سورية

مدير «EuroCSE» يخص «الوطن» بنشر أول ترجمة عربية لأطروحته «سورية وتفتيت العالم العربي» … سورية كانت آخر دولة عربية مترابطة اجتماعياً تستند إلى عقيدة علمانية من الأعلى إلى الأسفل

| بقلم: أ.د مكرم خوري مخول

خص مدير «المركز الأوروبي لدراسات التطرف EuroCSE» في جامعة كيمبريدج ببريطانيا الأكاديمي الفلسطيني مكرم خوري – مخْول، «الوطن»، لنشر أول نسخة من الترجمة العربية للأطروحة التي نشرها في ٣ آب ٢٠١٢ باللغة الإنكليزية تحت عنوان: «سورية وتفتيت العالم العربي»، وذلك بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على كتابتها ونشرها بمختلف اللغات الأجنبية.
وأصبحت الأطروحة، وثيقة تاريخية ومرجعاً عالمياً نظراً للرؤية السبّاقة التي احتوتها والتي تتمحور بأن ما يجري في العالم العربي ما هو إلا مخطط لتفتيت العالم العربي بينما كان يُهلل الساسة والمفكرون العرب لما أطلقه الاستعماريون الجدد بـ«الربيع العربي».
واستندت هذه الأطروحة التي انفرد بها مخْول مبكراً وقبل أي مفكر، إلى مقالة أخرى له بعنوان «الهزيع العربي» كطرح صلب ضد ما سُمي خدعة «الربيع العربي» وذلك في أيلول ٢٠١٢.
وكان الطرحان اللذان سبقا عاصفة الزمن المخدوع، الذي تم فيه اختراع «الربيع العربي» قد استندا إلى تحليل برّاق وسبّاق، اعتبر مجازفة حينئذ وحتى ٢٠١٤، كان قد طرحه مخول في محاضرة في مجلس اللوردات البريطاني يوم ٣٠ آذار ٢٠١١، أي بعد أسابيع وجيزة من بدايات الأزمات في العالم العربي وأسبوعين على الأزمة في سورية، رافضاً فيه أي تسمية ايجابية لما يجري في الوطن العربي كـ«الربيع»، وواصفاً ما يجرى في العالم العربي بـ«الفوضى» وذلك استناداً إلى كتابيّ أب الفلسفة السياسية والعلوم السياسية البريطاني توماس هوبس (١٥٨٨-١٦٧٩):

وفيما يلي نص الترجمة العربية للأطروحة الذي زود مخول «الوطن» به:

بات تصرف الكتلة المتحالفة مع حلف شمال الأطلسي «الناتو» ضد سورية من الوضوح الصارخ بحيث يجعلنا نفهم ما يحدث في سورية بشكل أفضل. فمن ناحية، نجد أمامنا العاملين السياسيين، كالمجموعة المسماة «أصدقاء سورية» التي قامت لهذا الغرض، ومن ناحية أخرى، هناك شخصيتان عربيتان، كلاهما وزيران خليجيان.
أما المجموعة الأولى، فتضم رؤساء دول يقودها حلف شمال الأطلسي، بخطة إسرائيلية أساسية لا تكاد تخفى، يضعها أمثال برنار-هنري ليفي. وبدل أن يكون هؤلاء أصدقاءَ لسورية، فإنهم يعملون لتأمين مصالحهم المالية في سورية ومن حولها وعبرها، وأما السياسيان العربيان، فهما وزيرا خارجيتي السعودية وقطر، اللذان صرّحا بوجوب تسليح هذه القوى التي تلتزم العنف في العمل ضد الدولة السورية ودعمها مالياً.
باختصار، لعل مؤتمرات هؤلاء الذين يُسمَّون «أصدقاء سورية» ليست أكثر من صيغة «حديثة» لتلك الاجتماعات التي أدارها اللورد كيرْزُن، الذي خاطب، سنة 1903، «مشايخ الساحل العربي» من على سفينة صاحب الجلالة آرغونوت في الشارقة، أي في الإمارات العربية المتحدة اليوم.

يقدم القطريون والسعوديون الدعم المالي لـ«المتمردين» للحصول على السلاح، ولدفع المال للمقاتلين المرتزقة، ولأعمال الإمداد في العدوان على سورية. أضف إلى ذلك دعم هؤلاء بخدمات الاتصالات البعيدة المدى، وفن القتال، والإرشاد العسكري الإستراتيجي. وليس غريباً ألا يظهر في وسائل الإعلام المستشارون العسكريون الغربيون الذين يعملون لمصلحة المجموعات المسلحة من وراء ستار. كذلك تقدم الدول المجاورة المساعدة الجغرافية للمجموعات المسلحة، فيسهّل الأردن مرور المرتزقة القادمين من ليبيا، وتعمل تركيا كقاعدة عسكرية شمالية للعمليات.

يعود تورط تركيا إلى رغبتها في الاصطفاف مع الخط الذي تدعمه السعودية السنية وحلف شمال الأطلسي، وإلى خشيتها من أن تمزيق سورية سيؤدي إلى نهوض مسألة الحكم الذاتي الكردي. فهم يرون أن هذا سيؤدي أخيراً إلى اتحاد بين أكراد تركيا وأكراد كل من العراق وسورية، مما سيثير حرباً أهلية مع تركيا وما يتبع ذلك في نهاية المطاف من انفصال كردستان عن تركيا وولادة دولة كردية.

أما إسرائيل، فإنها تخطط منذ عقود، كجزءٍ من إستراتيجيتها الهادفة إلى الهيمنة على المشرق والبحر المتوسط، لإضعاف سورية كي تستمر في احتلالها مرتفعات الجولان السورية وتسيطر على مصادر المياه فيها. ومن حيث الجوهر، تريد إسرائيل أن تكون القوة الرئيسة اقتصادياً وعسكريا في المنطقة، والحقيقة أن إسرائيل قد تخرج الفائزة الرئيسية من إضعاف سورية، ولو على المدى القريب، بحملاتها الإعلامية المنسقة التي تبثها منذ عقود على جمهورها، اختلقت إسرائيل فكرة عن سورية مفادها أنها المهدِّدة الأساسية لوجودها في الوطن العربي. ومما يثير الجدل أن الفراغ في الحكم الذي قد يُختلق في سورية يمكن أن تملأه مجموعات على نمط القاعدة، مما يعطي إسرائيل مبرراً كافياً للعمل ضد سورية و/أو إيران ويروّج أيضاً لفكرة النزاع بين إسرائيل «المتحضرة الديمقراطية» والإسلاميين «المتوحشين».

بالرغم من الفروقات الكبيرة بين سورية وليبيا، فقد يكون مصير سورية شبيهاً بمصير ليبيا من حيث التدخل الأجنبي، لولا أن روسيا والصين كلتيهما عارضتا هذا التدخل في الأمم المتحدة، حيث كان بينهما تعاون متناسق. وبالرغم من أن أصول العلاقات الصينية السوفييتية تعود إلى الأيام المبكرة من الثورة الشيوعية عام 1917، يبدو، حتى بعد تفكيك الكتلة الشرقية بعقدين من الزمن، أن الاتحاد الروسي وجمهورية الصين يتبعان، أكثر من أي وقت آخر، مقولة ماو تسي- تُنْغ في خطابه «كونوا ثورييين صادقين» في 23 حزيران 1950، فقد قال ماو تسي- تُنْغ إن «علينا في المجال الدولي أن نتحد بقوةٍ مع الاتحاد السوفييتي». (راجع أعمال ماو تسي- تُنْغ المختارة، مج. 5، ص. 39). أما ما جعل روسيا والصين أقرب إلى بعضهما البعض حول الصراع على سورية، فيتمثل في العقيدة المشتركة، والنظرة إلى العالم، والمصالح الاقتصادية، والأهداف المتعلقة بحقل الطاقة. تُعدُّ السعودية أكبر منتجة للنفط في العالم، تليها روسيا، فالولايات المتحدة، فإيران فالصين.

وفيما يتعلق باحتياطيات النفط، نجد أن أكبر عشر دول هي: فنزويلا، السعودية، كندا، إيران، العراق، الكويت، الإمارات، روسيا، كازخستان، ليبيا.

كما أن روسيا هي أكبر منتج للغاز في العالم، وتعتمد أوروبا عليها كمصدر للغاز في إنتاج الغاز العالمي، إذا استثنينا الولايات المتحدة وكندا لبعدهما الجغرافي، تقف إيران في المنزلة التالية لهما وتقف قطر في المنزلة الثالثة. وفيما يتعلق باحتياطيات الغاز، تقف روسيا في المنزلة الأولى، في حين تتبوأ إيران وقطر المنزلة الرابعة والسعودية المنزلة السادسة. وبالتجاور مع السعودية كأحد المنتجين العشرة الأوائل للغاز في العالم، يتضح لنا سبب الأهمية الخاصة لمصالح التصدير لدى قطر والسعودية. وينبغي لهذا الترتيب أن يعطينا فكرة واضحة عن التحالف الذي تشكَّل على ضوء النزاع السوري.

السعودية وقطر اللتان، لولا الظروف المغايرة، لكان من الممكن أن تكونا دولة واحدة وقد تتعرضان لتعديل جغرافي، دولتان عربيتان مسلمتان سنيتان ولهما مصالح اقتصادية. ويفسر جشع قطر في تسويق عقود تزويد الغاز والنفط الليبيين اتفاقَها مع حلف الأطلسي على مهاجمة ليبيا، ومشاركتَها الرمزية في الضربات الجوية، ودعمَها للمتمردين في إقامة قدرة إعلامية.

تهدف قطر إلى تصدير غازها إلى أوروبا، لتنافس روسيا وتكسب لنفسها قدرة في المساومة السياسية. ولكي يكون تصدير الغاز القطري منافساً وذا جدوى اقتصادية، لا بد من تمرير خط أنابيب الغاز عبر سورية. ولما كان هناك تحالف سوري طويل المدى مع روسيا يعود إلى العهد السوفييتي، فمن غير المحتمل أن تسمح سورية بما يزعزع المصالح الروسية في آخر معاقلها الإستراتيجية في الوطن العربي. هذا هو السبب الرئيس في أن قطر والسعودية تدعمان كفاح المعارضة للإطاحة بالحكومة السورية.

ما أسرع ما تغدو سورية مصدر المفاجآت التي تصدر عنها جميع الأزمات التاريخية للسنوات المئة والعشرين الأخيرة. وتبدأ هذه بالحرب التركية الروسية سنتي 1877-8، والحرب الروسية اليابانية سنة 1904، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة.

وفي العادة، يستغرق بروز قوة عظمى عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن. وقد استغرقت الولايات المتحدة 25 سنة لتظهر كدولة عظمى – من 1890 إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.

وبعد موت لينين سنة 1924، كان الاتحاد السوفييتي رجل أوروبا المريض. وفي العام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية في عهد ستالين، ظهر الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى. وبعد غورباتشيف، تراجعت روسيا كدولة عظمى، وبدا أن الحرب الباردة انتهت. وفيما لا يتعدى عقدين من الزمن، أنهى بوتين نظام القطب الأوحد وبرز في العالم نظام ثنائي القطب جديد، وكأن الحرب الباردة لم تنته قط.

تكشف لنا النظرة المتفحصة للنظام السياسي السوري أن الرئيس بشار الأسد هو حقاً رجل إصلاح. بيد أنه في سورية، كما في كل دولة أخرى، أجنحةً شتى تتشابك فيما بينها في صراع القوة، وهذه، مثلها مثل العمليات الاجتماعية الضرورية، يأخذ العمل في لجتها وقتاً. فبينما لا يستغرق الأمر سوى دقيقتين للتوقيع على قانون جديد، كما قال الأسد، فإن القيم الجديدة التي تأتي بها هذه القوانين تستغرق وقتا أطول بكثير لتثقيف الناس بتقبلها والمشاركة في تطبيقها. أما تصوير النخبة الحاكمة الغربية لهذه الأعراف كأنها تنمو على الشجر، فلا طائل وراءه، بل إنه أمر غير أخلاقي.

كانت سورية آخر دولة عربية علمانية ومترابطة اجتماعياً تستند إلى عقيدة علمانية من الأعلى إلى الأسفل. وعلى الرغم من محيطها الجيوسياسي المتفجر (لبنان، تركيا، إسرائيل، الأردن، العراق)، فقد عاش المواطنون السوريون بأمان في ظل العلمانية العربية.

وتضم سورية بين جناحيها نوعاً خاصاً من التعددية والتنوع الثقافي، مغروساً في التسامح الديني والحياة التعددية. ويتبدَّى هذا في وجود الكنيسة والمسجد معاً، إلى جانب التعايش بين النساء العلمانيات والمنقبات. والحقيقة أن عملية الإصلاح التي بدأت في سورية أكثر تقدماً من أي عملية شبيهة في أي دولة عربية أخرى. ويشمل هذا الإصلاح التخلص من قوانين الطوارئ، وتطبيق قوانين الأحزاب، وقوانين الانتخاب، وقانوناً رئيسياً للإعلام، والاتفاق على دستور جديد بما فيه شطب المادة المتعلقة بتفرد حزب البعث بالقيادة. وما هذه الإصلاحات إلا جزء من عملية سياسية حقيقية من شأنها أن تأخذ وقتاً.

بيد أن عملية الإصلاح هذه قد تعرضت لتخريب تامٍّ ومتعمَّد من لدن بعض القوى، بما فيها حكومات غربية تعمل ضد الدولة السورية. في العقود الأخيرة، وخاصة منذ 11 أيلول، ما فتئ الغرب ينشر فكرة تهديد الإرهابيين الإسلاميين للحياة العلمانية. غير أن السنة الذين يشكلون الأغلبية الدينية في سورية، ويضمون قطاعات كبيرة، ليسوا أقل علمانية من أي مجتمع أوروبي آخر.

لذلك، على الرغم من حق السوريين الواضح في الدفاع عن علمانية طريقتهم في الحياة، فإن هدف الغرب هو تفكيك الدولة السورية، وتغيير هيكلية السلطة، وإنشاء كيانات بشرية- جغرافية كالاتحاد ما بين الأكراد السوريين والعراقيين، وهو ما يشكل اليوم كابوساً لتركيا. وقد تُفرّغ بعض المناطق من سكانها، التي قد تستخدم، كما جرى للدروز، لإسكان المسيحيين السوريين فيها وربما لإسكان مسيحيي لبنان أيضاً. أما المسيحيون الآخرون فسيغادرون المشرق كلياً، وأما العلويون، فستكون لهم دولة أخرى قد ترتبط بإيران.

تقتضي الخطة تقويضَ الدولة العربية السورية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى وفي أربعينيات القرن العشرين، وإنشاءَ دول دينية جديدة، إن أمكن الأمر، شبيهةٍ بدولة إسرائيل اليهودية.

بهذه الطريقة، ستختفي السلطة العربية ومعها العقيدة القومية العربية التي نادى بها كل من ميشيل عفلق وأنطون سعادة، وكلاهما عربي مسيحي، والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. وقد بدأت هذه العملية سنة 1978- حين وقعت مصر، برئاسة محمد أنور السادات، معاهدة السلام مع إسرائيل، وتبع ذلك غزو لبنان عام 1982، والانتفاضة الأولى عام 1987، واحتلال العراق عام 2003. بعد ذلك حدث الأمر عينه في ليبيا بالاستيلاء على نفطها وغازها عام 2011.
لذلك يحتاج الغرب، للحفاظ على الهيمنة «الإسرأميركية»، إلى تشكيل الدول تشكيلاً طائفياً سنياً- شيعياً، لا قومياً عربياً. والحقيقة أن هذه العملية قد تعززت باحتلال العراق والإطاحة بحزب البعث هناك.

ما يحدث الآن في الوطن العربي، عملياً، إنما هو «تصحيح» لاتفاقية سايكس- بيكو من العام 1916، حين قامت الدولتان الاستعماريتان الرئيسيتان، بريطانيا وفرنسا، بوضع حدود الدول العربية الحالية وبتعيين وكلائهما من العرب. وعلى هذا، تتضمن الخططُ الاستعمارية الجديدة توفيرَ فئتين أو أكثر تحاربان النظام الحاكم في سورية، وإدامةَ هذه الحرب حتى تتهاوى الدولة وتتفسخ إلى دولتين أو ثلاث تقوم على أساس طائفي. عندئذ، يتسنى للنخبة الاستعمارية أن تغرف الثروة لأن العقلية الإمبريالية، في نهاية المطاف، ما فتئت على حالها.

لما كانت القوى الغربية غير قادرة على تحقيق هذا الأمر وحدها، فإنها تحتاج إلى وكلاء مثل قطر في ليبيا، والسعودية وقطر وغيرهما في سورية. هؤلاء الوكلاء، ويُفضَّل أن يخدموا أنفسهم بأنفسهم، وأن يكونوا ملوكاً عرباً، ومسلمين سنةً، وغير ديمقراطيين، سوف يستخدمون الإسلام السني للترويج للتطرف ضد الآخرين من عرب، مسلمين وغير مسلمين كالعرب المسيحيين، والشيعة والدروز. وهؤلاء العرب الذين لهم سبيل إلى النخبة العالمية الاقتصادية، كعلاقة آل سعود والقطريين بالأميركيين والنخب الأوروبية الأخرى، على سبيل المثال، هم أو أتباعُهم النخب الحاكمة عموماً في الخليج العربي.

إنهم هم من يُشيعون الفتنة بين مختلف الطوائف، ويكبرون، ويستغلون اللعب بأوراق السنة مع تركيا المسلمة السنية غير العربية ضد سورية. وليس مفاجئاً أن يكونوا على علاقة وثيقة بالسلطات الغربية الخادمة لإسرائيل. وإلا لكان من الصعب تفسير السبب في أن أكثر أنظمة الحكم استبداداً على وجه الأرض، أعني العربية السعودية، تقاتل سورية وتحاول أن تعطيها دروساً في الديمقراطية حيث لم تكن السعودية يوماً حريصة جداً على معرفة الكثير عنها.

إن حملات الدعاية الاستشراقية السلبية التي أديرت ضد سورية في السنة المنصرمة بدعم مالي من بعض دول الخليج قد موّهت عمداً عناصر معينة في سورية، مثل علمانية سورية، وهو ما ستلاحظه المجتمعات الغربية بشكل طبيعي. لذلك أُخفيت أهمية عقيدة حزب البعث العلمانية أساساً، والتي تضمن الحريات الخاصة على الأقل. إضافة، على سبيل المثال، إلى حقيقة أن داوود راجحة، وزير الدفاع السوري الذي اغتيل، كان مسيحياً، وكان كذلك الدكتور نبيل زُغيب، رئيس برنامج الصواريخ السوري الذي اغتيل مؤخراً مع أفراد أسرته.

تعود أمثلة تمويه الحقائق المتعمَّد الواردة أعلاه إلى تحالف سورية مع روسيا، التي هي المعسكر «الخاطئ». وهذه العلاقة الحميمة بين سورية وروسيا مستمرة منذ قرابة خمسة عقود. وإضافة إلى ذلك فإن سورية بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي هي البطن الطري «العلمانية العلوية / الشيعية» بين روافض (شيعة) إيران وشيعة حزب اللـه في لبنان. وبينما تمثل إيران وكذلك حزب الله، وسورية، وحماس سابقاً، العقبة الرئيسية لهيمنة إسرائيل، تُستهدف سورية الآن، فتتلقى العقوبة لكي يتفتت أخيراً الجسد المجازي كله.

لكنْ، ما علاقة حماس فيما نقول؟ كانت حماس حركة مقاومة تدعمها طهران ودمشق وحزب اللـه إلى أن كسبت الانتخابات بشكل ديمقراطي عام 2006، بعد زهاء سنتين من اغتيال ياسر عرفات؛ وبعد ذلك بسنة، انقلبت على السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح في قطاع غزة. فإن كانت إيران «رأساً» مجازياً، وكان حزب اللـه وحماس الساقين، تكن سورية «البطن» أو «القلب» و«الرئتين» لـ«جسم» المقاومة هذا. لكن، منذ تولت حماس إدارة قطاع غزة، توقفت كثيراً عن أن تكون حركة مقاومة وغدت ملزمة بالدستور.

هنا كسبت إسرائيل، وشارون خاصة، نصرا تكتيكيا. فقد انسحبت إسرائيل من قطاع غزة من غير أن تدفع ثمنا، إلى حدٍّ ما، في حين أبقت عليه محاصرا، فاخذت تهاجمه كلما رغبت، معطية المفاتيح للسجناء (حماس) كي يديروا لها أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض. كلُّ هذا نُفِّذ من غير أن تدرك حماس حقيقة ما يجري. ولعل أحد الناس فكّر أن في المستطاع تجميل الاسم، فبدلا من تسميته سجناً، أمكن تسميته بـ«إمارة القلعة».

في النصف الأول من عام 2012، غادر قادة حماس دمشق، حيث كان مقرهم الرئيسي، وهم الآن يلتزمون الصمت أمام الجمهور، وقد تخلَّوا عن دعم الحكومة السورية، الحكومة التي دعمتهم لعقدين ونيِّفٍ من الزمن.

وبانتصار الإخوان المسلمين في تونس ومصر، وبروزهم في ليبيا، أصبح لحماس رعاة أقوياء في بلدان تستطيع فيها أن تعمل انطلاقا من وضع أقوى. وقد دعا الرئيس المصري المنتخب قيادة حماس، في الشتات وقطاع غزة كليهما، إلى الانضمام إلى الإخوان المسلمين، منظمتهم الأم، على قدم المساواة.
وما كانت تبدو حتى الأمس على أنها حركة مقاومة، بالرغم من أن بعضهم قد يزعم أنها لم تكن ثورية قط مثل الفصائل الفلسطينية اليسارية الأخرى، أعني الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أو الجبهة الديمقراطية، أو غيرهما، غدت الآن جزءاً من نسيج التحالف الإسلامي السني الذي أخذ يعمل تحت جناح حلف شمال الأطلسي.

يحب المستشرقون الغربيون أن يتخيلوا ما يجب أن يحدث لخدمة مصالحهم في المشرق. لذلك بدؤوا بإطلاق اسم «الشرق الأوسط» على الوطن العربي، وكأنه محض علامة جغرافية وُضعت بالنسبة إلى موقعهم هم.

ولكي يؤمِّنوا سرقتهم المخطط لها، يبتدعون مصطلحاتٍ الغايةُ منها تمويه وتبرير أعمالهم العسكرية، ما ظهر منها وما بطن. بيد أن خدماتهم الأمنية / الاستخبارية لم تفلح دائماً في توقع التطورات في الوطن العربي، كانتفاضة 1978 وانقلاب حماس سنة 2007.

لكن نخبهم السلطوية السطحية الجاهلة لا تتوقف عن ابتداع أسماء وعمليات جديدة، آخرها تسمية ما بدأ في تونس بـ«الربيع العربي».

ما يحدث في بعض الدول العربية وفي الوطن العربي ليس «ربيعا»: إنه عملية رجعية سوف ترتد، مثلما خبرت الأمر الولايات المتحدة في أفغانستان، حيث اختلقت «المجاهدين» ودعمتهم ثم قاتلوها هي نفسها.
وهكذا تحاول الولايات المتحدة / إسرائيل أن تعقد العقود مع الإسلاميين الذين أخذوا السلطة لعلهم يسيطرون على جماهير العامة. والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الإستراتيجيون السياسيون استخدام الدين ليتجنبوا الفوضى ويحموا مصالحهم الاقتصادية.

وهذا شبيه بما وصفه مِكْيافلِّي، استنادا إلى ما قاله المؤرخ الروماني تيتُس ليفيُس (ليفي) باتافينُس (95 ق. م. -17م)، الذي كتب كتبا منذ «تأسيس المدينة» وأُشير إليه قي «مقالات حول ليفي»، حين أعطى أحد الفصول عنوانا ثانويا: «كيف جعل الرومان الدين يخدم إعادة تنظيم المدينة وقاموا بمشروعهم لإيقاف الاضطرابات».

وهكذا تسعى حملات الدعاية الغربية ضد سورية إلى إقناع العامة «الدهماء» بأن تخاف الدين بدل أن تطيع قادتها العرب الحاليين. لهذا، بالرغم من الاحتجاجات المُراقَبة في الملكيات العربية الثلاث السعودية والمغرب والأردن، يكاد العالم لا يرى أي احتجاج ملموس، مقارنةً بالاحتجاجات في الجمهوريات العربية الأخرى، بسبب المراقبة، والحراسة، وغياب انتباه الإعلام الغربي.

وأحد أسباب ذلك أنه يكاد لا يكون هناك إنسان واحد يتولَّى الترويج لأي حملة إعلامية خاصة ممولة جيداً وأن يدفع المبالغ الضخمة المطلوبة، ربما باستثناء البحرين، ونفوذ إيران المحتمل، بيد أنه ما من ضمانة لنجاح حملة مضادة للهيمنة في الملكيات العربية.

بعد الانتصار على آل الرشيد عام 1921، حكم آل سعود معظم شبه الجزيرة العربية التاريخية. ويعود تميزهم أيضاً إلى سيطرتهم على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وإلى تحالفهم مع الوهابية واستخدامهم لها، وإلى الموارد النفطية والمعدنية. وهذه الموارد تموّل صنعتها الثقافية (إعلامها). مع هذا، من الواضح أن العوامل الدينية والاقتصادية معقدة، ومتشابكة، وتنطوي على شبكة اجتماعية كبيرة. ويمكن التعبير عن هذا التآلف بما أسميه «الأخلاق السعودية والقوة الروحية» – وهو شيء شبيه بمقولة وِيبر «أطروحة الأخلاق البروتستانتية» التي كانت وراء تراكم الثروة في شمال أوروبا.

من جراء تراكم الثروة في دول الخليج في سبعينيات القرن العشرين، تلك التي سيطرت عليها الحماية البريطانية – الأميركية بموجب معاهدات جلبت أعدادا كبيرة من العرب ليصبحوا إما تابعين اقتصادياً – من خلال عملهم في الخليج – أو تابعين نفسيا من خلال الهيمنة على الإعلام العربي، خلق الازدهار الاقتصادي النفطي بنية اجتماعية جديدة في الوطن العربي؛ فأصبحت، نتيجة لذلك، بعض المجتمعات العربية معتمدة على الأسرة الحاكمة السعودية وعشائرها ومتقبلة لها. وهذه النخب جزء من النخب الاقتصادية ممن يملكون بعضاً من أكثر مشاريع الطاقة قيمة، ومن الأصول والعقارات القيّمة في الغرب، مثل هارُدز، وفرق كرة القدم، والعقارات على شارع الشانزلزيه، والشراكات مع روبرت ميردُخ، وغير ذلك كثير.

إن الاكتشاف الجديد أن العرب يريدون حريتهم يُروِّج له بعض مؤسسات الإعلام العربية والغربية، التي هي امتداد لصناع السياسة الذين لهم غاياتهم الاقتصادية وإستراتيجياتهم ومخططاتهم. وما هدف الحملات الإعلامية التي يديرها الصهاينة الرأسماليون من المحافظين الجدد مثل برنار-هنري ليفي، الذي يخدم إسرائيل بقوة وله ارتباط متين باليهودية الأصولية، إلا إقصاء العرب عن ثرواتهم ومواردهم، في حين تخدعهم، في الوقت عينه.

يُنفَّذ هذا الأمر من خلال إستراتيجية ثنائية لصنع رواية منفصلة لقطاعين منفصلين من الناس. فبالنسبة إلى المتدينين، يُناط الفساد بالكفر، في حين تُباع للأمة العربية كلها أحلام التحرر، والعدل، والحرية الجذابة. وطبيعي أن ينطلق تأويل كل فرد من نشأته الخاصة، واجتماعيته، وتسيّسه، وأعرافه، وقيمه.

لهذا، في حين قد يجتمع الجميع في «المربع» ذاته، سنجد الإسلاميين يؤمنون بأن الإسلام هو الحل، والليبراليين يتذكرون جان جاك روسو، و»فصل السلطات» التي نادى بها مونتسكيو والثورة الفرنسية، والماركسيين يفكرون بالثورة البلشفية لسنة 1917 وصراع الطبقات، والماويين بثورة ماو تسي تنغ الثقافية أو بالناصرية، ففي نهاية المطاف، حين قامت ثلة من ضباط الجيش المصري بانقلاب وثورة عام 1952، كان ماو تسي تنغ أعلن أن «الكفاح ضد الفساد إنما هو قضية رئيسية تتعلق بالحزب كله» (30 تشرين الثاني 1951) وأنها، لذلك، تناسب قضية محاربة الأنظمة العربية الفاسدة.

في هذه الأثناء، سوف يهرول من يحلمون بكاسترو وتشي غيفارا إلى «المتاريس» في الساحات في وقفات احتجاج ضد قوى الدولة الأمنية.

حقيقة الأمر أن هذه القيم ليست محفزات للوطن العربي، والليبراليون الصهيونيون يعرفون ذلك. فالحقيقة أنه، بسبب الهيمنة الاجتماعية والطريقة التي تكونت بها المجتمعات العربية في القرن الماضي، بما في ذلك الإرث الاستعماري، وبسبب الثروة التي تمتع بها الإسلام الوهابي والسلفية الحديثة من عائدات النفط، سوف تنجز الإيديولوجيات الأخرى، باستثناء الجناح الإسلامي، أقل تقدم إلى الأمام، وسوف تحظى الحركات الدينية بالفوز، ببساطة.

صحيح أن الوطن العربي غير متجانس، ولو قليلاً، لكن الدين سائد حتى في دول مثل الأردن، حيث هيمن الإسلاميون لعقود على المناهج المدرسية. وهكذا، فإن في كل دولة عربية أصابها الاضطراب، خاصة في مصر، كفاحاً قوياً على الدستور. فقد فاز الإخوان المسلمون والسلفيون بأغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية، وكان أول رئيس منتخب ديمقراطياً، محمد مرسي الذي انتخبه ربع المواطنين فقط، عضواً في جماعة الإخوان المسلمين.

وتعمل القوى الرئيسية على إعلان دستور يستند إلى تأويل لقوانين الشريعة ذي علاقة بها. يرى أرسطو في منشوره، «هيكل الدولة»، أن ثمة حاجةً «للنظر ليس فقط في أي الدساتير أفضل، بل أيضاً في أيها عملي وأسهل بلوغاً» (ص. 103). وهذا، في نظر الأصوليين المتدينين، متمثل في قوانين الشريعة، في حين هو الحل أيضاً للنخب الحاكمة الغربية.
ما داموا أمّنوا مصالحهم الاقتصادية من خلال مؤسسات إعلامية تسيطر عليها النخبة الدينية، فسوف يستفيدون بدورهم من مراكز قوتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وسوف تظهر ثلة جديدة من رجال الأعمال من داخل دوائر/ طبقات النخب الدينية. والمجموعات الدينية سوف تزيد مشاركتها الاقتصادية إلى جانب المشاركة السياسية.

ولما كانت ستفيد جهادها السياسي، فسوف يراها بعضهم حلالاً، أكانت ضمن الهيكل المصرفي الإسلامي أم خارجه. بيد أن الانقسام الاجتماعي سوف يبقى أو يتوسع، والفرق الوحيد أن الأسماء تغيرت. فبدلاً من مبارك، سيكون هناك شخص آخر، لكنه ملتحٍ هذه المرة، وهذه «التغيرات» الظاهرة سوف تديم الهيمنة السياسية بكل بساطة.

أما السكان المتأثرون بذلك، فهم الذين يسمَّون «أقلية»، وهم بشكل رئيس المسيحيون العرب، وهناك زهاء 30 مليوناً منهم في الوطن العربي، والمسلمون العلمانيون من سنة وشيعة، وغيرهم. وفي مصر أعلن محمد الظواهري، أخ زعيم القاعدة أيمن الظواهري، أن على المسيحيين المصريين أن يدفعوا الجزية باعتبارهم أهل الذمة، أو أن يخرجوا من مصر. فإن رفضوا، وجب إجبارهم على ذلك، حسب رأيه.

من أمثلة تعبئة السكان بموجب الدين في الإعلام ما تبناه ملك السعودية نفسه. ففي رمضان عام 2012، أطلق الملك عبد اللـه بن عبد العزيز وولي عهده حملة جمع تبرعات يُفترض أن تكون للشعب السوري – أو هكذا قيل. وقد استندت الحملة إلى الأعراف الأخلاقية الإسلامية والشعور بالتضامن مع الجماعة، خاصة ما يُشدَّد عليه في شهر رمضان المبارك. إذ باع شعبه رسائل التعاطف الاجتماعي هذه، وكانت هذه الحملات تُستخدم لأغراض سياسية محلية وإقليمية. وهناك حملة شبيهة لا يتخيلها المرء أطلقتها سورية لتحرير المرأة السعودية وحاجتها لسياقة السيارات.
أما التحرريون من ذوي الياقات البيضاء الشبيهون بغوبلز، والذين يصطفون إلى جانب أمراء المشيخات، فقد حاولوا حتى الآن أن يخدعوا جانباً من الرأي العام العربي وأن يفبركوا إجماعاً مضاداً للحكومة السورية، مُحرفين بذلك حماس شعبهم. وإذ يلتزمون هم أنفسهم بالأعراف والمعتقدات البالية حول الحرية والديمقراطية، ما فتئوا يُخادعون الناس ضد سورية فيما يتعلق بأعرافها الاجتماعية، كحرية المرأة، وحقوق الأقليات الدينية، والفرص المتساوية والحريات الشخصية، إلخ، التي هي أقرب كثيراً إلى الدول الغربية المتحررة.

وعلى السبيل نفسه الذي تسلكه الأنظمة العربية حين تحشد الرأي العام المحلي للتضامن مع الفلسطينيين، تستخدم الأنظمة الخليجية المقولة الكاذبة أنها ضد الظلم الذي تمارسه الحكومة السورية على شعبها كي تحشد عامة الناس عندها ضد سورية. وهذا بالرغم من حقيقة أنهم هم أنفسهم متخلفون عن سورية في مجال الحرية والديمقراطية بسنوات ضوئية.
ما كانت الحكومات الغربية قطُّ صديقةً للديمقراطية المتحررة في العالم الثالث. إنهم حتماً يتعاملون مع الحكومات صاحبة السجلات الأسوأ في مجال حقوق الإنسان، حين يكون الأمر ذا فائدة مالية لهم. فكما حدث في تموز 2008، حين أقام نيقولا ساركوزي وعدو سورية اللدود، أمير قطر، مع القيادة السورية «اتحاد المتوسط»، ظن بعض قادة الحكومات الأوروبية أنهم أيضاً قد يستفيدون مالياً من أزمة الوطن العربي. ويحدث هذا بشكل خاص حين يتلقون دعماً من الدول الخليجية الغنية ويعتقدون أنهم قد يخففون قليلاً من الأزمات الاقتصادية التي يواجهون.

في بعض أجزاء سورية، تراجع الأمن الشخصي منذ آذار 2011 ولم تكن الحكومة المركزية معروفة دائماً بتصرفها الأخلاقي. غير أن الإعلام، كجزء من الحملة السياسية الإستراتيجية، يتعمد الكذب حول الوضع في سورية. إنه يزرع الخوف في نفوس عامة السوريين ويثير قلقاً مبالغاً فيه حول المصابين والقتلى. وهكذا يصطنع رواية تيسر وتبرر زيادة الدعم للمجموعات المسلحة، والانفصاليين، والإرهابيين، والمرتزقة.

وهذا الإعلام نفسه أيضاً يصور الحكومة السورية بأنها المسؤولة الوحيدة عن العنف، في حين الحقيقة أن المسؤولين الحقيقيين هم أولئك الذين يجندون الأفراد الطيعين، العاطلين، المتعطشين للمال، ويدفعون لهم ويمدونهم بالسلاح.
هناك مجرمان اثنان مسؤولان عن زيادة الضحايا: الكذب وتكميم الصوت المعارض. فبالاشتراك مع حلفائه العرب، أطفأ حلف شمال الأطلسي إشارة الاتصال الفضائي لقناة «الدنيا» السورية. وهناك أعمال «إرهاب» فضائية أخرى شملت اختطاف وكالة الاستخبارات المركزية لحساب قناة «الدنيا» على «تويتر»، بغية نشر الأخبار الملفقة عن ارتداد كاذب للجيش العربي السوري. إن القمر الصناعي العربي نفسه الذي ساعدت سورية في تأسيسه بعد فقدان الجزء الثاني من فلسطين عام 1967 يُستخدم الآن ضدها من قبل هذه المشيخات الخليجية العربية السابقة.

يُستخدم هذا القمر الصناعي الآن في النزاع في سورية، ولكن ضدها، فيبثّ معلومات ملفقة تُطلقها قنوات يملكها خليجيون تنشر الخوف والرعب حول عدم الاستقرار الاقتصادي في سورية. ويُتلاعب بهذا الإعلام ليُستخدم غطاء لاستثارة الأعمال الإرهابية من قبل المعارضة السورية ولاستدرار المساعدة الاقتصادية، وهذا الإعلام ذاته يُقدم الإنجازات «البطولية» التي يُحققها «المتمردون» وعند الضرورة يصور خسائرهم على أنها «مجازر».

على العموم، لم يتبق للغرب والإعلام العربي الرئيس إلا خيار واحد تقريباً: ابتلاع المعطيات المزيفة من لدن مؤسسات فبركةٍ لا يُعتمد عليها، لتُضَخَّ بعد ذلك على الناس. فقصص المجازر التي تقوم بها الحكومة السورية تُذاع، لغايات الدعاية، كي تبرر التدخل الأجنبي، والصورة السائدة هي صورة الغرب النبيل الذي يأتي لينقذ هذا الشعب الضعيف المقموع في العالم الثالث من استبداد طاغية متعصب.

وهذا ما حدث في ليبيا تماماً. مع هذا، فإن قلة من الإعلام العربي تعارض هذه الخطة الرئيسة، وقلة أخرى تقف على الحياد. إن الإعلام العربي في معظمه، أكان بشكل مباشر أم غير مباشر، في دول الخليج، في حين الصحفيين الآخرين إما يقبضون سراً من تلك القوى أو إنهم مضللون كليا ويجدون من المستحيل فهم التبعات المأساوية لما يحدث في الوطن العربي.

إن القيم المضادة للحرب، كما عبّر عنها بيرتولد بْرِخْت في مسرحيته «الأم شَجاعة وأطفالها»، ليست في الأغلب الأعم على أجندة بعض الدول الغنية بالنفط، لأن هذه القيم قد تفضح الانقسام بين الدين واقتصاد الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن