الأولى

واشنطن- طهران: «المؤمن لا يُلدَغُ مرتين»

| بيروت – محمد عبيد

هل يكفي خروج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من البيت الأبيض، وإلغاء الرئيس الجديد جو بايدن بعضاً من القرارات التي كان قد اعتمدها ترامب حول قضايا أساسية خارجية؟ هل يكفي ذلك لاعتباره مؤشراً حقيقاً على تبدلات محتملة في السياسيات الخارجية الأميركية التقليدية، ومدخلاً لصياغة مقاربات مختلفة؟
الحقيقة أن ما قام به بايدن بالتوقيع عليه من أوامر تنفيذية هو عودة إلى خيارات ثابتة في السياسات الأميركية انقلب عليها ترامب برعونة غير مبررة، فالخروج من اتفاقية «المناخ» ومنظمة الصحة العالمية وجدار المكسيك والعلاقة مع كندا وغيرها، أوجد إرباكاً كبيراً لدى الدولة العميقة في النظام الأميركي، لكون بعض هذه الخيارات كان يوفر مساحة كبرى من النفوذ الأميركي في مواقع ومؤسسات دولية، إضافة إلى أن بعضها الآخر وخصوصاً في ما يتعلق بدول مجاورة كالمكسيك وكندا، كان يشكل منصات حماية غير مباشرة للداخل الأميركي.
المهم بالنسبة لمنطقتنا أن الغموض ما زال يلف المقاربات الأميركية المنتظرة، على الرغم من أن استعادة معظم طاقم الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي فاوض إيران حول مشروعها النووي في مواقع حساسة على مستوى السياسة الخارجية والاستخبارات المركزية والأمن القومي، تم اعتباره مقدمة مُبَشِرة على صعيد الانتقال من سياسة المواجهة الحادة إلى التهدئة المتدرجة تمهيداً للتفاوض. إلا أن العقدة التي كانت قائمة قبل إنجاز الملف النووي الإيراني واستمرت معه، وكذلك بعد انقلاب إدارة ترامب عليه وخروجها منه وهي البحث عن حل فعلي للقضية الفلسطينية، جعلت من إمكانية الوصول إلى معالجات جذرية للأمن والسلم الإقليميين والدوليين أمراً مستحيلاً.
فالربط الذي حاولت إدارة أوباما اشتراطه أثناء المفاوضات السابقة بين إحراز تقدم في الملف النووي مستقبلاً وبين الأدوار الإقليمية المشروعة لإيران وحلفائها في محور المقاومة وأهمها ما يتعلق بالقضية الفلسطينية لم ينجح، ما دفع بتلك الإدارة إلى القبول بالأمر الواقع وتجاوز التحذيرات الإسرائيلية والسعودية وخاصة من مغبة المضي في إقرار الاتفاق النووي.
وهو ربط سيتم طرحه من جديد في كواليس التفاوض المفترض، ذلك أن المعضلة لدى الأميركي ومن معه من الحلفاء والأتباع ليست في امتلاك إيران مشروعاً نووياً لأغراض سلمية، وهو أمر متاح وفقاً للقوانين الدولية تحت رعاية منظمة الطاقة الذرية، إنما تكمن في التوازن الإستراتيجي الذي سيُحدِثُه هذا الامتلاك بين إيران ومعها دول وقوى محور المقاومة وبين كيان العدو الإسرائيلي الذي ينفرد في المنطقة بحيازته مشاريع نووية مدمرة.
فإيران ليست دولة تقليدية يمكن احتواء سعيها منذ انتصار ثورتها الإسلامية لتحقيق اكتفاء ذاتي على الصعد كافة حيث يوفر لها ذلك مساحة كبرى من استقلالية قرارها السياسي، هذه الاستقلالية التي ترجمتها نجاحاً بالتعاون والتحالف مع سورية وقوى المقاومة في تأسيس محور أسقط الكثير من المشاريع الأميركية للاستحواذ على المنطقة، كما منع كيان العدو الإسرائيلي من أن يسود فيحكم الشعوب العربية والإسلامية من موقع المتفوق عسكرياً ونووياً.
وكذلك كانت سورية تتقدم بخطىً سريعة على طريق الاكتفاء الذاتي اقتصادياً، لذلك كان استهدافها من خلال شن حرب كونية عليها والتي ترافقت مع عقوبات فاجرة طالت عيش الشعب السوري وتفاصيل حياته اليومية، لكن الصمود كان أقوى فلم تَضعُف الإرادة الاقتصادية بل تعززت استقلالية القرار السياسي، وخصوصاً في ما يعني التمسك بالثوابت العربية الصحيحة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
كل ذلك يعني أن المفاوضات الإيرانية الأميركية الافتراضية حتى الآن، سيقودها الوفد الإيراني بالأصالة عن إيران وبالنيابة عن سورية وحزب الله والمقاومين في لبنان وقوى المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني كافة، إضافة إلى حركة أنصار الله والشعب اليمني والمقاومين في العراق.
ولأن المؤمن لن ولا يمكن «أن يُلدغ من جُحرٍ مرتين»، من الطبيعي أن تكون ثوابت إيران والمحور الحليف شروطاً حاضرة بقوة في المقدمات قبل الوصول إلى طاولة التفاوض.
فالعقوبات العدوانية على إيران وسورية وحزب الله وحلفائهم بلغت مداها الأقصى واستنفدت إمكانية تأثيرها أو نجاحها في تغيير نهج محور المقاومة أو في تعديل سلوكه كما توهمت إدارة ترامب.
والحروب المتنقلة لم تؤدِ إلى تفتيت قوة هذا المحور ولا إلى إضعاف ركائزه، بل على العكس من ذلك فإن واشنطن وأتباعها في المنطقة هم الذين فشلوا في تحقيق الأهداف السياسية التي كانوا يسعون إليها من خلال إعداد وتدريب وتجهيز وتسليح داعش والنصرة في سورية والعراق ولبنان.
ومن ثم فإنه قد حان الآن دور من يرغب في إخراج قواته المحتلة بأمان وسلام من دول محور المقاومة وأن يقدم الأثمان، وهي أقل تعويض تستحقه الشعوب المُقاوِمة التي صمدت وضحت وانتصرت خلال سنوات ترامب الأربع العجاف.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن