قضايا وآراء

«كورونا» ونهاية العولمة الأميركية

| تحسين الحلبي

تحت عنوان: «فيروس كورونا والعالم المتعدد الأقطاب» أكدت المجلة الإلكترونية العالمية «يونايتد داتا» في 14 آذار الجاري أن الصين حققت انتصاراً باهراً لها ولحلفائها على أكبر قوة عولمية هيمنت على العالم خلال قرن من الزمان، ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن تغلبت القيادة والشعب الصيني على فيروس كورونا ومضاعفاته على الصينيين وعلى اقتصاد الصين، وتمكنت بفضل قدراتها التكنولوجية وثقافة نظام انضباط الصينيين في مواجهة بلاء كورونا من استنهاض قدراتها وتشجيع دول العالم على الاستعانة بتجربتها وبمعداتها الطبية والدوائية.
وبالاستنتاج نفسه أشارت مجلة «غلوبال تايمز» الأميركية الشهيرة في 3 آذار الجاري تحت عنوان «النذير السيئ الذي لم تره الولايات المتحدة بعد» إلى أن التحدي الذي فرضه كورونا على الولايات المتحدة أصبح أكبر نذير سوء على الاقتصاد الأميركي وعلى الرئيس دونالد ترامب شخصياً «وهذا ما ظهر واضحاً في الارتباك والاضطراب في طرق مواجهة كورونا وما ولده ذلك من عجز سيدفع ثمنه الأميركيون نتيجة استخفاف ترامب به وفرض تقديراته الخاطئة على مؤسسات الحكم والجمهور الأميركي». فقد لاحظ الجميع أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لمثل هذا التحدي ومتطلباته وتحول وباء كورونا إلى صدمة قوية خلق معها المشاكل الاقتصادية بل والسياسية في عام انتخابي لم يتوقع فيه ترامب وإدارته مثل هذا الامتحان غير المسبوق في تاريخ أميركا والعالم كله.
وتحت عنوان «معركة العولمة الأخيرة» تضيف مجلة «يونايتد داتا»: «لا أحد يشك أن أصحاب العولمة الأميركية سيحاولون استغلال جائحة كورونا ويزعمون أن المشكلة العالمية تتطلب حلاً عالمياً وأن المؤسسات الأميركية القومية العابرة للقارات يتعين عليها تعزيز قوتها لحل هذه المشكلة بالسرعة الممكنة، لكن ويل هاتون، يتوقع في صحيفة «الغارديان» البريطانية أن «يموت في هذه الأوقات شكل غير منتظم من عولمة السوق الحرة في ظل أزمات وجائحة وسوف ينتج عن ذلك شكل آخر يعترف بدور التكافل والاعتماد المتبادل وصدارة العمل الجماعي القائم على الوضوح» وهذا كله يزيد من قوة العوامل المضادة للعولمة الأميركية وهيمنتها.
ويرى الفيلسوف والمحلل السياسي ذو الاتجاه اليساري سلافوج زيزيك أن العالم سيتجه نحو التفكير بالتوجه إلى إيجاد «مجتمع بديل، مجتمع يتجاوز الدولة القومية ويجسد نفسه بأشكال من التضامن والتعاون العالمي».
ولا شك أن كل هذه التوقعات التي يتبادلها المفكرون والمحللون لا تتجاهل حقيقة أن نجم الولايات المتحدة بدأ يأفل، ويزداد يوماً تلو آخر الضعف في مصادر قوتها ونظامها العولمي الذي بدأ يتراجع عند أول امتحان قومي أميركي أو عالمي تواجهه إدارة ترامب بل ومعظم مؤسسات الحكم والهيمنة الأميركية، ونتائج من هذا القبيل من المقدر أن تؤدي بالتدريج إلى توجه دول كثيرة أوروبية وآسيوية كانت ضمن شبكة الهيمنة الأميركية نحو نزع بعض قيود الهيمنة الأميركية ودون أن تتمكن واشنطن من عرقلة توجه هذه الدول نحو خطط سياسية واقتصادية مستقلة نسبياً تضمن تطورها ومستقبلها بشكل آخر يختلف عن الشكل الذي كانت الولايات المتحدة تفرضه عليها.
هذا ما يستخلصه المحللون من تجميد عدد من المناورات العسكرية المشتركة بين واشنطن واليابان وبين واشنطن وكوريا الجنوبية حتى إشعار آخر بسبب جائحة كورونا وسيولد هذا الانشغال الأميركي المضطرب في مواجهة كورونا وتعقيداتها، عجزاً أو تردداً أميركياً في فتح جبهات حرب مع إيران أو في العراق أو في سورية، ولذلك بدأ الحديث يدور في البنتاغون عن الميل إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق وسورية وعن وضع سياسة طوارئ تتجنب تطبيق الخطط العسكرية الأميركية التي كانت معدة للتنفيذ في عدد من دول ومناطق العالم قبل انتشار جائحة الكورونا في الولايات المتحدة وتغلب الصين على هذه الجائحة وعلى مضاعفاتها الاقتصادية والسياسية.
فعالم اليوم في ظل الصراع المستميت لمعظم دول العالم ضد جائحة كورونا سيولد مرحلة جديدة للعلاقات بين دول العالم ونظاماً عالمياً جديداً أهم ما يتميز به هو اختفاء العولمة الأميركية وتعبئة الفراغ الذي ستولده بنظام عالمي متعدد الأقطاب يبرز فيه دور الصين وروسيا وأوروبا رغماً عن الولايات المتحدة وبريطانيا، وقد تتجه فيه اليابان وكوريا الجنوبية نحو سياسة لا تسر الولايات المتحدة في آسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock