قضايا وآراء

إسرائيل في «سينتكوم» رقعة لقدرة الردع المهترئة

| تحسين الحلبي

في الثامن من شهر كانون الأول الماضي نشر الموقع الإلكتروني لعضو الكونغرس كوتون سينيث من الحزب الجمهوري عن ولاية أركانساس، صورة عن طلب قدمه بمشاركة عدد من زملائه الأعضاء في الكونغرس من الحزب الجمهوري يطلبون فيه من الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب ووزارة الدفاع الأميركية نقل إسرائيل من مظلة حماية القيادة العسكرية المركزية الأميركية الأوروبية المشتركة «ايو كوم» ومقرها أوروبا، إلى «سينتكوم» أي القيادة المركزية العسكرية الأميركية المسؤولة عن الشرق الأوسط ومقرها في القاعدة العسكرية الأميركية في الدوحة، وهي التي تعد نفسها المسؤولة عن تغطية دعم الحماية العسكرية لعشرين دولة تمتد من حدود مصر حتى كازاخستان بما في ذلك باكستان، لكي تصبح إسرائيل الدولة الحادية والعشرين تحت مظلتها، علماً أن كل هذه الدول العشرين مسلمة وتضم 500 مليون نسمة وستكون إسرائيل الدولة اليهودية فيها.
المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي «جينسا»، بدوره كان قد بعث في تشرين الثاني الماضي رسالة استخدم فيها نفوذه لإقناع عدد من الأعضاء الجمهوريين في مجلس الكونغرس بتبني هذا الطلب، والإسراع بنيل موافقة ترامب عليه قبل انتهاء ولايته، وهكذا قدم سينيث الطلب وبقي تحت الدراسة إلى أن كشفت مجلة «وول ستريت جورنال» أول من أمس الجمعة، عن تبنيه بقرار من الرئيس ترامب.
إسرائيل كانت مسجلة ضمن مظلة حماية قيادة «ايو كوم» الأوروبية، هي وقطاع غزة والضفة الغربية، لأن الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة كانت ترفض ضم إسرائيل إلى مظلة حماية «سينتكوم» في الماضي لأن ضمها سيعني أنها ستحصل من القيادة العسكرية المركزية الأميركية في الدوحة على معلومات عسكرية مباشرة عن هذه الدول التي تتعاون واشنطن معها لحمايتها. ويقول الجنرال الأميركي أنتوني زيني الذي تولى قيادة «سينتكوم» ما بين 1997-2000 إن إسرائيل طلبت أن تضمها واشنطن لمظلة «سينتكوم» أثناء توليه قيادتها لكن الدول العربية والإسلامية لم تقبل، وأضاف إن وجود إسرائيل ضمن مهام القيادة العسكرية الأميركية الأوروبية جعل الدول العربية الصديقة لواشنطن تقبل بالتعاون العسكري مع واشنطن في أثناء حرب الخليج عام 1991 ولو كانت إسرائيل محسوبة على مظلة قيادة السينتكوم في ذلك الوقت، لأصبح من الصعب على الحكام العرب في الخليج المشاركة مع الجيش الأميركي في حرب الخليج ضد العراق، لكن زيني يضيف إن الوقت قد حان الآن لكيلا ترفض الدول العربية الصديقة لواشنطن مرة أخرى وجود إسرائيل في مظلة «سينتكوم».
السؤال الذي يطرح نفسه في ظل محاولة ترامب ضم إسرائيل إلى هذه القيادة المركزية العسكرية الأميركية التي مقرها في الدوحة هو: هل ستصمت الدول الحليفة والصديقة لواشنطن على هذا القرار وتقبل بهذا الشكل من التعاون العسكري العلني والمباشر بين إسرائيل و«سينتكوم» وتعرض معلوماتها العسكرية للكشف أمام إسرائيل؟
يبين سجل الدور الذي لعبته «سينتكوم» في المنطقة، أنها كانت تشكل درعاً عسكرياً غير معلن لمصلحة إسرائيل، لأن واشنطن تتدخل من خلال «سينتكوم» بنزاعات عربية عربية مثل حرب الخليج 1991 ضد العراق، وهي تتدخل بحرب السعودية ضد اليمن، والكل يعرف أن العلاقة العسكرية والأمنية الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب لا يوازيها أي اتفاقات أو تحالفات عسكرية في العالم، فثمة دورات واجتماعات منتظمة للحوار الاستراتيجي بين القيادتين العسكريتين سنوياً لضمان حماية إسرائيل وسياستها التوسعية. والافتراض بوجود إسرائيل في هذه الظروف وبشكل علني ضمن مظلة حماية «سينتكوم» وليس «يوكوم» الأوروبية يعني بشكل واضح زيادة الدور الوظيفي لإسرائيل في المنطقة بموافقة وتنسيق مع عدد من الدول العربية التي تقبل بضم إسرائيل إلى «سينتكوم»، ومع ذلك يؤكد عدد من المحللين في الولايات المتحدة أن هذا الانضمام يراد منه زيادة قدرة الردع الإسرائيلية التي تدهورت وضعفت منذ هزيمة العدوان على المقاومة اللبنانية في تموز 2006، وازداد ضعفها أمام انتصار محور المقاومة على الحرب الأميركية الكونية ضد سورية وحلفائها وتزايد قدراته العسكرية.
لقد اشتكت إسرائيل في مناسبات كثيرة في السنوات الماضية من تراجع النفوذ والقوة الأميركية في المنطقة أمام تصاعد دور محور المقاومة والخطر الذي يولده على إسرائيل، بل إن نتنياهو ذكر العام الماضي أنه سعى إلى عقد حلف دفاع مشترك مع الولايات المتحدة لحماية إسرائيل للتعويض عن الضعف الأميركي، علماً أن جميع الحكومات الإسرائيلية كانت تتجنب مثل هذه الفكرة التي تؤدي إلى تقييد هامش مناورة عملياتها العسكرية لأن الحلف الدفاعي سيفرض مسؤولية كبيرة على السياسة الأميركية قد لا تتحملها والكل يعرف أن كل الحروب التي شنتها إسرائيل منذ عام 1967 كانت بمشاركة أميركية مباشرة في التخطيط وتحديد الأهداف والتوقيت من دون أن يضيق هامش مناورة أي من الجانبين ودون أن تتحمل واشنطن مسؤولية مضاعفات أشكال العدوان الإسرائيلية ونتائجها.
إن قرار ترامب ضم إسرائيل إلى مظلة حماية «سينتكوم» هو مجرد محاولة لزيادة قدرة الردع الإسرائيلية من دون أن تتحمل واشنطن أي مسؤولية مباشرة عن الدور الذي سيتاح لإسرائيل القيام به في هذه القيادة العسكرية لـ«سينتكوم»، فالسعودية تضمها مع اليمن مظلة «سينتكوم» والحرب مستمرة بينها وبين اليمن بدعم أميركي، والنزاع الذي وقع عام 2017 بين الرياض والدوحة استمر وكان يهدد دول الخليج، وبقيت «سينتكوم» تتولى كل مهامها من الدوحة والأزمة مستمرة بين الحلفاء في دول الخليج التي تعد أهم حليف لـ«سينتكوم» في المنطقة، كما أن وجود العراق ضمن مظلة «سينتكوم» وبوجود قوات أميركية فيه، لم يمنع من مطالبة العراق بسحب القوات الأميركية وبعدم التدخل الأميركي في شؤونه وانتهاك سيادته، والكل يعرف أن إسرائيل استهدفت العراق بعمليات عدوانية عسكرية في العامين الماضيين. ولذلك لا يعول بعض المحللين في واشنطن على نجاح هذه اللعبة الإسرائيلية الترامبية في المنطقة ويتوقعون ارتدادها على الطرفين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن