من دفتر الوطن

جاك علي بابا

| حسن م. يوسف

لم تقنعني الرسالة التي تلقيتها من عدة أصدقاء خلال اليومين الماضيين، حول مبادرة «حفظ الاقتصاد الصيني» في مواجهة فايروس كورونا، التي أطلقها الملياردير الصيني (جاك ما) صاحب موقع (علي بابا) للتجارة الإلكترونية، ولم أصدق أنه قام بشراء بدائل أميركية للسلع المتوقفة من أسواق الصين وبأعلى الأسعار، وعرضها على موقعه الشهير (علي بابا) بسعرها القديم نفسه وقدرت خسائره بـ(230) مليون دولار!
قمت بالبحث عن النص بالعربية والإنجليزية فلم أجد له أصلاً سوى لساني حال على الفيس بوك، تم نسخ ثانيهما عن الأول بعدم براءة! للحظات نويت أن أهمل الموضوع، لكنني تذكرت أن الصديقة زينب وليد علي التي كانت إحدى طالباتي في المعهد العالي للفنون المسرحية، تتابع دراساتها العليا حالياً في الصين، فكتبت لها رسالة إلكترونية طالباً منها تأكيد الأمر أو نفيه، فأكدت لي أنها لم تجد شيئاً باللغة الصينية عن قيام «جاك ما» مؤخراً بشراء أي سلع من أمازون فيما يخص موضوع فيروس كورونا، الأمر الذي أكده لها بعض الأصدقاء الصينيين الموثوقين الذين ساعدوها في البحث. لكنها أكدت لي أن شركة (على بابا) أطلقت دعماً خاصاً رسمياً «لضمان أن يتمكن المستهلكون من شراء أقنعة بأسعار معقولة وذات نوعية جيدة». كما أعلنت المجموعة عن «إنشاء صندوق خاص بقيمة بليون يوان، لإمداد العاملين في المجال الطبي بأدوات الحماية». كما أعلنت المؤسسة الشخصية العائدة لـجاك ما، عن تبرعه بمبلغ 100 مليون يوان لدعم تطوير لقاح جديد للفيروس.
من الواضح أن هدف الأخ ملفِقِ الخبر المشار إليه أعلاه، هو توبيخ أغنيائنا الذين هرَّبوا أموالهم إلى الخارج، وهم يستحقون التوبيخ حقاً. لكن تلفيق الخبر وضعني أمام حالة المبالغة المرضية التي نعاني منها وبسببها، فنحن عندما نحب شخصاً ما، ننسب له فضائل ليست فيه، وعندما نكره شخصاً ننسب له مخازي ورذائل ليست فيه! ونحن في كلتا الحالتين نمارس الكذب ونخلط الحقيقي بالزائف حيث نشوش على مصداقية كليهما!
ما لا شك فيه هو أن الأخ الملفِّق معجب بالملياردير جاك ما، والحق أن قصة حياة جاك ما جديرة بالاهتمام لأنه مصدر إلهام لملايين الشباب حول العالم، فقد نهض من الصفر وفرض نفسه كعملاق في عالم التكنولوجيا وكأغنى رجل في الصين، لذا سأوجز لكم حياة جاك ما في الأسطر القليلة المتبقية. ولد جاك ما في هانغتشو بمقاطعة جيجيانيغ الصينية. وأظهر في سن مبكرة رغبة جامحة في تعلم اللغة الإنجليزية، لذا كان يقود دراجته كل صباح لمدة 45 دقيقة يومياً، وعلى مدى ثماني سنوات، للوصول إلى فندق ينزل فيه سياح أجانب، كي يقدم لهم خدماته كدليل سياحي مجاناً بهدف تحسين لغته الإنجليزية.
فشل جاك ما مرتين في امتحان القبول في الجامعة، وبعد تخرجه، مارس تدريس اللغة الإنجليزية لمدة خمس سنوات براتب يعادل خمسة عشر دولاراً في الشهر. انتقل بعدها للعمل كمترجم في مدينة سياتل الأميركية حيث تعرف لأول مرة إلى الإنترنت. فور عودة جاك ما إلى الوطن جمع ثمانية عشر صديقاً في شقته، ليكشف لهم عن فكرة مشروعه للتجارة الإلكترونية. وافق الجميع على المشروع، وقاموا فوراً بجمع 60 ألف دولار لإطلاق موقعِ علي بابا. وتلك كانت بداية هذه المجموعة التي تتجاوز مبيعاتها السنوية حالياً 170 مليار دولار، ويعمل فيها أكثر من 22 ألف موظف ينتشرون في أكثر من سبعين ألف مدينةٍ حول العالم. وهكذا أصبح معلم الإنجليزية البائس، أغنى رجل في الصين، وأول رجل أعمال صيني آسيوي تظهر صورته على غلاف مجلة فوربس الأميركية. يقول جاك علي بابا: «الفشل هو أكثر الأشياء التي تصنع منك إنساناً ناجحاً، الآلام التي ينقلها إحساسك بالفشل هي الترياق الذي يساعد في إيصالك إلى أعلى الدرجات، ومن ثم إلى النجاح. أما ما سينقلك من ألم الفشل إلى الإحساس بالنجاح فهو تحدي نفسك».
تحية لكل من يتحدون أنفسهم وعلى رأسهم جنود الجيش العربي السوري الذين يحققون أفضل النتائج في أسوأ الظروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock