قضايا وآراء

بعد شهرين في البيت الأبيض

| تحسين الحلبي

بعد مرور شهرين على استلام جو بايدين الرئاسة الأميركية ربما أصبح من الممكن التكهن بمعرفة طبيعة السياسة الخارجية الأميركية التي سعى إلى انتهاجها بواسطة مواقفه المعلنة. وهذا ما بدأ بعض المحللين الأميركيين يتناولونه في هذه الأوقات ومنهم داغ باندو الذي عمل مساعداً خاصاً للرئيس الأميركي رونالد ريغان في الثمانينيات ويعمل الآن باحثاً في «معهد كاتو الدولي للدراسات» ويصف باندو في تحليل نشره في المجلة الإلكترونية الأميركية «أنتي وور» بايدين «بانتهاج سياسة ترامب لكن بدرجة دسم أخف وبشكل غير صاخب»، وبأن أكبر تغير حدث في هذين الشهرين هو «الهدوء الذي يسود واشنطن العاصمة والبيت الأبيض بعد خروج ترامب».
أما الفرق بين الاثنين فيرى «باندو» أن «بايدين يعد نفسه من المختصين بشكل عميق بالسياسة الخارجية وممن كان على معرفة بأهم اللاعبين في ساحاتها» لأنه انضم إلى رجال السياسة في واشنطن منذ عام 1973 بعد انتخابه في مجلس الشيوخ.
ومع ذلك يرى روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي في بداية عهد الرئيس أوباما عام 2011 أن «بايدين كان مخطئاً في تقديره لجميع مسائل السياسة الخارجية المهمة (حين كان نائباً في ذلك الوقت للرئيس أوباما) وخلال العقود الأربعة الماضية»، ويشكك باندو بصحة سياسة بايدين التي «يؤيد فيها توسع الحلف الأطلسي باتجاه الحدود الروسية ويعد روسيا أكبر خطر على الولايات المتحدة في النزاع مع جورجيا وأوكراينا رغم أن الدولتين ليستا من أعضاء الحلف ولا تشكلان سوى مصلحة عسكرية قليلة الأهمية لواشنطن».
يكشف باندو أن بايدين اعتاد تأييد نشر الجنود الأميركيين في كل مكان لتقديم المشاركة العسكرية والدعم وتعزيز القوة «وهو الذي صوت لمصلحة الحرب على العراق عام 2003 وارتكب بذلك أكبر خطأ سياسي قبل عشرين عاماً وكان موقفه أفضل حين عارض سياسة الرئيس أوباما لزيادة القوات في أفغانستان كما ذكرت التقارير أنه عارض التدخل الأميركي في ليبيا لكنه كان يخضع السياسة الأميركية لمصلحة إسرائيل».
وبغض النظر عما يقوله باندو يواجه بايدين في الأشهر المقبلة موضوع الوعد الذي قدمه ترامب للأفغان حول ترتيب انسحاب لقواته في أيار المقبل، كما ينتظره موضوع إصرار الشعب العراقي والبرلمان العراقي بأغلبيته على فرض الانسحاب على ما بقي من القوات الأميركية في الأراضي العراقية، وكذلك موضوع انسحاب الوحدات العسكرية الأميركية من شمال شرقي سورية، وتزايد الأخطار التي تحيط بها، كما أنه من المقدر أن يكون توقيع الاتفاق الصيني الإيراني الإستراتيجي قد تسبب بضربة إقليمية دولية ضد السياسة الأميركية في المنطقة وفي الساحة العالمية، ولذلك يتوقع المحللون أن تفرض هذه الضربة على إدارة بايدين وضع حسابات جديدة لما كانت تراه في الموضوع النووي مع إيران قد يجبرها على وضع سياسة جديدة تجاه هذا الموضوع الذي تؤيد فيه الصين وروسيا المقاربة الإيرانية، على حين تميل بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى موقف لا يميل إلى الجانب الروسي الصيني ولا إلى التطابق مع الموقف الأميركي الذي لم يبلوره بايدين أو لم يعلنه بشكل حاسم حتى الآن.
يبدو أن بايدين سيرتكب المزيد من الأخطاء في السياسة الخارجية التي يعتقد أنه يعرف اللاعبين المهمين فيها منذ فترة عمله في الكونغرس، وحين كان نائباً للرئيس ولذلك من المتوقع أن يحافظ على متانة العلاقات مع السعودية، ويكف عن تجاهل ولي العهد السعودي. وسوف يكتشف العالم أن بايدين الذي يسعى إلى محاصرة روسيا والصين وإيران وسورية سيجد نفسه بأمس الحاجة للدول الحليفة له في الخليج وفي آسيا، لكنه لن يجد في الوقت نفسه أي وسيلة لكسر إرادة هذه الدول بعد أن جرب سلفه ترامب ورئيسه أوباما كل أشكال الحروب والحصار خلال عشر سنوات، ولم يحقق هؤلاء الرؤساء الأميركيين أهدافهم بل إن بعض المحللين ومنهم باندو يحذرون بايدين من أن تؤدي سياسته الخارجية إلى تردد بعض الدول الحليفة أو الصديقة في تلبية مطالب السياسة الأميركية في المنطقة بعد أن ولّد الضعف الأميركي ضعفاً في نفوذ الولايات المتحدة على عدد من الدول التي تعتمد عليها منذ فترة طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن