ثقافة وفن

فاتح مدرس.. عالم من الإبداع المرهف والمتألق «1»

| د. إسماعيل مروة

يعد فاتح مدرس من المبدعين العرب لقلة الذين برعوا في أكثر من ميدان، وفي كل ميدان إبداعي عمل فيه وقدّم ما لديه كان مميزاً، وصاحب شخصية وهوية، بل إن الأمر تجاوز إلى أن مدرس ترك بصمة خاصة، وكان صاحب مدرسة خاصة، ويؤسف أن هذا المبدع وأمثاله يغيب عن ميدان التدريس والمناهج في المراحل الأولى، وفي المراحل الجامعية..!
رحل فاتح مدرس، ولم نشهد أي نوع من التقويم لتجاربه وليس لتجربة، ففي ميدان التشكيل استطاع فاتح بما ملك من مواهب ورؤى وإبداع أن يكون متفرداً بين أبناء جيله من أتباع الرواد في جانب، ومن الرواد في جوانب عديدة، ومن يعرف الفنانين ويعاشرهم لابد أنه عرف عدداً من الفنانين الذين استفادوا من تجربة فاتح، وعدداً من الذين تأثروا وسرقوا تجربته، وقلدوه، بل إن لوحات فاتح هي اللوحات الأكثر تقليداً وتزويراً بين الفنانين التشكيليين، لأن من يعمد لذلك يعمد إليه للاستفادة المادية من سمعة فاتح ومدرسته وتجربته، ولن أقف عند اللوحة التشكيلية عند هذا المبدع الكبير، لأنني لست متخصصاً في ذلك، ولا أعرف خفايا اللوحة التشكيلية وأساليب تقويمها، وحسبي أن أذكر طرفة من هذا الجانب، فحين كنت أجالس الكبير فاتح مدرس في مرسمه بشكل أسبوعي، كان يطلعني على مشاركاته ولوحاته، ومرة أطلعني على مشاركة فاز فيها بالمرتبة الثانية عالمياً، وحين أشرت إلى أنه يحملها بالمقلوب، قال لي ضاحكاً، هي هكذا منشورة، وهكذا تعاملت معها لجنة التحكيم، وقال: لو وضعوها كما هي وبصورة سليمة بالتأكيد سآخذ المرتبة الأولى وربما خسرت!

ونهض بقامته العملاقة قدراً وفناً، وتناول كتاباً ضخماً، وقال لي: هذه رسالتي في الدكتوراه، وهي دراسة فنية في تجارب غير سورية، ولأظن – إن لم تخني الذاكرة- قال في حضارة اليمن الفنية!
ولن أنسى تعبيرهُ: هل رأيت هذا الغباء؟
الفن واللوحة يحتاجان لدكتوراه؟!
الإبداع أعلى من الشهادات، ولكن أرادوا الشهادة من أجل التدريس والمكانة!
إنهم لا يفصلون بين الدارس الناقد المتفرغ للنقد والتدريس، وهذا يحتاج إلى دراسة وشهادات ومتابعة المدارس الفنية، أما المبدع يا صديقي فإنه لا يحتاج لشهادات ودراسات، لأنه مدار النقد والدراسات.
وبغض النظر عن رأيي فيما قاله فاتح مدرس، إلا أنه كان مقتنعاً بما يقول، وكان يدرك عمق الرؤية الثقافية والمعرفية، وأذكر أنه أعطاني صورة لوحة لأضعها غلافاً لأول كتبي التي نشرتها عن المسرح، واختار لي لوحة مناسبة، تباهيت بأن فاتح مدرس سمح لي بالغلاف مع أنه قال لي: أنا لا أحب موضوع دراستك، ولكن خذها، وبعد سنة من طبع الكتاب التقيت بالدكتور عبد الرحمن منيف عنده، وقد أحضر له كتاباً لوحة غلافه لفاتح مدرس فشاهدته، قلت لفاتح: هذه نفس اللوحة التي أعطيتني لكتابي، فضحك وقال:

– عنجد.. نفسها؟!

أخذ الكتاب من الكاتب الكبير ووضعه على الرف إلى جانب كتابي، ثم التفت إلي وقال:

– ليش في حدا ح ينتبه..؟ ما حدا عم يشوف يقرأ.. وضحكنا معاً.. عملاقان وطالب مبتدئ في عالم القراءة والكتابة، وأنا على يقين اليوم بما قاله فاتح من جهل معرفي فوق الجهل القرائي! المهم إن فاتح مدرس عاش مبدعاً كما شاء وأراد، وأسس مشروعه الإبداعي الخاص، وإذا ما ابتعدت عن الجانب التشكيلي وهو الأساسي في إبداعه وسبب شهرته، فإنني أقف عند جوانب أخرى من فاتح مدرس من العيب ألا يعرفها أبناء سورية.

1- الجانب الموسيقي: يعرف المقربون من الوسط التكشكيلي أن فاتح مدرس موسيقي، وموسيقي من الدرجة الممتازة، فقد تجاوز هواية العزف، وشغف السماع، ليصل إلى مرتبة أعلى، فهو يتحدث بتواضع عن تجربته مع (البيانو) ومهارته في العزف عليه، وعن تعلقه بالموسيقا الكلاسيكية للكبار من المؤلفين مثل موتزارت وبيتهوفن، وقطع فاتح شوطاً أبعد من السماع والعزف، وقد ألف عدة مقطوعات موسيقية.
أرجو من ورثته أن يظهروها إلى العلن لما فيها من براعة ورمزية.. وفاتح مدرس على الرغم من فارق السن بيننا عندما كنت ألتقيه وأجلس معه كان يتابع رسم لوحته المشدودة ولا يتوقف لوجود ضيف، وعند إلحاحي أسمعني عزفاً حياً أداه بوجودي، وعندما هممت بالتسجيل قال لي: لست بحاجة سأهديك تسجيلاً عزفته في شروط أفضل، وكانت مقطوعته (نينوى) التي عزفها بإحساس عال لما لها من علاقة حميمة به وبحياته وأحاسيسه، فهل نعمل على تملك هذه المقطوعات التي تحمل عزفه وروحه لتذاع وتقدم جانباً مهماً من حياته؟

2- الجانب الشعري، عندما كنت تدخل مرسم فاتح مدرس كنت تجد أوراقاً معلقة على الباب والجدران وعلى رفوف المكتبة، وفي كل مكان، وقد تطير إحدى الأوراق إلى كرسي يجلس عليه، وعلى هذه الأوراق كان فاتح يكتب فكرته الوجدانية بقلم عريض حتى لا تضيع، فلم يكن ينتظر أن يمسك ورقة وقلماً ليبدأ.. إنها روح شاعرة سواء رآه بعضهم شعراً أو رآه نثراً، لكنها صورة لفاتح وحالته يقوم بتدوينها ويعلقها، ومن ثم قد تتحول هذه العبارات إلى قصيدة تحمل روحه، وبالتالي إلى صفحة من صفحات ديوان له، وقد أصدر فاتح مجموعة شعرية، وأطرف ما في الأمر أن فاتح صاحب النزعة الفردية المتفردة باللوحة التشكيلية، لم يكن كذلك في الشعر، فقد أصدر مجموعة شعرية مع صديقه الراحل حسين راجي تحمل اسميهما معاً مجموعة شعرية تشبههما في كل تفصيل من التفاصيل، وأصدر كذلك كتاباً مع صديقه شريف نزندار بعنوان القمر الشرقي على شاطئ الغرب وفي تجربة فريدة في الأدب لوحة وكتابة وإخراجاً، وقد أعيد نشره بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة العربية، وتفضل صديقي الدكتور عبد الناصر عساف بإعارتي نسخته لأطلع عليها وأستفيد منها.

3- الجانب القصصي، ولعل هذا الجانب هو أهم جوانب إبداعات فاتح مدرس الكتابية، وهو الأكثر تميزاً لعدة أسباب:

أ- أصدر فاتح مجموعة بعنوان (عود النعنع) وهي وحيدة ويتيمة، وفي طبعتها الأخيرة كتب كلمة لها وشهادة الكاتب الكبير الدكتور عبد الرحمن منيف، وفي هذه الكلمة ينصف منيف القاص في ريادته في فن القصة، وهذه المجموعة تعد رائدة بين المجموعات القصصية السورية، ويشهد بذلك رائد القصة القصيرة السورية سعيد حورانية في مقدمته الدسمة للمجموعة، وقلما نعثر على شهادة لمبدع في مبدع بهذه العلمية.

ب- قصصه حملت بصمته وحده، فقد كانت لتجربته التشكيلية فردية في المنطلق والغاية، وهي تمثله خير تمثيل، وإذا كنا في الجانب الشعري قد ننسب شيئاً له وآخر لصديقه الشريك في العمل، فإن هذه المجموعة لا تحمل سوى بصمته وآرائه وأفكاره.

جـ- إذا كان الناس غير قادرين على اقتناء لوحات فاتح ومنذ زمن بعيد لغلاء اللوحة، وإذا كان المتابع لا علاقة له بالتشكيل واللوحة، أو إذا كان لا يحب فن فاتح ومدرسة وتجربته، فإن الأمر سيكون مختلفاً في الإبداع المكتوب، فهو يوزع على أكبر عدد من المتابعين والقراء، ويمكن أن يروق للكثيرين.

د- موضوعات فاتح مدرس المختلفة، فكما كان مختلفاً في تعاطيه التشكيلي ومدرسته التي انتمى إليها وطورها، كذلك كان في موضوعاته الشعرية والقصصية، ففي الوقت الذي كان فيه الشعراء يهرعون إلى الموضوعات القومية والوطنية الكبيرة، كانت عناية فاتح بداخل الإنسان، وموضوعات قصصه في عود النعنع لا يشاركه فيها مبدع آخر في الموضوع الذي يطرحه، ولا في البيئة التي كان يصورها وينقلها، ولا يشاركه قاص آخر حتى في الغايات، ففاتح لم يكتب ليكرس نفسه كاتباً قصصياً، وإنما كتب ليعبر عن ذاته وعن مجتمعه الذي لا نعرفه، وعن أمه التي حملها بصوتها ولهجتها وهيئتها حتى غادر الدنيا، وبقي وفياً لها ولبيئتها وأنها أم فاتح التي عاشت حياة قاسية لأسباب يطول شرحها، لكنها حضرت في ذاكرة فاتح ولوحته ونصّه.
مجموعة عود النعنع ريادة وخصوصية لأنني عشت أياماً رائعة مع فاتح مدرس، وتناقشت معه طويلاً، وقد شاركني أحد هذه اللقاءات صديقي الرائع الدكتور عبد الناصر عساف، لأننا كنا معاً هو وأنا قد عزمنا على كتابة كتاب عن فاتح يدرس النص واللوحة، فإنني أجيز لنفسي أن أقف عند مجموعته القصصية وقفة مطولة، لعلي بذلك أعوض ما كنت قد عزمت عليه مع صديقي عبد الناصر من إنجاز بحث عن فاتح، وقد حالت ظروف سفري ودراسة صديقي ورحيل المبدع الكبير عن الإتمام، وها أنذا أعود إليه بعد ثلاثين عاماً لأعتذر وأغوص في مجموعته كما لم أكن لأفعل في ذلك الوقت المبكر، وسأحاول إن استطعت، أن استمتع بقراءة هذه المجموعة، ولا أقول تحليل، فبعدما كتب عبد الرحمن منيف وهو الصديق لفاتح ما من شيء يمكن أن أكتشفه إلا سبل المتعة لي ولقارئي – إن وجد – وسأتناول:

1- البيئة 2- الشخصيات 3- النهايات 4- القصة الحرف واللون 5- لغته

1- البيئة في عود النعنع: ضمت مجموعة عود النعنع ست قصص قصيرة هي: عود النعنع، خير والعوج، الغراف، النهر، رشو آغا، الطفلة الحدباء والجعران، وهذه القصص تمثل ذاكرة فاتح وحاضره، وهو القادم من حلب وما بعد حلب، فكانت هذه المجموعة خلاصة ذاكرته الأولى، وحياته الحالية، فهو المبدع الذي لم ينتزع نفسه من ماضيه وذاكرته، ولم يغط حياته برماد الحاضر، ولم ينفصم عن ماضيه لمجرد أنه أصبح في دائرة الضوء وفي الشهرة العالمية، والبيئة التي يتحدث عنها فاتح هي بيئة القاع والفقر والحرمان والظلم في الحياة، بيئة الطبقات والضياع، وقد وصف سعيد حورانية هذه القصص وهذا الواقع بقوله: «عالم فاتح، كعالم كافكا، مأساوي ومظلم ولكن كافكا يصل بنا إلى درجة اللاجدوى، بينما فاتح رغم كون الشر يطحن الخير في كل قصصه، ورغم أن أبطال أربع من خمس قصص ينتهون بالموت المجاني، نتيجة الظلم الاجتماعي وجبروت الطبيعة، وبطل الخامسة يموت في الحياة بعد أن استهلك تماماً كجسد وروح، فإن القارئ يحس بموجة عارمة من السخط والحقد، تتجاوز مرحلة التأثر إلى الفعل..».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن