ثقافة وفن

الخيال بداية الخلق

| د. نبيل طعمة

لذلك هو مستمر، ومن دونه لا استمرار، يتخيل الإنسان ما يريد، ويشتهي ما يتخيل، وفي النهاية يعمل ما يريد، وعبء تجديد الحياة من الصعوبة بمكان على المرء الواحد، وهذا كثير جداً عليه، فكان لابد له من أن ينقسم إلى اثنين يكونان مختلفين، ليعودا إلى بعضهما من أجل الاستمرار، ويمتلكا مفردات: أتخيل، أريد، أخلق، أموت، يستمر الخلق، يخلد به.
إن الأشياء التي لا نستطيع أن نراها وحدها التي نقول عنها اللا شيء، ما معنى ألا يمكن أن يكون وسيكون، وفي اللحظة التي نتفكر فيها أن كل شيء خلق من شيء، نكون قد وصلنا إلى فهم الخلود على أنه العيش إلى الأبد من خلال ما نخلق، وهذا ما لا يتشابه مع المعجزة التي تتشكل من المستحيل، إضافة إلى الممكن، وهو الذي يظهر قوة جمال الحياة التي تتمسك بتحرير المعرفة من سيطرة الشهوة، لذلك لم يكن الإنسان كلمة المكون الأخيرة، لأنه قادر على أن يخلق المزيد عندما يصل هذا الإنسان إلى عجزه عن الاستمرار.
إنني أفكر بجنسي الآدمي، أبحث عن التجديد، أجد أن لا تجديد من دون الأنثى نصفي الآخر المختلف والمتشابه، كيف نغيّر وكيف نتغيّر من دون الاتجاه إلى الفكر والتفكير اللذين بهما ومنهما تنتج الأفكار؟ ومن ثم العمل لإنقاذ جنسنا، فإذا فشلنا فإن شكلاً آخر سيكون جاهزاً تماماً لخلافتنا، لينجز حضارة راقية تبهر وجوده من أجل الاستمرار، لذلك علينا أن نؤمن بأن خلف أي تطور قوة، وليطلق عليها كل منكم ما يشاء، فإذا استشعرت أننا لم نعد قادرين على التطور فإنها تقدم أجناساً أشد قابلية على فهم الخلق وقوة خياله التي تمتلك القدرة على تحويله إلى واقع.
لا تقلقوا مما أخطّ، على الرغم من أهمية القلق، ولكي تتخلصوا منه عليكم بالعلم الذي يفسر كل شيء، المتدينون يقولون: إن العلم أشد جهلاً من الأطفال الصغار، لأنه لن يستسلم إلى التسليم، فالعلم واسع وساعة العالم، ومنه يتسع العقل ليقدر من خلال اتساعه على استيعابه، ويمكن لنا أن نرى جانباً منه في كل مكان نكون فيه، إذا لم نستطع أن نرى الكثير منه، ومن ثم اعتماد الاعتراض على الخطيئة، هذه المحاولة البدائية للوصول إلى إيقاع الحياة، لذلك أجد أن علينا إمعان التفكير وتحليل الناتج قبل الذهاب للقيام بالفعل الحياتي.
الخيال بداية الخلق، من دونه ما كان هناك بناء من الإنسان وصولاً لكامل الماديات، وأي إنجاز لا يسبقه تخيل لا يكون، وقوته في أن تتخيّله كما هو، فمن صنع الإنسان تخيّله، وكان قبله تخيّل الكون فكان، ويستمر التخيّل وتستمر المنجزات، وإنّ أعظم تخيّل كما قلت كان الإنسان، الذي يعتبر قيمة مستمرة على قيد الحياة، وامتلك بها حرية نادرة قادت إنسانيته لحين، بعدما تحول إلى بشري، هذا الذي فصل بين الإنسان والبشري، محولاً الصورة إلى عبد وسيد، يتبادلان العبودية، من دون إدراك، وهنا أذكر أن السيد يستطيع أن يفعل كل شيء، ولكن من خلال العبد.
إذا فكّرنا وتأملنا ملياً نجد أن العبد أصبح سيداً، لأن السيد لا يستطيع العيش أو إنجاز أي فعل، من دون العبد، وهنا أتجه عبر ما أخطه لإعمال العقل، ولمن يسعى للحكمة واستيعاب فلسفتها من دون حذر، فالحذر من ماذا؟ هل تعتقدون أننا سندوم طويلاً؟ لمن يعتقد أقول سنتغير عاجلاً أم آجلاً، وسنسقط، ومهما كان وعينا في ذات يوم فسننسى أمامنا ونعثر، لكن هذا لن يكون شيئاً محزناً، المهم أن نعرف كيف ندحره إلى أبعد مدى.
الحياة مؤلمة، يتقاسم أحياؤها الألم، والفرق بين إنسان وآخر يكون في أي مرحلة من الألم يحياها، وفي الوقت ذاته متعرّض دائم للمحن، وكل لديه منها، ومن يتجاوزها يكن في مرحلة النقاهة، يستعد لاستقبال أخرى، وهي التي تجعل للحياة قيمة، على الرغم من مبادئها التي يعيها تماماً، لكنه يدرك أكثر أن المبادئ كالحياة، لأنها أشياء كالخيال غير مستقرة، فلا المال يصنع التهذيب، ولا البؤس أو الفقر يصنع النابهين، أما الخيال فوحده يبقى معجزة تتحقق عند اتحادها بالممكن الحياة، فينتفي المستحيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن