ثقافة وفن

إدريس جماع.. اختصر التجربة في «لحظات باقية»

| أحمد محمد السح

يعرف العالم العربي على امتداده أبيات الشارع السوداني إدريس جماع التي تصف الحظ العاثر لكن أغلبهم لا يعرف اسمه، إلا المختصون، أبناء بلده الذي أعطاه شعره وكتبه بكل الحب والتفاني. إدريس جماع ترك مجموعة شعرية واحدة جمعها أصدقاؤه بعد وفاته وأعطاه عنوان «لحظات باقية» وكأنه بذلك يختصر تعريف الشعر، فالشعر في خلوده هو لحظاتٌ باقيةٌ تمزج الزمن باللغة، لنحصل على حاملٍ واسع للمشاعر والأفكار والأحلام التي لا تنتهي ولا تموت. وتجربة جمّاع تجربة مميزة نالت اهتمام عدد من الدارسين وخاصة من المتخصصين في الأدب، يعرفه مقدم الطبعة الثانية لديوانه صديقه الشاعر عبد القادر صالح الذي يكتب عنه بمنتهى العاطفة والرقة ويصف حالة الذهول والعينين القلقتين تسبحان في عالم الشعر والجمال باستمرار، وحدهم من عرفوه عن قرب عرفوا مدى دماثته وانبهاره بالعالم والدهشة ودفق العواطف التي يتحملها والتي ربما كانت من عوامل إصابته بالحالة التي ختمت حياته.
ينتسب جماع إلى قبيلة العبدلاب السودانية العريقة مؤسسة مملكة الفونج الضاربة في التاريخ، وهو رجل عرف الغنى والعلم والسلطة في طفولته فوالده شيخ القبيلة وصاحب الكلمة الفصل فيها، لكن جماع كان يفكر بطريقة مختلفة عن الوسط المحيط به، أهله وإخوته وأقاربه، يسرح في ملكات خياله وفي تجارب الحياة والأدب وهموم الوطن التي تحتل صفحات واسعة في ديوانه ولد الشاعر الكبير إدريس محمد جماع سنة ١٩٢٢م (بالخرطوم -عاصمة السودان) والتحق بالكُتَّاب لتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ قسطاً من القرآن الكريم، وفی الثامنة من عمره درس بمدرسة «الحلفايا الأولية «الابتدائية» فمكث فيها أربع سنوات، ثم انتقل إلى مدرسة «أم درمان الوسطی سنة ١٩٣٣ م. وفی سنة ١٩٣٦ م درس بكلية المعلّمين ببخت الرضا. وأوصله طموحه العلمي إلى مصر للالتحاق بكلية دار العلوم. وعاد إلى السودان سنة ١٩٥١ م بعد حصوله علی الإجازة فی اللغة العربية تتوضح في شعر جماع وفي ترتيب ديوانه الوحيد النزعة القومية العربية والهم الوطني بشكل أساسي، فلديه قصائد متعددة في هذا الغرض منها: «رسالة إلى الحياة، نسمة الحرية، وداع المحتل، لحن الفداء وسوها» كلها أشعار تحتوي على النفس القومي، والرغبة بالفداء والتضحية في سبيل حرية السودان واستقلاله، وتكن مشاعر الغضب تجاه المحتل الإنكليزي الذي عاش جماع وأبناء جيله مرحلة طويلة من حياتهم تحت قيده.
(هنا صوتٌ يناديني
نعم لبيكِ أوطاني
سأرفع راية المجد
وأبني خير بنيان
هنا صوت يناديني
تقدم أنت سوداني)
كلمات التقدم والنضال ودعواتها تتكرر في لغة جماع وسين المستقبل والبناء على الأمل القادم تكاد تكون جزءاً من نسغ شعره، وهذا ما دأبت عليه القصيدة الكلاسيكية في توظيفها التنويري والنهضوي المحرض للشعوب حين كان شعر الالتزام والواقعية جديدها وقديمها يشغل حيزاً من اهتمام الشعر وارتباطاً أصيلاً بالمجتمع.
لم يكن إدريس جماع منكمشاً في وطنيته الداخلية بل كان له شعرُ إنساني حار وجامع فمن يحب وطنه بشكل صحيح لا بدّ أن يحب الإنسانية جمعاء وإدريس جماع من الشعراء الذين انتهوا إلى الشعر الأصيل في الإنسانية ووردت عدة قصائد في ديوانه ومنها «أنت إنسان، فجرٌ من الصداقة وغيرها الكثير»:
(أنت إنسانٌ بحقٍّ وأنا
بين قلبينا من الحب سنى
وإذا ما سقط الطير الجريح
وهو مخضوب على الأرض طريح
وتلمست بجنبيك الجروح
أنت إنسانٌ بحق وروح)
ومن اندماجه بوطنيته كان إدريس جماع جزءاً من المد القومي العربي، ويبدو أن دراسته في مصر واطلاعه على الأفكار الناصرية جعلته قومياً اشتراكياً، وإن لم ينتسب إلى حزب بحق ولكنه كان يؤمن بهذه المبادئ ويحاول أن يساير مناسباتها، وإن كان شعر المناسبات هو أضعف شعره، مع أنه أثبته في ديوانه دلالة قناعةٍ تامة، ولكن القومي لا يمكن أن يسكت حين تتعرض الجزائر وثورتها للمؤامرات من الغازي، فهو الذي كتب قصيدة «صوت الجزائر» وهو الذي درس وتربى في مصر وكتب «في وجه العدوان» إبان العدوان الثلاثي على مصر، وله قصيدة «الشرق يتذكر» التي يقول فيها:
(خطوات الزمان في الأحقاب
ساحرٌ وقعها بتلك الرحاب
صور بعضها يمر كومضٍ
من ضياء وبعضها في انسياب)
هذه قصيدة يعتبرها هو، ملحمة في المد العربي يحاول تكثيف التاريخ العربي قارناً إياه بالإسلامي، وماراً على كل عصر ومرحلة منذ نشأة الدعوة الإسلامية حتى زمن كتابته للقصيدة.
ومن القومي يتميز شعر إدريس جماع بالنزعة الوجدانية وهو يتفرد بهذا الشعر وقد نال اهتمام الناس وحظي باهتمام المغنين في بلاده، فقد غنى ولحن المغني سيد خليفة السوداني عدداً من قصائده ومنها قصيدته الشهيرة «أنت السماء»:
(أعلى الجمال تغار منا
ماذا عليكَ إذا نظرنا
هي نظرةٌ تنسي الوقار
وتسعد القلب المعنى)
في ديوانه لحظات باقية خلجات وجدانية اعتمد فيها على الشعر الكلاسيكي ولم يحاول الذهاب إلى قصيدة التفعيلة ولا قصيدة النثر مع أنه عرف شعراءها وعايشهم لكنه اكتفى بمحاولات تجديدية بسيطة في تغيير الوزن والكتابة المقطعية للقصيدة، وقد امتازت أوزانه بالخفة فابتعد عن البحر البسيط إلى مخلّع البسيط وابتعد عن البحر الطويل إلى مجزوئة، وغيرها من الأوزان الخفيفة التي تسيل على لسان قائلها بمقتضب الكلام والموسيقا، انتهت حياة إدريس جماع في مشفى للأمراض العقلية، ولم يعرف السبب المباشر لجنونه لكنه دخل للاستشفاء وكتب شعراً وهو في هذه الحالة إلى أن وافته المنية عام 1980.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن