ثقافة وفن

عالم واسع يفتح للفرد آفاقاً جديدة على رؤاه المستقبلية المجهولة … أحلام اليقظة.. القدرة على تذكر الماضي وتخيل المستقبل ضمن سلسلة من الأفكار المعقدة

| وائل العدس

ظهر الاهتمام بالأحلام والخيال منذ العصور القديمة مروراً بالعصور الوسطى وحتى العصر الحالي، واختلف علماء الفلسفة قديماً وعلماء النفس حديثاً في تناولها ودراستها بالتفسيرات البدائية القديمة ومنها إلى التفسيرات العلمية الحديثة.
أما أحلام اليقظة فتعتبر من الظواهر النفسية التي من الممكن أن يمارسها الجميع ضمن الحدود المعقولة من دون المبالغة بها، فهي عالم واسع يفتح للفرد آفاقاً جديدة على رؤاه المستقبلية المجهولة؛ أي إنها العملية النفسية التي تسمح للفرد في عيش أفكاره البعيدة أو المستحيلة التحقيق؛ حيث إن أحلام اليقظة هي عملية استخدام المهارات الذهنية وتوظيفها للوصول إلى تحقيق الأهداف والرغبات؛ ما يحقق للفرد حالة الإشباع على مستوى الخيال الشخصي.
كما عرّف معجم المعاني أحلام اليقظة على أنها الاسترسال في التأمل الخيالي بالرؤى أثناء اليقظة، ويعد من الوسائل النفسية التكيفية لعيش التجارب التي لم يتم المرور بها أو الأحداث المستحيلة الوقوع، والعيش بها كأنها قد تحققت.

عالم الخيال

حلم اليقظة هو إعمال الذهن في تحقيق الرغبات، ما يحقق إشباعاً على مستوى الخيال. إذ يلجأ الأشخاص إلى خيالهم، ويشردون فيه، كي يحققوا إشباعاً لا يستطيعون تحقيقه في الواقع.
وعادة، يمارس جميع الناس أحلام اليقظة، ولكن من دون إغراق فيها. أما من يغرقون فيها فإنهم يشكون من كثرة السرحان، وعدم تذكر الأشياء، والبطء في إنهاء المهام التي يريدون إنجازها.
فمثلاً، يشكو الطالب الجامعي، أنه لا يستطيع التركيز أثناء المحاضرات، على الرغم من حضورها بانتظام، وعلى الرغم من محاولته الإنصات والانتباه للمحاضر. كما أنه عندما يجلس إلى كتابه، ليذاكر، فإنه يبدأ بقراءة وفهم بضعة سطور، ثم ينتبه فيجد الوقت قد مر عليه طويلاً، من دون أن يقرأ غير هذه السطور القليلة. فيتساءل، بينه وبين نفسه، أين كان؟ وماذا شغله خلال هذه الساعات؟ حيث كانت عيناه على سطور الكتاب، على حين عقله في عالم آخر.
إنه عالم الخيال الذي شرد إليه، فيلوم نفسه وخياله، ويحاول العودة إلى مذاكرته، وتنجح المحاولة ولكن لدقائق معدودة لا يلبث بعدها أن يعود إلى أحلام اليقظة من جديد. وتتكرر المحاولة للإنجاز، ويتكرر السرحان في حلم اليقظة من جديد.
هذه هي الشكوى غالباً، ولا شك أن الإنسان المصاب بحلم اليقظة يجب أن يتخلص على الفور إن زاد على حده أو أدى ذلك إلى تعطل بعض أمور حياته.
إن الإنسان المصاب بحلم اليقظة لا يستطيع أن يتقدم في حياته فقد يلقي اللوم على أشخاص آخرين لا ذنب لهم فقط ليرضي نفسه، فيخلق لنفسه عالماً افتراضياً يعيش فيه ويحقق آماله وأهدافه من خلاله ولكن ذلك في عقله الباطن فقط وفي عالمه الذي صنعه لنفسه لا في الحياة الواقعية.
أحلام اليقظة هي عبارة عن استجابات بديلة من الاستجابات الواقعية فإذا لم يجد الفرد وسيلة لإشباع دوافعه في الواقع فإنه قد يحقق إشباعاً جزئياً عن طريق التخيل وأحلام اليقظة وبذلك يخف القلق والتوتر المرتبط بدوافعه.
فالفقير يحلم بالثراء والفاشل قد يتخيل أنه وصل إلى قمة المجد، وبعض التخيلات تكون هي الدافع الأساسي لأن تكون عينا الشخص تنظران إلى الخيال.
ويلجأ معظم الناس إلى أحلام اليقظة أحياناً، ولكن الأسوياء سرعان ما يعودون إلى الواقع، أما الاستغراق الشديد فيها إلى درجة استنفاد جزء كبير من الطاقة النفسية، فذلك يؤدي الإسراف فيها إلى مرض عصابي، قد ينتهي إلى العجز عن التمييز بين الواقع والخيال.

في علم النفس

تناول فرويد رائد المدرسة التحليلية في علم النفس أحلام اليقظة على أنها تعبير الفرد عن أهدافه ورغباته المكبوتة، فهي الحالة الذي يدخل فيها الفرد نفسه لإشباع رغباته وتحقيق أهدافه التي قمعت وكبتت في الحاضر أو في الماضي في مرحلة الطفولة بسبب رقابة الأهل أو المجتمع، كما اعتبر فرويد أحلام اليقظة أنها الحالة التي تقع بين النوم والاستيقاظ.
أما حديثاً فقد قام العالم إريك كلينجر عام 1980 بالكثير من الدراسات التي تناولت موضوع أحلام اليقظة، ووجد أنها تدور غالباً حول الأحداث اليومية العادية التي يمر بها الفرد، فمثلاً الأفراد العاملون في الوظائف المملة كسائقي الشاحنات، يستخدمون أحلام اليقظة للتخلص من حالات الملل والضجر التي يتعرضون لها بسبب طبيعة أعمالهم الروتينية، وبشكل عام لم يجمع علماء النفس على تعريف ثابت لهذه الظاهرة.

عمل شاق

يُعرّف طبيب الأعصاب الدكتور ميريان أحلام اليقظة بأنها عمل شاق يحدث في النهار وخلال الاستيقاظ، ويخدم بعض الوظائف المهمة، من خلال القدرة على تذكر الماضي، وتخيل المستقبل ضمن سلسلة من الأفكار المعقدة، والتي يتم توليدها في الأنسجة الداخلية للدماغ، وتتغير هذه الأفكار نتيجة تغير المعلومات الواردة إلى المسارات العصبية في جسم الإنسان.
وتشير الدراسات إلى أن ما يقرب 96 بالمئة من الأفراد البالغين يملكون حالة واحدة على الأقل من الأوهام اليومية، والتي تنتج بسبب التذبذبات التي تحدث في العقل، حيث كتب عالم النفس الأميركي ويليام جيمس نظرية الوظائف العقلية، وأشار إلى أنه بالإمكان تحول الاهتمام الفكري إلى أشياء غائبة عن الذهن، أو ربما يقود التأمل إلى خلق حالة من الهفوات العابرة، والتي تؤدي بدورها إلى تحول الانتباه من العالم الخارجي إلى الأوهام الداخلية.
وترتبط أحلام اليقظة بروابط قوية بالشبكة الافتراضية في الدماغ، حيث تربط هذه الشبكة أجزاء من القشرة الأمامية، بالعديد من الأجزاء القشرية الأخرى في الدماغ، ويلعب نشاط هذه الشبكة في توليد التحفيز، الذي يسمى بتحفيز التفكير المستقل، وبالتالي فإن أفكار التحفيز المستقلة هي التي تشكل الأوهام أو ما يسمى بأحلام اليقظة.

فوائد أحلام اليقظة

توجد فوائد عديدة لأحلام اليقظة، ومنها استراحة الدماغ، حيث تساعد أحلام اليقظة على إعطاء الدماغ فرصةً لكي يستريح، وزيادة الإبداع لأنها تولد أفكاراً إبداعيةً جديدة، كما تسهم في زيادة الحب بين الناس، حيث تزيد من السعادة والحب والتفاهم بين الناس، حيث أظهرت الأبحاث أن نوعاً معيناً من أحلام اليقظة، وخاصةً النوع الاجتماعي ينطوي على زيادة الروابط الاجتماعية الحميمة والإيجابية بين الأشخاص.
كما تقوم أحلام اليقظة بتحسين عمل الذاكرة، وقد أثبتت الأبحاث الأخيرة في جامعة ويسكونسن ومعهد ماكس بلانك للعلوم الإنسانية وجود علاقة قوية بين أحلام اليقظة وبين قوة الذاكرة.
وأيضاً تقوم بالحفاظ على الصحة، حيث أثبتت الأبحاث أن أحلام اليقظة هي نوع من التنويم المغناطيسي الذاتي، ولكنها ذات مستوى منخفض، وتساعد على تقليل التوتر، وتعزز الصحة من الناحية الفسيولوجية، كما تقلل من التعب والإجهاد، وتساعد على النوم بشكلٍ أفضل.

ومن فوائد أحلام اليقظة أيضاً تعزيز تحقيق الأهداف وحل المشاكل بطريقة خلاقة، كما تعمل على تعدد مهام الدماغ؛ حيث وجد العلماء أن أحلام اليقظة هي الأفكار العفوية التي تنشأ ذاتياً، وتقوم بتنشيط مجالات الدماغ، وتحفز من الإبداع، وتزيد القدرة المعرفية، وتحسن الحالة المزاجية.

الإيجابية والسلبية

تصنف أحلام اليقظة إلى نوعين، الأول هو أحلام اليقظة الإيجابية وهي الأحلام التي يظهر أثرها الإيجابي على الفرد من خلال عملية التحفيز الذاتي والتخطيط المستقبلي وتدعيم الاستقرار النفسي؛ حيث تعمل على تنشيط الشق الأيمن من الدماغ وتقوية الروابط العصبية، إضافة إلى المساعدة في تقوية الذاكرة، وبالتالي فإن الاستثمار السليم لها يساعد الفرد على الإبداع وتنمية مهارة حل المشكلات؛ حيث أثبتت الدراسات من خلال التصوير المغناطيسي للمخ أن المناطق التي لها صلة بمهارة حل المشكلات تصبح أكثر نشاطاً أثناء حالة حلم اليقظة.
أما النوع الثاني فهو أحلام اليقظة السلبية وهي الأحلام التي يستخدمها الفرد بشكل مبالغ فيه حيث يعيش في عالم من الخيال المتواصل بعيداً بشكل كبير عن العالم الواقعي والحقيقي، إضافة إلى الغرق في عالم الأفكار والصور الخيالية السلبية منها، والتي تؤدي في مراحلها المتقدمة إلى نتائج غير سوية. ومن الممكن أن تصبح أحلام اليقظة ظاهرة أو سلوكاً مضراً على السير الطبيعي والمستقر على حياة الفرد إذا ما تم استخدامها بشكل مبالغ به ومتواصل، ويظهر ذلك عند استغراق الفرد في هذه الأحلام أثناء أدائه لمهامه المختلفة أو أثناء عملية التعلم، ما يؤدي إلى فقدان التركيز وضعف الانتباه وبالتالي فقدان المعلومات والتعليمات المهمة، وبذلك فإن التداخل الذي يحصل بين أحلام اليقظة والوظيفة التي يقوم بها الفرد قد يؤدي إلى تدني مستوى الإنجاز الشخصي، كما يظهر ضرر العيش في أحلام اليقظة على الصحة النفسية من خلال التعاطي مع الأفكار السلبية غير السوية بشكل كبير؛ ما قد يجعل الفرد يميل للانتحار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock