قضايا وآراء

هل يتفكك حزب أردوغان؟!

| د. بسام أبو عبد الله

إن قراءة متأنية لمسيرة إنشاء حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا تعطي مؤشرين اثنين:
الأول: أنه أنشئ في مرحلة الإعداد لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ضمن إطار برنامج «الإسلام والديمقراطية» الذي أشرف عليه كبار الباحثين في الولايات المتحدة بشكل أساسي.
الثاني: أنه أتى استناداً لقراءة متأنية لواقع المجتمع التركي، وإدراك قسم من القيادات الإسلاموية أن الأتراك المحافظين يرون أن الوقت قد حان للوصول للسلطة ضمن إطار المشروع الكبير الأميركي، وأيضاً بسبب أخطاء ارتكبها العلمانيون الأتراك، وعدم قدرتهم على قراءة المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية.
والخلاف الذي برز بين تيار الإسلام السياسي التقليدي بزعامة نجم الدين أربكان، وتيار أردوغان ورفاقه أن الأول رفض أن يكون جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الكبير، وما سمي لاحقاً بـ«الربيع العربي»، والثاني كان العراب الأساسي له من خلال الوثيقة التي وقعت بين عبد اللـه غول وكولن باول في البحرين عام 2004.
كان المطلوب من هؤلاء الذين أسماهم «أربكان» بعد انشقاقهم عنه بـ«الأبناء المدللون بالصهيونية» أن يقوموا بمهمتين:
أ- ضرب الفكر القومي الأتاتوركي والعمل تحت يافطة «الأمة الإسلامية» لجر الإخوان المسلمين العرب خلفهم باسم «العثمانية الجديدة» خدمةً للمشروع الأميركي الصهيوني، وبالطبع إسرائيل.
ب- ربط اقتصادات بلدانهم بمؤسسات الرأسمال العالمي، وإضعاف البنية الإنتاجية الوطنية، وتحويل بلدانهم إلى تابع، وخادم للمؤسسات الدولية.
إنّ استعراضاً سريعاً للدور التركي منذ أحداث تونس ثم مصر وليبيا واليمن وسورية، تظهر الدور الذي كلف به حزب العدالة والتنمية على صعيد المنطقة، أضف إلى ذلك أن الاتفاق بينهم وبين الأميركيين كان يستند أساساً إلى تقسيم البلدان العربية، ودخول تركيا باسم الإسلام والعثمانية كحصان طروادة من أجل خدمة المشروع الأميركي الكبير، ولذلك نجد تركيا في سورية وليبيا واليمن والسودان وغيرها من المناطق بدعم أميركي مباشر.
ما عرضته هو موجز سريع للأهداف العامة، ولكن أين حصل الافتراق داخل الحزب الحاكم، وبين مؤسسيه؟
الحقيقة أن الافتراق حصل بين فتح اللـه غولين وجماعته الشديدة التنظيم، والمتغلغلة داخل مؤسسات الدولة التركية عبر عقود، وبين شريكه رجب الطيب أردوغان الذي استفاد في البداية من نفوذ الجماعة حتى يتمكن، وأما غولين فقد استفاد من أردوغان ورفاقه لزيادة تغلغله في مؤسسات أخرى كالجيش والمخابرات، والتي نجح خلال سنوات حكم أردوغان من سجن كبار ضباط الجيش الأتاتوركيين المعارضين للمشروع الأميركي من خلال قضية «ارغينيكون» الشهيرة، ولكن مع بدء صدامه مع أردوغان وإدراك الأخير أن هناك اتجاهاً لتصفيته سياسياً والإطاحة به من أجل استلام جماعة «غولين» السلطة في تركيا، وهو ما انفجر في محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، فإن رجب الطيب أردوغان عمل على اجتثاث جماعة غولين من كل مؤسسات الدولة، والإطاحة بالشخصيات المقربة منه، ويقال أن أحمد داود أوغلو وعبد اللـه غول من هذه الشخصيات، ولذلك عمد إلى الإطاحة برفاقه واحداً تلو الآخر، حتى يستفرد بالسلطة وينهي أي وجود لمنافس محتمل يكون بديلاً له، لتتحول تهمة الانتماء لجماعة «غولين» إلى شمّاعة يصفي من خلالها أردوغان كل خصومه السياسيين.
شكّلت الأنا المنتفخة لأردوغان عاملاً أساسياً في ارتكابه للأخطاء المتتالية في الداخل والخارج، إضافة إلى التعجرف، والتكبر، والعظمة التي يستمدها من تاريخ السلاطنة العثمانيين، ويقال بأنه يتشبه دائماً بالسلطان عبد الحميد الثاني، وجاءت الانتقادات لممارساته بعد سيطرته المطلقة على الإعلام، وتراجع الحريات وحملات الاعتقال الواسعة في كل المؤسسات والجامعات والصحف، ومراكز البحث والجيش والأمن، إضافة للنظام الرئاسي التنفيذي الذي اعتبره الكثيرون أنه نظام الرجل الواحد ذي الصلاحيات المطلقة.
الآن بعد خسارة رئاسة بلدية اسطنبول في 23 حزيران الماضي، تصاعدت الأصوات المنتقدة من رفاقه السابقين، وفي مقدمتهم الرئيس السابق عبد اللـه غول، ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، وتركزت هذه الانتقادات بشكل بارز على نقاط عدة كما أعلنها داود أوغلو، وهي:
• الأنا المتكبرة.
• الشهرة وتسويق النفس.
• اتساع الفجوة بين الأقوال والأفعال
• استخدام القيم المقدسة من أجل المصالح السياسية.
• تخصيص المناصب للأفراد، ولعائلاتهم، ولحاشيتهم.
• التهجم على الأشخاص الذين يعتقد أنهم منافسون سياسيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
• انكفاء الكثير من القيادات بسبب عدم الوفاء لكوادر الحزب الذين قدموا تضحيات كبيرة.
• وجود فريق يرى نفسه فوق مؤسسات الحزب، ويتصرف وكأنه تنظيم مواز داخل الحزب، يحيد مؤسسات الحزب المنتخبة.
أخيراً: يقول هؤلاء إنه لا يمكن ترك الحزب والدولة لمجموعة وقعوا أسرى لأطماعهم ومصالحهم.
وإذا كان داود أوغلو أكثر من عبر صراحةً وعلانيةً عن ذلك، فإن أوساطاً تركية ترى أنه لا يحظى بالدعم الشعبي حسب قول أوساط أردوغان، وأنه يمثل نفسه مع مجموعة من المتضررين «أصحاب المصالح»، وأما أردوغان فإنه يرى أن داود أوغلو هو من صنعه وقدمه ودفع به، في حين أن عبد اللـه غول لا يرتاح لداود أوغلو باعتبار أن الأخير انقلب عليه أساساً لأن بداياته كانت مع غول.
الواضح تماماً أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يتجه نحو التشرذم أكثر في محاولة لوقف تفرد أردوغان بالسلطة وبالقرار، وتحويل الدولة التركية إلى سلطة عائلية تخالف ما اعتاد عليه الأتراك، ولكن الصراع في جوهره هو بين اتجاهين حقيقةً:
* اتجاه أوروآسيوي أصبح أكثر قوة وانتشاراً داخل مؤسسات الدولة التركية والنخب، ويضم تيارين: «قومي إسلامي، قومي علماني».
* اتجاه أطلسي يرى أن العلاقة يجب أن تكون مع واشنطن والغرب، وأنه لا مصلحة لتركيا بالخروج عن الإرادة الأميركية.
من هنا يجب أن نفهم طبيعة الصراعات داخل تركيا نفسها، وبين روسيا والولايات المتحدة، وأين يجب أن تكون تركيا، فالصراع على تركيا، وفي تركيا، وهذا هو المعيار والسؤال الأساسي بالنسبة لأردوغان وحزبه وبقائه في السلطة، فالقوى الأطلسية تعيد إنتاج نفسها، وأردوغان ما يزال يناور على الجبهتين، ويحاول اللعب على هذه التناقضات، واعتقادي أن هامش المناورة يضيق أمامه في الداخل كما رأينا، وفي الخارج كذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن