ثقافة وفن

تسرع في القبول.. وزواج عرفي أهم النتائج … العنوسة والعامل النفسي

| غالية اسعيّد

كلمة اجتاحت العالم والمشرق العربي بشكل كبير، وأصبحت تتكرر مثل بقية كل الكلمات، وفي كل اللهجات إحساس مؤلم وشعور برفض المجتمع وعدم تقبل لهذا الشخص لكونه حمل صفة ولقباً لا ذنب له فيه إلا أنه لم يرض المحيط بأن يكون مماثلاً لهم…
(عانس) أربعة حروف تشكل خطاً بيانياً في حياة أحدهم رجلاً كان أم امرأة.. كلمة قد تكون نهاية لمشوار حياة في مجتمعنا، وحكماً لهذا الشخص بإيقاف إشاراته الحمراء على خط الحياة السريع…
العنوسة… شبح يخيف ساكني الأرض بكل أرجائها مشرقها ومغربها ولكن قد يكون الفرق في بعض المجتمعات رفع سقف العمر المسموح به إلى حد ما… مما لاشك فيه مشكلة ارتفاع سن الزواج لكلا الجنسين أو ما يتداوله المجتمع ظاهرة العنوسة، فقط أصبحت مشكلة جديرة بالطرح مراراً وتكراراً، وإننا في حاجة ماسة للتوعية في هذا المجال، من خلال تثقيف وتوعية المجتمع عامة بمخاطر الظاهرة، ومنح الإنسان حرية اختيار الشريك المناسب، بعيداً عن اعتبارات النسب والمال والكفاءة العلمية وخلافه، وتنازل المرأة عن بعض الشروط غير الرئيسة التي قد تعيق تقدم الخاطبين، وعدم المغالاة في المهور، والتقليل من الزواج من أجنبيات.
تؤدي العنوسة إلى عدد من التأثيرات السلبية الخطيرة، فمن الناحية النفسية:
– تؤدي للشعور بالحرمان: نتيجة عدم الالتقاء بشريك الحياة أسوة ببقية النساء ما يجعلها تنظر للمجتمع من خلال نظرة حسد وحقد وتعبر عن رأيها بسلوك عصبي وعدواني.
– العزلة والانطوائية: حيث تهرب الفتاة من نظرات الناس ومحاولة البعض تمني الزواج لها بصفة مستمرة تتردد على مسامعها، ما يدفعها لتفضيل الانعزال.
– حرمان الإشباع الفطري: من الفتاة، ولاسيما حاجتها للشعور بالأمومة والسعادة الزوجية.
– انهيار التوازن النفسي: بسبب السلوك المتناقض في التعاملات مع الآخر، نتيجة الضغوط النفسية المتتالية.
كما تؤدي العنوسة إلى آثار اجتماعية سلبية، وأبرزها التسرع في الزواج والقبول بأي شخص من دون معرفته، والتعرض للزواج العرفي والزواج غير المكتمل أو المنقوص.
كما له أيضاً تداعيات أخلاقية سلبية، منها الانسلاخ من الأخلاق في بعض الأحيان مع غياب الوازع الديني، والتفكير في التبرج، وتصل في حالات أخرى إلى التورط في بعض أمور العنف.
إن الفتاة لم تعد نفسها اليوم تحلم بالفارس الذي يحملها على الحصان الأبيض، ولم تعد تهتم بقوة شخصية الرجل، إنما أصبح جل اهتمامها منصباً على قدرته على توفير حياة مرفهة لها، إضافة إلى عوائق أخرى من أهمها هو إصرار الفتاة على استكمال مرحلتها الدراسية واستبعاد فكرة الزواج أثناء الدراسة، إلى جانب مغالاة أولياء الأمور في المهر والتكاليف المصاحبة التي تجلب التعاسة إلى بيت ابنتهم إن تزوجت، بجانب انتظار فارس أحلام كامل المواصفات من الفتاة ورفض المتقدمين لها، والتشدد في اختيار زوج البنت من الأهل، وعدم قبول البنت بالمتزوج من امرأة أخرى.
وعليه وجب الانتباه إلى العامل النفسي ومدى تضرر الجسم نفسياً لكلا الطرفين، تشير الإحصاءات المتاحة من بعض الدول العربية أنها فعلا ظاهرة من حيث العدد ومن حيث الانعكاسات النفسية والاجتماعية على السواء.
آثار النفسية للعنوسة:
قليلا ما تجد منهم متمتعاً بحياة طبيعية، على الرغم من نجاح بعضهم في تعويض حالتهم من خلال عمليات التسامي (الإعلاء) وذلك بالنجاح في العمل أو النجاح في القيام بأعمال ذات قيمة اجتماعية عالية أو الإبداع الأدبي أو الفني أو اللجوء إلى الزهد والحياة الروحية أو لجوء بعضهن إلى «الاسترجال» وبعضهن إلى الاستعلاء (ربما عقاباً للأهل وللمجتمع كله على إهمالهم).
فهم ربما يعانون الوحدة على الرغم من كثرة الناس حولهم في بعض الأحيان، والغربة والإحساس بالدونية على الرغم من محاولاتهم إنكار ذلك أو إخفائه أو تكوين رد فعل عكسي له، ناهيك عن الفراغ النفسي، والحرمان العاطفي أو الجنسي أو كليهما، وعلى الجانب الأنثوي الحرمان من الأمومة الذي ربما تستعيض عنه بالاندماج مع أطفال الأسرة ولكن ذلك غير مشبع لهذه الغريزة المهمة للمرأة السوية، ومعاناة الحرمان من الدفء الأسري (ربما تستعيض عنه مؤقتا بدفء الأسرة الكبيرة ولكنه زائل أو مهدد بالزوال لا محالة).
وإذا لم توجد وسائل كافية للتعويض، وإذا لم يوجد معنى للحياة في أنشطة مفيدة ومشبعة فإنها ربما تكون عرضة للقلق أو الاكتئاب أو لهما معاً، ومعاناة من اضطرابات جسدية كثيرة سببها الحالة النفسية التي لا يعبر عنها بشكل مباشر وبعضهم قد يخرج من هذه الأزمة بطرق إيجابية -كما ذكرنا- وبعضهم قد يخرج منها بطرق سلبية كأن يميلوا للعنف وربما التورط في بعض الجرائم نظرا لتراكم الغضب بداخلهم من نظرة المجتمع وظلمه لهم، وبعضهم ربما يلجأ للغواية العاطفية أو الجنسية كنوع من رد الاعتبار أو إثبات الذات أو الانتقام من المجتمع، وقد ينزلق بعضهم إلى احتراف البغاء في ظروف معينة خاصة حين اليأس من الزواج نهائياً.
ولا تقتصر مشكلات العنوسة على النواحي النفسية بل قد يمتد ذلك إلى النواحي البيولوجية فنجد تغيراً واضحاً يظهر مع السنين في الشكل ونضارة الجلد وحيوية الجسد.
وكحل مقترح من الجوانب النفسية والاجتماعية:
على الرغم من قلقنا من العنوسة وآثارها، فعلينا أن نحترم اختيار البشر في زواجهم أو عدمه فلا ترغم فتاة على زواج لا ترغبه لمجرد التخلص من شبح العنوسة.
محاولة المجتمع والمحيط الأهلي من تقبل فكرة وجود شخص خارج نطاق الزواج والتعامل معه من دون النظرة الدونية أو الاستنقاص من حقوقه الإنسانية والنفسية بأي شيء سواء كانت معنوية أم نفسية أو اجتماعية.
نشر ثقافة الزواج وأهميته لتوفير الكثير من الاحتياجات الفطرية للنفس السوية بشكل سوي يتوافق مع القيم الدينية والأخلاقية والأعراف السليمة، فالزواج (على الرغم من انتقاد البعض له أو الشكوى من مشاكله) هو أفضل مؤسسة اجتماعية عرفها البشر حتى الآن، ويؤدي وظيفة بنائية ضرورية لاستمرار الجنس البشري وارتقائه خاصة في حالة قيامه على أسس سليمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن