قضايا وآراء

حرب دولية باردة تؤججها واشنطن

| رزوق الغاوي

تتبدى في الوقت الراهن مؤشراتٌ عملية لمرحلة جديدة من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والغرب من جهة وروسيا الاتحادية والصين وإيران من جهة ثانية، تفاعلت وبرزت على سطح العلاقات بين الجانبين بوتائر متسارعة بفعل أميركي استفزازي ورد فعلٍ روسي صيني طبيعي ومشروع، مردُّه الإستراتيجية الجديدة التي وضعها الرئيس الأميركي جو بايدن وأعلنها فور توليه مسؤولياته الرئاسية.
وقد تمثل جانبٌ من تلك الإستراتيجية الأميركية، باستحضارٍ أميركي لقضايا عالقة تتصل بالمسألة السورية والشأنين المتصلين بالأوضاع المستجدة في منطقة القوقاز في ضوء النزاع الأذري الأرمني حول إقليم ناغورنو كاراباخ من جهة، والأوضاع المستجدة في الساحة الأوكرانية والمتمثلة بالنزاع بين منطقة دونباس ذات الأغلبية الروسية والسلطة الأوكرانية القائمة في كييف من جهة أخرى.
ويبدو جلياً أن مضي الإدارة الأميركية في تفجير النزاع في كاراباخ وكذلك في أوكرانيا، يندرج في إطار المحاولات الأميركية المستمرة والرامية لمحاصرة روسيا والحد من دورها في معالجة القضايا الدولية وخاصة في المنطقة العربية وتحديداً في سورية، مع الأخذ بالاعتبار الدعوة الأوكرانية لتسريع انضمامها لحلف شمال الأطلسي الأمر الذي ووجه بتحذيرٍ روسي شديد اللهجة من مغبة قدوم أي قوات أميركية إلى أوكرانيا. ومن الواضح جداً أن الإدارة الأميركية أوعزت لوكيليها في أنقرة وكييف لخلق حالة من التوتر في علاقاتهما مع الجانب الروسي، في محاولة للضغط عليه وثنيه عن مواقفه بغية إرباكه وإلهائه وعرقلة جهوده المخلصة والخاصة بقضايا المنطقة عموماً ولاسيما المتصلة منها بالشأن السوري.
وواضح جداً أن الموقف الأميركي المناهض للسياسة العامة الروسية وللدور الروسي الصادق والمؤثر في الساحة الدولية، والتطور الإيجابي للعلاقات التحالفية ببعدها الإستراتيجي الثلاثي الروسي الصيني الإيراني، قد أنتج قلقا أميركياً بالغ الشدة بسبب ذلك التحالف الجاد والمستجد بين الدول الثلاث.
ثمة أمر آخر يُضاف إلى ذلك، قد شكل على ما يبدو، قلقاً أميركياً آخر بالغ الأهمية، مرده الثروة النفطية والغازية الهائلة والمتراكمة في أعماق المحيط المتجمد الشمالي الذي تعود تبعية معظم مساحته للجانب الروسي، والتي تحتوي على نحو ربع موارد النفط والغاز المحتملة في العالم، ما يعني أن الاستثمار الروسي لثروته النفطية من المحيط المتجمد الشمالي سيمكن روسيا مستقبلاً من تغطية كامل احتياجات القارة الأوروبية من المشتقات النفطية من دون أي تكاليف إضافية.
هذا الأمر المستجد، جعل الأميركيين يطرحون عقيدة عسكرية جديدة تزامنت مع الزج الأميركي بقوات عسكرية في تلك المنطقة القطبية للعمل فيها، ما يشكل تهديداً واضحاً وصريحاً لروسيا ربما يؤدي إلى مواجهة معها، ما لم تعد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حساباتها وتحترم مصالح الآخرين المشروعة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تلك العقيدة العسكرية الجديدة استدعت نشر قوات برية أميركية إستراتيجية جديدة للعمل في القطب الشمالي، تنص على إنشاء مقرات ووحدات قادرة على العمل في جميع مجالات الصراع المسلح، وهاهو بايدن يطلب من الكونغرس 715 مليار دولار لاحتواء ما سماه التهديدات الروسية والصينية على حد زعمه، فيما قررت واشنطن إرسال سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود، ردا على الإجراءات الاستباقية الاحترازية التي اتخذتها موسكو من خلال حشد قوات عسكرية إضافية في منطقة الحدود الروسية الأوكرانية تحسباً لأي تطورٍ دراماتيكي أميركي ضد دونباس.
إن أهم ما في الأمر الآن، أن الإدارة الأميركية الحالية تعيش مأزقاً حقيقياً تحاول الخروج منه بالهروب إلى الأمام عبر الذهاب نحو تأجيج حرب دولية باردة، إما مباشرة أو عبر وكلاء، ومن المرجح أن ابتكار واشنطن لقواعد جديدة لإستراتيجيتها السياسية على الساحة الدولية سواء بالنسبة للمسألة السورية، أو للوضع في منطقة القوقاز، أو للوضع الشائك في أوكرانيا، لن تلقى صدىً أوروبياً مؤيداً لها، بل إنه سيحدث انقساماً في المواقف الأوروبية، مرده الاعتقاد السائد في القارة الأوروبية بأن شعوبها ستدفع أثماناً باهظة جراء السياسات الأميركية الرعناء، مع احتمال انعكاس تلك السياسات سلباً على وحدة حلف شمال الأطلسي التي تشكل الأرض الأوروبية قاعدتها الأساسية والقاعدة العملانية لأي عمليات عسكرية محتملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن