ثقافة وفن

24 عاماً على رحيل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب…تبناه أحمد شوقي في أهم مراحل حياته وحناجر ذهبية غنت من ألحانه

 

وائل العدس

تميز بجديته وإخلاصه الشديد لفنه، حافظ على مكانته في الصدارة خلال مشواره الفني، وعُرف عنه تفانيه وفكره الموسيقي المتجدد، والبحث عن كل ما هو جديد ومبتكر.
لم تكن حياة محمد عبد الوهاب مفروشة بالورود، بل كانت مملوءة بالصراعات بين رغباته الدفينة في حبه للغناء والطرب، وبين رغبات الأسرة الذي كانت تريد إلحاقه بالأزهر الشريف مثل أخيه الأكبر، ولكنه رفض ذلك وتمرد على رغبة الأسرة، وسار في طريق الغناء والموسيقا، حيث كان يغني للأطفال في الحارة، وقد اكتشفه رجل كان يسكن معه في الحارة وكان هذا الرجل هو محمد يوسف.

حياته
ولد عبد الوهاب، في 13 آذار عام 1902 في حي باب الشعرية بالقاهرة، لأبيه الشيخ محمد أبو عيسى، الذي كان يعمل مؤذناً وقارئاً وأمه فاطمة حجازي، التي أنجبت ثلاثة أولاد منهم محمد وابنتان.
التحق بكتّاب جامع «سيدي الشعراني» بناءً على رغبة والده الذي أراده أن يلتحق بالأزهر ليخلفه بعد ذلك في وظيفته وحفظ عدة أجزاء من القرآن قبل أن يهمل تعليمه ويتعلق بالغناء والطرب حيث شغف بالاستماع إلى شيوخ الغناء في ذلك العصر.
لم ترض الأسرة عن هذه الأفعال فكانت تعاقبه على ذلك، بعدها قابل فوزي الجزايرلي، صاحب فرقة مسرحية «بالحسين» الذي وافق على عمله كمطرب يغني بين فصول المسرحيات التي تقدمها فرقته مقابل خمسة قروش كل ليلة.
غنى أغاني الشيخ سلامة حجازي متخفياً تحت اسم «محمد البغدادي» حتى لا تعثر عليه أسرته إلا أنها نجحت في العثور عليه وازدادت إصراراً على عودته لدراسته فما كان منه إلا أن هرب مع سيرك إلى دمنهور حتى يستطيع الغناء، وطُرد من السيرك بعد ذلك ببضعة أيام لرفضه القيام بأي عمل سوى الغناء فعاد إلى أسرته بعد توسط الأصدقاء التي وافقت أخيراً على غنائه مع إحدى الفرق.
حضر أحمد شوقي أحد عروض الفرقة وبمجرد سماعه لعبد الوهاب قام متوجهاً إلى حكمدار القاهرة الإنكليزي ليطالبه بمنعه من الغناء بسبب صغر سنه، ونظرًا لعدم وجود قانون يمنع الغناء أخذ تعهداً على الفرقة بعدم عمل عبد الوهاب معهم.
التحق عبد الوهاب بعد ذلك بنادي الموسيقا الشرقي حيث تعلم العزف على العود على يد محمد القصبجي، وتعلم فن الموشحات وعمل في نفس الوقت كمدرس للأناشيد بمدرسة الخازندار، ثم ترك كل ذلك للعمل بفرقة علي الكسار كمُنشد في الكورال وبعدها فرقة الريحاني عام 1921.

مع أحمد شوقي
في عام 1924 أُقيم حفل بأحد كازينوهات الإسكندرية أحياه عبدالوهاب وحضره رجال الدولة والعديد من المشاهير منهم أحمد شوقي الذي طلب لقاءه لكنه لم ينس ما فعله به بمنعه من الغناء وهو صغير، وذكّره بذلك لكنه أكد له أنه فعل ذلك خوفاً على صحته وهو طفل، ومنذ تلك المقابلة تبناه شوقي، وتعتبر السنوات السبع التي قضاها عبد الوهاب معه من أهم مراحل حياته حيث اعتبره مثله الأعلى والأب الروحي الذي علمه الكثير من الأشياء، فكان يتدخل في تفاصيل حياته وعلمه طريقة الكلام وكيفية الأكل والشراب وأحضر له مدرساً لتعليمه اللغة الفرنسية، وبدأ نجمه يبزغ حيث قدمه في الحفلات كافة التي كان يذهب إليها وقدمه إلى رجال الصحافة والسياسة.

عبد الوهاب وأم كلثوم
أول لقاء جمع بين الموسيقار وأم كلثوم كان في دويتو «على قد الليل ما يطول»، بعد ذلك لحن لها أغنية «غاير من اللي هواكي قبلي ولو كنت جاهلة»، فرفضت أن تغنيها فغناها هو، ومن بداية الثلاثينيات وحتى أواخر الأربعينيات كانت الصحف تلقبهما بالعدوين إلا أنه جرت محاولات للجمع بينهما.
المحاولة الأولى كانت لطلعت حرب، الذي أطلع عبد الوهاب وأم كلثوم برغبته في جمعهما في فيلم يتولى استديو مصر إنتاجه ووافق الطرفان لكن حدث اختلاف بينهما حول من يقوم بتلحين الأغاني المشتركة بين البطلين ونتيجة إصرار كل طرف على موقفه تأجل المشروع.
المحاولة الثانية قام بها الرئيس جمال عبد الناصر، حيث انتهز احتفالات أعياد الثورة وعاتبهما على عدم قيامهما بأي عمل فني مشترك أثناء لقائه بهما فوعداه بالعمل على ذلك وجاءت أغنية «أنت عمري» كأول عمل مشترك بينهما.

أجيال لحن لها
لحن موسيقار الأجيال العديد من الأغاني لكبار الفنانين من بينهم، أم كلثوم، حيث لحن لها «أنت عمري» كما ذكرنا سابقاً، و«فكروني»، و«دارت الأيام»، و«ليلة حب»، و«هذه ليلتي»، و«أغداً ألقاك»، و«أمل حياتي»، و«أنت الحب».
ولحن لفيروز «اسهر»، و«خايف أقول اللي في قلبي»، و«يا جارة الوادي»، و«سكن الليل».
بينما عمل موسيقار الأجيال مع عبد الحليم حافظ في أغنيات «أنا لك على طول»، و«أهواك»، و«إيه ذنبي إيه»، و«توبة»، و«شغلوني»، و«ظلموه»، و«عقبالك يوم ميلادك»، و«عشانك يا قمر».
لحن لليلى مراد «حيران في دنيا الخيال»، و«ياللي غيابك حيرني»، و«ياللي سكونك حنان»، و«جواب حبيبي»، و«الشهيد»، و«أرق النسيم»، و«يا قلبي مالك».
بينما لحن لفايزة أحمد «حمال الأسية»، و«بريئة»، و«ست الحبايب»، و«تهجرني بحكاية»، و«خاف الله»، و«تراهني»، و«ياغالي عليا»، و«بصراحة»، و«راجع لي من تاني»، و«وقدرت تهجر».
ولنجاة الصّغيرة «دلوقت أو بعدين»، و«أما غريبة»، و«آه بحبه»، و«شكل تاني»، و«القريب منك بعيد»، و«ع اليادي»، و«آه لو تعرف»، و«إلا إنت»، و«مرسال الهوى»، و«دبنا يا حبايبنا»، و«ماذا أقول له»، و«متى ستعرف»، و«أيظن»، و«ساكن قصادي»، و«لا تكذبي»، و«اسألك الرحيلا».
وقام موسيقار الأجيال بتلحين أغان جميلة لوردة الجزائرية هي «خد عنيه»، و«اسأل دموع عنيه»، و«لولا الملامة»، و«في يوم وليلة»، و«أنده عليك»، و«بعمري كله حبيتك»، و«لبنان الحب»، و«مصر الحبيبة».
ولحن للشحرورة صباح عدة أغان منها «ع الضيعة»، وأغاني فيلم «إغراء»، «سيبوني أغني»، وقدم لها ثلاثة ألحان، ينتمي اثنان منها إلى نمط الموسيقا العربية الكلاسيكية، هما «الرقص نغم» و«يا ورد يا زرع إيديا». كما اختارها لأداء المقطع الخاص بالوحدة العربية في نشيده الجماعي الشهير «الوطن الأكبر».

زيجاته
تزوج محمد عبد الوهاب ثلاث مرات، الأولى في بداية مشواره الفني وهي سيدة تكبره بربع قرن يُقال إنها أسهمت في إنتاج أول فيلم له هو «الوردة البيضاء» وتم الطلاق بعدها بعشر سنوات.
في عام 1944 تزوج بزوجه الثانية «إقبال» وأنجبت له خمسة أبناء هم أحمد ومحمد وعصمت وعفت وعائشة، واستمر زواجهم سبعة عشر عاماً وتم الطلاق في عام 1957، في حين كان زواجه الثالث والأخير من «نهلة القدسي».

وفاته
توفي عبد الوهاب في مساء 4 أيار عام 1991 إثر جلطة بالمخ نتيجة سقوطه الحاد على أرضية منزله بعد انزلاقه المفاجئ من سجاد الأرضية، وشُيعت جنازته في اليوم التالي بشكلٍ عسكري بناءً على قرار الرئيس محمد حسني مبارك.
إذاً قبل 24 عاماً، رحل الموسيقار الكبير الذي لقب بموسيقار الجيل في الخمسينيات، وموسيقار الجيلين في الستينيات، ثم بموسيقار الأجيال في الثمانينيات، بل لقب بالهرم الرابع، وترك ثروة كبيرة من الفن الراقي.
ودعته مصر كلها في موكب مهيب وشارك في وداعه الملايين من العرب الذين متعهم بفنه طوال حياته.
وصدر في عام وفاته عشرات الكتب والمقالات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية تقدم فنه وتتحدث عن حياته وأعماله وآرائه في الفن والدنيا، ومما نشر عنه فيلم وثائقي فرنسي لا تزال تعرضه القناة الفضائية الفرنسية من آن لآخر.

مقتطفات
سينمائياً، قام عبد الوهاب بتمثيل ثمانية أفلام امتدت خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات وهي: «الوردة البيضاء»، و«دموع الحب»، و«يحيا الحب»، و«يوم سعيد»، و«ممنوع الحب»، و«رصاصة في القلب»، و«غزل البنات»، وقدم آخر فيلم له عام 1946 هو «لست ملاكا».
حصل على العديد من الجوائز التقديرية منها: الجائزة التقديرية في الفنون، والدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون، ورتبة اللواء الشرفية من الجيش، ونيشان النيل من الطبقة الخامسة، والميدالية الذهبية من مهرجان موسكو، والميدالية الذهبية في العيد الذهبي للإذاعة، ووسام الكفاءة المغربي، ووسام الاستقلال الليبي، ولقب فنان الشعب، وميدالية طلعت حرب.
تم تكريمه بإنشاء متحف يحتوي على معظم مقتنياته الخاصة وهو يقع بجوار معهد الموسيقا في القاهرة، ثم إقامة تمثال له في ميدان باب الشعرية لتخليد ذكراه.
مثلت شخصيته بعدد من الأفلام والمسلسلات منها: مسلسل أم كلثوم، والسندريلا، والعندليب، وحليم، وأبو ضحكة جنان، وأسمهان، وأنا قلبي دليلي، والشحرورة، ومشرفة رجل لهذا الزمان.
أغلب خواطره كانت تأتي وهو في الشارع.
احتجت مشيخة الأزهر على مشهد لمحمد عبد الوهاب يقبّل فيه الممثلة سميرة خلوصى في فيلم «الوردة البيضاء» وهو يرتدي الطربوش لاعتبار الطربوش شعار مصر القومي.
كان يخاف من ركوب الطائرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن