الأولى

الأقمار الصناعية وداحس والغبراء

| نبيه البرجي

الجنرال جوزف فوتيل، القائد السابق للقيادة الوسطى الأميركية، قال لإحدى الصحفيات «لم نكن نشكو فقط من غباء حلفائنا في الشرق الأوسط، ولا من هشاشتهم. كنا نشكو، أيضاً، من محاولاتهم الاستنساخ القبلي لقصة الضفدعة والثور». كيف تصبح الضفدعة ثوراً.
وقال: «طوال تلك السنوات، كنت أشعر كما لو أنني أحمل جثة فيل ميت على ظهري».
كما لو أن الأقمار الصناعية، الآن، لا تتولى إدارة داحس والغبراء، بعدما كان المنظّر الأكبر لليمين الأميركي برنارد لويس قد لاحظ أن لا أحد مثل العرب يحتفظ في ذاكرته، ربما حتى نهاية العالم، بحجر قايين.
رجب طيب أردوغان، وبكل تلك اللوثة العثمانية، وبعدما أخفق في الوصول إلى شرق المتوسط عبر سورية، انتهى به المطاف عند الشواطئ الليبية. هاجس التاريخ وراء هاجس النفط والغاز. حتى الآن، والصدمة تلو الصدمة، ما زال يحاول البحث عن لقب سلطان البر وخاقان البحر. حتماً لم ينس لقب «خادم الحرمين الشريفين» الذي يعتقد أن ثمة من انتزعه، ذات ليل، من بقايا السلطنة.
فوتيل غسل يديه من كل ما فعلته، وما تفعله، إدارته من أجل أن يتحول العرب إلى حطام جيوسياسي، وحطام جيوستراتيجي، على حين الآخرون يخترقون القرن بأدمغتهم أو بأظافرهم. كيف يمكن لذلك الليل أن يمتد إلى أكثر من ألف عام؟
أردوغان الذي لولاه لما كانت الأزمة في سورية هو من ظن، وقلناها المرة تلو المرة، إنه باستخدامه تلك النيوانكشارية التي تم تصنيعها في أسواق الصفيح، وبالمال العربي إياه، يدخل إلى دمشق، تالياً، إلى كل مدن العرب. جنكيز تشاندار تحدث عن الرجل الذي يتأرجح بين صوت المئذنة وصهيل الخيول الميتة.
هي نقطة التقاطع بين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب الذي قال أمام الملأ «لسوف أجعلكم تبيعون الرمال على أرصفة الريح». لم يرَ فينا سوى براميل النفط، وصناديق الذهب. ثم يتحدثون في أروقة الكابيتول، وفي أروقة وزارة الخارجية، عن حقوق الإنسان. متى لم يكن المخلوق العربي يساوي ذبابة في العقل الأميركي؟
ألا توجد تلك الأمم التي بعثرتها الإمبراطوريات، أو حوّلتها إلى ركام، لتنبعث، كما الفينيق، وتبني دولاً، وتبني مجتمعات، تتفاعل مع ديناميات الحداثة؟ كثيرون في ديار العرب يصرون على البقاء، ظواهر زجاجية لا بد، عاجلاً أم آجلاً، من أن تذروها الرياح، أن تذروها… الحرائق!
سورية أزعجت كثيراً جوزف فوتيل بكل تلك المليارات، وبكل تلك الجبخانات، وبكل تلك السيناريوات لم تسقط. يارجل أنت الجنرال، وقد راهنت على الفيل الميت الذي حملته على ظهرك.
دعونا نر كيف يتراقص دونالد ترامب أمام كيم جونغ ـ أون الذي يكيل له الضربات، وكيف يراقص رجب طيب أردوغان حين يهدد بإقفال قاعدة أنجيرليك، ربما بالاستيلاء على الخمسين قنبلة نووية التي ترقد في مخازنها.
ما الذي يمنع دولاً عربية محورية من أن تعمل ليل نهار للمّ شمل العرب، وإقامة المنظومة الفولاذية، في منطقة قد تكون الأكثر حساسية في الكرة الأرضية؟ ذاك المال الذي كأنه يذهب علفاً للدجاج إن لم يذهب علفاً للقنابل.
دول في نشوة التبعية، ودول في نشوة الانتقال من عالم الأيديولوجيات المجنونة إلى عالم جون ترافولتا ووالت ديزني. من أهال كل ذلك التراب على الخوارزمي، وعلى جابر بن حيان؟
تلك الأدمغة المكدسة في المستودعات لماذا لا توظف في إقامة وادي السيليكون العربي؟ ألم نقل إن الأقمار الصناعية هي من تتولى إدارة داحس والغبراء؟ كلنا في حضرة داحس والغبراء. لا ندري ما الذي ينقصنا لنكون قوة كبرى في هذا القرن الذي لا مكان فيه إلا للأقوياء.
حتى برنارد لويس الذي يزدرينا يتوجس من… يقظة الرمال!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock