ثقافة وفن

ثنائيات تمثيليّة جمعها الفن وبقيت محفورة في الوجدان … «دنيا وطرفة» من حشرية الطيبة والسذاجة مواقف كوميدية تراجيديّة صميميّة

| سوسن صيداوي

الذاكرة الدراميّة لن تنسى مسلسل «دنيا» بجزأيه، الذي قدم لنا أول ثنائية كوميدية نسائية في تاريخ الدراما السورية، ما بين «دنيا أسعد سعيد» أمل عرفة، و«طرفة العبد» شكران مرتجى.
فأحداث القصة جمعت بطلتي العمل بالمصادفة، ومآسي الحياة ومشاكلها جعلت منهما صديقتين مقربتين جداً، ضمن كاريزما ذابت بينهما وجعلتنا لا نشك البتة، بأنهما بعيداً عن الفن حقاً صديقتان مقربتان، فالفعل وردّاته بينهما متناغمان جداً بالمواقف التي حاكتها حدوتة العمل، التي انصهرت في مواقف ظريفة وطريفة مع لهجة «دنيا» وطريقة النطق لدى «طرفة»، بأسلوب احترافي متقن بين الفنانتين، قرّبهما من الجمهور الذي لم يتوان عن تقليدهما سواء باللهجة أو النطق، لفترات تتجدد كل مرة مع تجدد عرض العمل أو عند نشر مقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الأخيرة التي أصبحت المنصة الحقة للتعبير الشفاف عن أذواق الجماهير المتابعة والتي تعطينا نتيجة صحيحة للتأييد أو العكس حول العمل، الأخير الذي أصبح علامة فارقة في مسيرة كل من عرفة ومرتجى الفنية.

في الثنائية

لطالما كانت الثنائيات الدراميّة صنفاً جماهيرياً مرغوباً فيه وعلى الخصوص في الكوميديا.
هذه الثنائية النسائية التي جمعت بين عرفة ومرتجى من بعد مسلسل «دنيا» بجزأيه، جعلت الجمهور يطالب بأعمال تجمع الفنانتين، لكون الكاريزما والحضور بينهما طاغيين ويضفيان الكثير من الفكاهة والطرافة الطبيعية غير المبتذلة، المنطلقة من احتراف عال تتمتعان به، وأوصل الحس الكوميدي إلينا بسلاسة بعيدة عن أي تصنع أو حتى تهريج، فجاءت المواقف في معظمها موفقة بالأداء. إذاً هذه الحالة بينهما كانت وما زالت تطالب كلاً من عرفة ومرتجى بالاجتماع في أعمال مختلفة، تشبّهاً بثنائياتنا السورية التي أبدعت عبر مسرحيات ومسلسلات وأفلام في مشوار طال عشرات السنوات.

في «دنيا 1»

كحال العديد من فتيات الريف اللواتي يتعرضن للظلم فيتركنّ القرية نحو أبواب المدينة بحثاً عن فرص أفضل في الحياة، هكذا بدأ مشوار «دنيا» التي تركت قريتها بعدما ظلمها أخوها وأخذ أرضها، ذهبت بفطرتها البسيطة، وتواصلت بطيبتها معتمدة على نفسها، باحثة عن كسب رزقها بالحلال، لتكون شرسة أمام كل من يحاول أن يمسّ بكرامتها أو بمبادئها، لكن من فطرتها القروية في الحشرية والسذاجة، تقع «دنيا» أمام مطبات كثيرة وتُقحَم بالمشاكل في أثناء عملها كخادمة في البيوت، ليبدأ المشوار معها ولتعرّفنا على أبطال المسلسل: شكران مرتجى، خالد تاجا، هالة حسني، عصام عبه جي، وفاء موصلي، عبير شمس الدين وآخرين، لا تخفف عنهم بل تزيدها عليهم شدّة بسبب ثرثرتها الدائمة، الأمر الذي يسبب طردها من بيت إلى آخر، في حدوتات- جمعتها بصديقتها «طرفة العبد» الذي لعبته شكران مرتجى- هي حقاً من صميم الواقع، بأحداث جاءت ضمن مفارقات تثير الضحك والحزن في آن معاً.

«دنيا 1» فكرة أمل عرفة، تأليف عبد الغني بلاط وإخراج زهير قنوع، في ثلاثين حلقة لمسلسل يعتبر علامة فارقة في تاريخ عرفة ومرتجى، إذ إن الثنائية قدمت شراكة كوميدية أدخلتهما في قائمة الذاكرة الدرامية للمشاهد المحلي والعربي.

في «دنيا 2»

محاولة استنساخ النجاح في الجزء الثاني كانت مرهقة جداً، فهناك أعوام كثيرة انقضت بين الجزئين تصل لحوالى خمسة عشر عاماً، وتحولات كثيرة أصابت البنية المجتمعية السورية في هذه الفترة، وصحيح أن ثنائيتنا نجحت بالمحافظة على الشكل الخارجي للفنانتين والذي لم يتغير أبداً بل بقي شاباً ونضراً كما السابق، إلا أن المنطق الدرامي للجزء الثاني صياغته ليست هينة أبداً، وبعد خلاف بين مؤلف «دنيا1» عبد الغني بلاط مع عرفة، تمت صياغة سيناريو الجزء الثاني «دنيا2» من أمل عرفة نفسها بمشاركة سعيد حناوي والإخراج لزهير قنوع، وشارك في التمثيل أيمن رضا، غادة بشور، تولين البكري، نزار أبو حجر وآخرون.

ولابد من الإشارة أن الجمهور يريد «دنيا» التي أحبها وأخذ يردد لهجتها مع صديقتها «طرفة»، ولكن والسنون التي مرّت طبيعي أن تقحم تطورات في شخصية الثنائية من حيث النضوج والوعي وحتى قالب الظروف المحيط بالاثنتين، فـ«دنيا» في الجزء الثاني لم تعد بسذاجتها السابقة، ومواقفها التي تتدخل فيها وتقع في مشاكلها فلأنها تصرّ على ألا تسكت عن الخطأ مهما كان الثمن، ولكن رغم الفطرية فإن الأسلوب اختلف بحكم فرق العمر والزمن والتجربة، مع حفاظها على طيب تربيتها وأخلاقها. وبالتالي وبعد انقطاع أكثر من خمسة عشر عاماً، وبسبب الأزمة السورية، أصبح خوض الكوميديا أمراً مرهقاً إن كان شفافاً وبعيداً عن التهريج والاستخفاف، وهذا أمر أربك «عرفة» فبين التعلق بشخصية «دنيا1» مع الامتداد في «دنيا2» المقارنة ترهق الفنانة التي لا يمكنها أن تخرج من شخصيتها الأصيلة ضمن القالب الدرامي الجديد.

وفي المقارنة بين الجزأين وبحسب أهل الاختصاص، بأن جهود «عرفة» في استنساخ النجاح في الجزء الثاني لم يصب، لكونها لم تجذب منتظريها من جمهورها بإضافاتها الجديدة، بل بقيت تراوح مكانها، مبتعدة عما قدمه الجزء الأول من دمج ناجح بين التراجيديا والكوميديا، هذا ومن وجهة نظر المختصين فإن الكوميديا تحتاج إلى بناء يبقيها بعيدة عن التهريج الذي يمكن أن يصل إلى استخفاف أو استسهال جاء في الجزء الثاني.

بقي أن نقول كلمة حق، ما قوبل به «دنيا1» من نجاح مستمر صعب أن يتكرر في لحظية متابعة «دنيا2»، فهذا مطب تقع به الأجزاء بغض النظر عن أركان نجاحها المتضمنة والمضمونة في الوقت ذاته، ونعود إلى لحظية المتابعة، سابقاً عند عرض مسلسل «دنيا» بجزأيه أو غيره من المسلسلات القديمة التي قدمتها لنا الدراما السورية، والتي قوبلت بكثير من البهوت والانتقادات في حينها، اليوم ورغم الزحمة والعجالة الإنتاجية، يبقى لهذه الأعمال ميزة متفردة، وما زالت تحصد المتابعات مع الجمهور المحلي أو العربي، وهذا بغض النظر عن كل الانتقادات إلا أن ثنائية أمل عرفة وشكران مرتجى حققت بمسلسل «دنيا» رقماً في قائمة المسلسلات السورية الخالدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن