ثقافة وفن

«شموع السلام» تضيء من جديد وتحتفي بالفنان نعيم شلش … شلش لـ«الوطن»: شكراً من القلب إلى القلب

| جُمان بركات

الفن شعلة السلام التي لا تنطفئ، والفنانون هم بلسم الجراح والريشة التي تستطيع إلغاء كل السواد لترسم لنا عالماً أجمل. وضمن رسالة المحبة والسلام وبمشاركة نخبة من كبار الفنانين السوريين أقامت جمعية «شموع السلام» المعرض الجماعي في المركز الثقافي –أبو رمانة- تحت عنوان «تحية للفنان نعيم شلش» الفنان الذي أسس لملامح المشهد التشكيلي السوري في الستينيات والسبعينيات، وقد يتراءى للبعض أن هذه البساطة الرهيفة بالخطوط والألوان في لوحاته لا تشي بالكثير، ولكن هي في الحقيقة عصارة تراكمات في الحياة، فهي تختصر عمق الحكمة وبذورها من خلال رصانة تعبيرية تميز بها الفنان نعيم شلش.

شموع السلام
وبدورها قالت رئيسة جمعية «شموع السلام» الفنانة لينا رزق: فعالية اليوم بعنوان «تحية للفنان نعيم شلش» وهو فنان مخضرم وغني عن التعريف، له تاريخ طويل من الجهد والثقافة، لذلك أردنا من خلال هذا المعرض تسليط الضوء على أعماله في معرض تكريمي إضافة إلى ندوة، وذلك بمشاركة أعضاء جمعية «شموع السلام» لنضيء شمعة صغيرة، ونقدمها للفنان نعيم شلش، واليوم نحن نقول من خلال هذه الفعالية شكراً للفن وشكراً لعطاء الفنان.
شارك في المعرض 33 فناناً، وعن مشاركتها في المعرض الجماعي قالت الفنانة التشكيلية رزق: لقد شاركت بلوحة تحكي عن الوجوه المتخبطة والمعاناة التي نعيشها، وكل وجه يحكي قصة، فيها حزن وألم وسعادة ومشاعر متنوعة.

المشاركون في المعرض
طلبت جمعية شموع السلام من الفنان نهاد العيسى المشاركة في المعرض، فقدم لوحة جديدة لراقص الدراويش مع لوحتين قديمتين ويكون بمنزلة تعاون مع الجمعية، وشاركت الفنانة التشكيلية باسمة الحريري بلوحة عبرت فيها عن الخير والأمل المنتظرين أن يصلا إلى سورية.
أما الفنانة التشكيلية سحر مسعود فقد قالت: هي ليست المشاركة الأولى في معرض جمعية «شموع السلام» التي حاولت جمع الكثير من الفنانين التشكيليين من جميع المحافظات، وأنا بدوري قدمت لوحة بسيطة تعبر عن البيئة الريفية التي نعتز بها بالألوان الشعبية التي تعطي تفاؤلاً وراحة نفسية وخاصة في هذه الظروف القاسية.

مزيّة خاصة
وعبرت الفنانة التشكيلية جهاد رجوب عن مشاركتها في معرض تحية للفنان نعيم شلش حيث قالت: جمعية «شموع السلام» تهتم بفنانين لهم بصمة وخصوصية، وكانوا على تماس مباشر مع الناس، وأغنوا الحركة التشكيلية، وأنا أقدّر كثيراً إنجاز الفنان نعيم شلش وتابعته بدقة فقد اختزل المسافة بينه وبين الواقع لونياً وتعبيرياً، وقدم التعبير للمشاهد مباشرة لذلك نراه في أعماله لوناً واحداً ومعبراً جداً من دون الخوض في الاهتمام بالشكل، ويوظف كل عناصر اللوحة لخدمة الموضوع الذي يقدم المضمون، ومن جهة أخرى نعيم شلش هو إنسان في موضوعاته، فنجد في لوحاته الوجوه والفلاح والمرأة والطفل والمفردات الاجتماعية بهمومها التي يفترض أن يضيء عليها أي فنان، وهو لا يستخدم اللمسات الدسمة في اللون وإنما مع طبقات شفافة استطاع إعطاءنا التعبير الدرامي لتعابير الوجه التي تنقل لنا الإحساس، وهذه مزيّة اشتغل عليها شلش فأعطته الصيغة الفنية الخاصة فيه.

جمال فني
يتصف الفنان نعيم شلش بالصفات الإنسانية وقال عنه الشاعر سليمان السلمان: لوحاته ترتبط بطبقة العمال والفقراء والكادحين، وهو ذو شخصية متفردة بعذوبته وجمالية رسمه وخطوطه المتميزة وخصوصاً في اعتماده على اللون البنفسجي بين أزرق وأحمر، هذا الذي يمثل حالة الألم والموقف الإنساني من القضايا الفنية التي تعبر اجتماعياً وحياتياً عن مصالح الناس والفقراء بأشكالهم وأهدافهم، هذه الوجوه المتجهمة التي تحمل البساطة وتنتقل من مكان إلى مكان في روحية اللوحة ذات التأثير النفسي والإنساني، ونعيم شلش مبدع له حساسية متألقة.
من القلب

لم تنتظر جمعية «شموع السلام» كالعادة لتكريم الفنان بعد مماته وإنما قامت بمبادرة مهمة وأقامت معرضاً احتفت من خلاله بمسيرة فنان جميل امتدت نحو أربعين عاماً، كان الوجه الإنساني بطل لوحته، واستطاع الوجه التشكيلي عند الفنان إعطاء كل ما لديه من ملامح ومكنونات وأفكار ومعان بخصوصية، وفي تصريحه قال الفنان نعيم شلش: هذا التكريم يعني لي الكثير، وهذا دليل على محبة الناس والفنانين، وقيمة إنسانية كبيرة وأنا في حالة عاطفية مرتفعة جداً، والتكريم مهم جداً في حياتي من زملائي الفنانين، وأجد صعوبة في التعبير ولكن يمكن أن أقول «شكراً من القلب إلى القلب».
وأضاف: الحركة الفنية التشكيلية جيدة، والجيل الجديد أعطاها رؤية خاصة جداً، وهناك مدارس جديدة، وأنا اليوم شاركت بخمس لوحات فيها وجوه كانت مختزلة في ذاكرتي لسنوات طويلة وانسكبت على سطوح لوحاتي.

مسيرة حضارة
وفي تصريحها قالت الإعلامية إلهام سلطان: هذه الندوة هي تكريم لمسيرة فنان، هذه القامات التي لها دور في رسم مسيرة الحضارة السورية والمسار الإنساني وبصمة مميزة في التاريخ، ومن المهم جداً الإضاءة على حياتهم فهم أيقونات وقدوة للأجيال القادمة، وفي الوقت ذاته هي لحظة وفاء تقديراً لجهودهم العظيمة.

ابن للوطن
وبدوره أوضح د. محمد غنوم في تحية الفنان نعيم شلش ثلاث نقاط، الأولى التواضع: فنعيم يدخل الحركة التشكيلية السورية ولا ينظر إلى الصف الأول أو الوسط أو الأخير، لكنه يجلس في المكان الذي يعرف أن ما يحيط به هم من المحبين ومن هم في مثل تواضعه ومن يشبهونه في دماثة أخلاقه. والثاني: الخصوصية، فرسومه مرآة لشخصية لا تميل إلى الثرثرة وتحترم الصمت أكثر من الكلام، تبتعد عن الإسراف في الألوان والخطوط وتقدس العمق. والنقطة الأخيرة، الأصالة: من خلال لوحات نعيم وشخوصه تعرف أنه ابن للوطن فمفرداته التشكيلية من وجوه وعناصر نراها تحيط بنا من كل جانب، نعرفها ونتحدث إليها باستمرار فهو متأثر بكل ما في الوطن من جمال.

الترابط التقني
يعتقد الفنان التشكيلي نشأت الزعبي أن تجربة نعيم شلش تتخطى الواقع المرئي المحسوس، حيث قال: الفنان في سعي حثيث دائماً إلى ما هو أسمى وأكثر شمولية، والأهم إلى ما هو أكثر خصوصية وروحانية أيضاً، وذلك من خلال المعالجات التي بجهده التأملي تمكنت من تجاوز كل ما هو مألوف من قواعد وتقاليد أكاديمية في رسم الشخصيات الإنسانية وصولاً إلى تجسيد حي لحقائق الشعور كما هي في أعماقه.
أعمال نعيم شلش غالباً ما تتجه إلى تغييرات في الهيئة المرئية، وإلى شيء من التجفيف لمظاهرها التسجيلية من دون أي انتقاص من الواقع، إنه فقط لا يريد إلا تغيير رؤيتنا لها لنتعرف إليها، وهي مجردة من كل التفاصيل المضللة، وذلك عبر نسق منظم يتصف بالسكون وبنوع من التوازن الثابت الذي تميزت به أعماله دائماً، في أعمال شلش نوع من الترابط التقني لا يخص أحداً غيره وهو ترابط قد تتخلى فيه الخطوط والألوان عن مهمتها في تمثيل الموضوع لتكون هي الموضوع بذاته لنجد أنفسنا في النهاية أمام دراما مشهدية بالغة الروعة والتأثير.

فنان المونولوج
أما الناقد سعد القاسم الذي تغيّــب عن الحضور، فقد تحدثت نيابة عنه السيدة رباب أحمد مديرة المركز الثقافي التي أطلقت على الفنان نعيم شلش «فنان المونولوج الداخلي» قائلة: يمتلك نعيم شلش أسلوباً واضح التميز في المشهد التشكيلي السوري، تراوح توصيفه بين التعبيرية والتجريد الهندسي، غير أن خاصيته الأساسية تمثلت على الدوام في المناخ اللوني الذي يجمع بين معظم لوحاته مترجماً عبر الألوان الهدوء العميق الذي يتسم به الفنان ذاته.
ولد نعيم شلش عام 1941 وتخرج عام 1966 من قسم التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة جامعة دمشق، شارك منذ تخرجه في معظم معارض وزارة الثقافة ونقابة الفنون الجميلة إضافة إلى مشاركته الدائمة في المعرض السنوي لفرع القنيطرة، ساهم منذ الثمانينيات في عدد من الجماعات الفنية التي كانت تقيم معارض مشتركة ومنها جماعة العشرة وجماعة الأربعة. له أعمال مقتناة في المتحف الوطني في دمشق ووزارة الثقافة إضافة إلى مجموعات شخصية في ألمانيا والأرجنتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock