ثقافة وفن

الأول من آذار.. اليوم العربي للغة العربية … احتفلت به مجامع اللغة العربية والمؤسسات الأهلية والإعلامية بشكل خجول!

| سارة سلامة

اختلفت المناسبات للاحتفال بلغتنا العربية، ففي الحادي والعشرين من شهر شباط نحتفل بها في سياق «اليوم العالمي للغة الأم»، الذي خصّصته منظمة الثقافة والتربية والعلوم (اليونسكو) سعياً منها لإبراز أهمية التنوع اللغوي في العالم، وفي الأول من آذار تحتفل مجامع اللغة العربية «باليوم العربي للغة العربية»، وكذلك في الثامن عشر من كانون الأول نحتفل «باليوم العالمي للغة العربية»، وهو اليوم الذي تقرر فيه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة وفقاً للقرار (3190) الصادر في عام 1973 من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كل هذه المناسبات لم تأخذ منا الكثير من الوقت لإيفاء العربية حقها، حيث تقوم بشكل خجول مجامع اللغة العربية، والمؤسسات الحكومية والأهلية والإعلامية بفعاليات متواضعة تكتفي خلالها «بالتذكير بحق لغتنا العربية الفصيحة»، و«الدعوة إلى حملة إعلامية».

لا بد من إيلاء العربية اهتماماً ورعاية خاصتين باعتبارها وعاء للفكر والثقافة العربية ولارتباطها بتاريخنا وديننا وثقافتنا وهويتنا، و«لا بد أن تصبح أداة تحديث في وجه محاولات التغريب والتشويه التي تتعرض لها ثقافتنا العربية»، و«على أبناء الأمة كافةً مسؤولية حماية حدود لغتنا التي هي الوطن الروحي لأمتنا»، وغير ذلك من العبارات العامة المألوفة التي كثر استهلاكها وترديدها منذ سنوات بل عقود طويلة دون أن تضيف جديداً في زمن حرج تواجه فيه لغتنا العربية محنة قاسية بسبب إقصائها المتزايد عن مجالات العمل والتعليم والعلوم والتعلّم والتواصل في معظم أرجاء الوطن العربي، وبسبب مواجهتها تحديات تبدأ ولا تنتهي، فهي تعاني ضآلة ما يترجم منها وإليها، مقارنة حتى مع بعض اللغات غير العالمية، وكذلك ضعف محتواها الرقمي على (الإنترنت)، وضعفها المتصاعد في مواكبتها للتقانة ومستجدات العصر المتطور والمتغير، وعدم توحيد المصطلحات التي تضعها الجهات المتخصّصة المختلفة، وغيرها، الأمر الذي تتسع معه الفجوة التي تفصلها عن اللغات العالمية في عصر المعرفة المتسارع إلى درجة يتعذر معها ردمها مستقبلاً.

لغة عريقة

واللغة العربية، عميقة الجذور، وضاربة في التاريخ القديم، وثمة من ينسبها إلى اللغات السامية، من الباحثين، وثمة من يتعامل معها بصفتها أم اللغات السامية، قاطبة، نظراً لما لحظه الباحثون اللغويون، من ارتباط ما بين العربية واللغات السامية، مع أفضلية أن تكون العربية الأقدم بين جميع هذه اللغات.
وما زالت أصول العربية الفصحى عصية على عتاة الباحثين، مستشرقين وعرباً ومسلمين، لسعة مفرداتها وغزارتها التي تجاوزت الاثني عشر مليون كلمة، وكذلك لتعدد اللغات واللهجات والألسنة، فيها، وكذلك لندرة اللقى الأثرية التي يمكن أن توضح الأصل عميق الجذور المسافر في الزمن، لهذه اللغة التي يتكلمها، اليوم، قرابة نصف المليار من البشر، وقدمت للبشرية إرثاً أدبياً لا مثيل له بين جميع اللغات، فالعربية هي اللغة المنفردة، على سائر اللغات، بحجم المؤلفات التي كتبت فيها، وعنها، حتى أصبحت المكتبة العربية اللغوية التقليدية، هي واحدة من أكبر المكتبات اللغوية، في تاريخ العالم.

للقرآن الكريم دور في انتشارها

وجاءت صعوبة البحث في الأصل الفصيح للعربية، من غياب الأثر التاريخي المادي المتمثل باللُّقى، ولولا الإسلام والقرآن الكريم، لظلت العربية حبيسة اللسان متنقلة بين صدور الرجال، وحسب. من هنا، يرى الباحثون، من العرب والمسلمين والمستشرقين، أن دور القرآن الكريم في حفظ العربية ونشرها، كان الدور الأوحد، على الإطلاق، بدليل أن أول كتاب صدر عن النحو العربي، جاء بعد قرابة قرنين من هجرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهو كتاب (الكتاب) لسيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، والمتوفى سنة 180 للهجرة.

وكذلك كان القاموس الأول للعربية والمعروف بكتاب العين، على يد الفراهيدي، الخليل بن أحمد، والمتوفى سنة 170 للهجرة، وما إن بدأ النحو على يد سيبويه، وولادة المعجمات على يد الفراهيدي، حتى توالت مصنفات العربية ما بين القرنين الثاني والثالث الهجريين، وأصبح التأليف بالعربية وعن العربية، سمة بارزة من سمات النخبة المثقفة، من العرب أو من العجم الذين وسّعت لهم الحياة العربية والإسلامية وكانوا جزءاً من شخصيتها الحضارية والتاريخية، فتركوا لها أهم المصنفات، على حد سواء مع نظرائهم العرب.

ساهمت بنقل العلوم إلى أوروبا

وساهم تنوّع الحياة العربية من قلب الجزيرة العربية إلى جنوبها وشمالها، بتنوع العربية نفسها التي صارت فيها (لغات) أو (ألسنة) قصد فيها اللغويون الأوائل، ما نعرفه الآن باللهجات، فيما العربية عربية الجميع، إلا أن الفصيح فيها كان يسمى اللغة العالية، والفصيح والعالي، هو ما كثر استعماله في ألسنة العرب ودار في أكثر لغاتهم، كما يقول السيوطي، عبد الرحمن جلال الدين، 849-911 للهجرة، في كتابه (المزهر في علوم اللغة وأنواعها).

ولم يقتصر دور العربية على إنتاج الأدب والتاريخ وكتب العلوم التي بدأت بالازدهار في بغداد والأندلس، لاحقاً، بل كان للعربية دور الوسيط الحافظ والضامن للفلسفات والعلوم الرياضية والفلكية القديمة، وهو ما أقرت الأمم المتحدة به، وهي في صدد شرح سبب الاحتفال بيوم عالمي للعربية، فقالت إن العربية ساعدت في نقل العلوم والمعارف والفلسفات اليونانية والرومانية إلى القارة الأوروبية، في عصر النهضة، وهو أمر صعب المنال على أي لغة، لتتنكّب هذا العبء الثقافي العالمي الهائل، وتكون فيه صلة الوصل والناقل الأمين، من حضارة إلى حضارة، كانت العربية الحضارة التي تتوسطهما، تاريخياً وثقافياً وأدبياً.

أسوأ مراحلها

ويشار إلى أن التوسع الكبير الذي شهدته العربية تأليفاً وتصنيفاً وأدباً وشعراً، ما بين نهاية القرن الثاني الهجري، والقرن الرابع، انقلب ضموراً وبواراً وفقراً، مع بدء السيطرة العثمانية على المنطقة العربية، ما بين القرن الخامس عشر الميلادي، ونهايات القرن الثامن عشر، وهي الفترة التي تعتبر أكثر العصور فقراً وعوزاً في تاريخ الأدب العربي، حيث كانت أغلبية فحول الشعراء العرب، إمّا قبل الاحتلال العثماني، أو بعد زواله، مع استثناءات مهمة فرضها هزم العثمانيين والخروج من سلطتهم، كما فعل المصريون مع بدايات القرن الثامن عشر الميلادي على يد محمد علي.

وبرأي دارسي المرحلة العثمانية، فقد كانت عصر انحطاط للأدب العربي، بدأت ملامح التخلص منه، مع القرن الثامن عشر الميلادي وبروز مدارس أدبية عربية جديدة متأثرة بالرومانسية الغربية وبنزعة الإحياء العربي، في الأدب والشعر خاصة، ثم انتقلت التجربة العربية، من الإحياء إلى التجديد، ثم إلى الحداثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن