، واقترحت تنمية هذا الجانب في الكلية من خلال إدخال مواد تهتم بالناحية الثقافية أو إقامة ورشات لمناقشة كتاب معين أو إيفاد طلاب من الكلية لتغطية حدث ثقافي في البلد.
ومن القدوات الإعلامية بالنسبة لها: «الإعلامي محمد الخضر وصفاء مكنّا لأنهما أشرفا على تدريبي في دورات خاصة. وعربياً سامي كليب، وغسان بن جدو، وزاهي وهبي. أمّا أهم الكتّاب بالنسبة لي غادة السمان، كوليت خوري، عصام حسن، حسن سامي يوسف».

ختاماً
لا شكّ أن المضمون الثقافي والخبرة العملية لا يقلان أهمية عن المعرفة الأكاديمية خلال رحلة الإعلامي في الغوص بقضايا المجتمع والتعبير عنها بجرأة، وكما أنه لا تكتمل المُثل إلا بتطبيقها، ولا تشعّ المبادىء إلا بتحقيقها، فبقدر ما يبلغ الإعلامي من صدق وحرية وارتقاء يكون الأقدر على السطوع في النفوس التواقة إلى الحقّ.. وليكون منارة بذاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock