الأولى

أردوغان… فقدان التوازن

| بيروت – محمد عبيد

أردوغان مرة بعد مرة، لم يقتنع رئيس النظام في تركيا بَعدُ أن الرقص على حبال التناقضات الإقليمية والحسابات الدولية مؤقت ولا يصنع معادلات ثابتة.
راهن أردوغان على محاباة الشريك الروسي واستمالته من بوابة رغبة موسكو في استعادة موقعها التاريخي في الشأن الليبي، لذلك استعجل توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع بعض السلطة القائمة في طرابلس الغرب، مدعوماً بما تبقى من ما يسمى «تنظيم الإخوان المسلمين» هناك، ولذلك أيضاً حاول إغراء هذه السلطة بإمكانية إفراد موقع متقدم لليبيا المستقبل في منظومة توزيع النفوذ الدولي والإقليمي في إدارة منابع وخطوط إمداد الغاز، الطاقة المنافسة والبديلة للنفط، بعدما اكتملت تقريباً المنظومة التي أنشاتها الولايات المتحدة الأميركية في شرقي حوض البحر المتوسط والتي تكونت من خمس دول وكيان واحد وهي: مصر، الأردن، اليونان، قبرص، إيطاليا وكيان العدو الإسرائيلي.
في الواقع كان رئيس النظام التركي بحاجة إلى داعم دولي يحميه من الهجمة التي سيواجهها من أميركا راعي المنظومة المذكورة، والذي يقيه أيضاً من الضغوطات التي سيتعرض لها من طرفين أساسيين معنيين مباشرة بالشأن الليبي وهما: الدول العربية وفي مقدمها مصر التي تراقب عن كثب وبتحفز الاختراقات التركية الخطيرة في الواقع الليبي، بدءاً من نقل مسلحين إرهابيين إلى بعض الأراضي الليبية وبالأخص على طرف الحدود مع مصر، مع ما يعني ذلك من تعزيز لمنظومة الإرهاب التي تتسرب من هناك إلى الداخل المصري، مروراً بمحاولات تعزيز نفوذ «الإخوان» في منظومة الحكم الليبية العتيدة، وصولاً إلى فرض أردوغان نفسه شريكاً «إسلاموياً» سلطانياً في الحل والربط في جميع القضايا والأزمات العربية.
أما الطرف الثاني فيتمثل بالدول الأوروبية عامة وبالأخص منها تلك المقابلة للشواطئ الليبية المتوسطية، والتي تعتبر نفسها أنها نجحت حتى الآن في لجم الابتزاز التركي لها في موضوعين وجوديين بالنسبة لها: الأول هو عدم دفع اللاجئين إلى حدودها، أي تجنب مواجهة أزمة إنسانية يمكن أن تزيد من التعقيدات الاجتماعية والعنصرية والسياسية التي تواجهها معظم حكومات دول الاتحاد الأوروبي، والثاني هو إبقاء الإرهابيين الأوروبيين الأصليين أو الأجانب الذين يحملون الجنسيات الأوروبية القادمين من دول الإتحاد في عهدته وعهدة جهاز مخابراته، ومنحه في مقابل ذلك تسهيلات اقتصادية وتجارية وسياحية تمنع الانهيار الكبير المفترض للعملة الوطنية التركية، ما يعزز قدرته على الحفاظ على تقدمه السياسي-الشعبي المحدود والمُهدد كما بينت الانتخابات البلدية الأخيرة، والتي اكتسح فيها معارضوه معاقل المدن الرئيسية التي كان قد بنى فيها ركائز نفوذه.
في ظل هذه التعقيدات المركزية التي تواجه أردوغان ومنظومة حكمه وغيرها من التوازنات التي تتبدل بين يوم وآخر في إقليم مضطرب ومتأرجح بين التسويات وبين الحروب المتنقلة التي تلامس الانفجار الواسع، لايجد رئيس النظام التركي سوى الجغرافيا السورية مساحة لرفع صوته أو لإثبات شراكته في صياغة توازنات الإقليم المُعلقة على نتائج المواجهة بين دول وقوى محور المقاومة من جهة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحلفائها وأتباعها من جهة أخرى.
هو فقدان التوازن الذي يدفع أردوغان ونظامه للهروب إلى الأمام عبر محاولة عرقلة استكمال الجيش العربي السوري عملية تحرير ما تبقى من المناطق التي تسيطر عليها المجموعات الإرهابية المسلحة بدعم ورعاية استخباراتية وعسكرية ولوجستية تركية، ذلك أن القضاء على هذه المجموعات سيفرض معادلة أنه لم يعد هناك من مبرر مصطنع وكاذب لاحتلال الجيش التركي لأراض سورية خصوصاً بعد سقوط إمكانية إنشاء كانتون انفصالي كردي يمتد من شمال سورية إلى شرقها.
لكن هل المبررات التي تتعلق بالأمن القومي التركي التي يدّعيها نظام أردوغان هي الدافع الحقيقي للعبث بأمن وحياة ومستقبل الشعب السوري، أم الجموح السلطاني الذي يتحكم بعقل وسلوك رئيس النظام التركي والذي قاده إلى نشر قواته المحتلة ومرتزقته في سورية والعراق وليبيا.
سؤال يجيب عنه الجيش العربي السوري من خلال قرار قيادته إنجاز المرحلة الأخيرة من تحرير الأراضي السورية المحاذية للحدود التركية، لكن التحدي الأوسع يكمن في موقف عربي واضح يواجه الاحتلالات التركية لأراض عربية، لكنه أمرٌ دونه انشغالات عربية في تسييل وتسهيل الاعتداءات الأميركية على إيران وسورية وفلسطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock