قضايا وآراء

الجامعة العربية: ما هو مسكوت عنه!

| بقلم د. بسام أبو عبد الله

لا تزال مسألة إعادة سورية لجامعة الدول العربية بين أخذ ورد، وتصريحات مواربة من هنا وهناك، تتحدث عن ضرورة عودة سورية للجامعة العربية، وأهمية ذلك للأمن القومي العربي، على الرغم من أن الحديث عن الأمن القومي العربي تحول إلى نكتة سمجة بعد أن ارتكبت بعض الدول الأعضاء خطايا قاتلة تجاه سورية طوال سنوات عشر من الحرب الفاشية الإجرامية عليها كدولة وكشعب، دون أن تصل بعض الدول العربية بعد إلى خلاصة مفادها أن استمرار هذه السياسات المواربة لن توصل الأمور إلى خواتيمها الطبيعية والمحقة، وضمن هذا الإطار لا يرغب البعض الحديث عن العوامل المسكوت عنها في هذا الملف، وسأورد بعضها:
1- إن قرار تجميد العضوية لا نص قانونياً له في ميثاق الجامعة العربية أصلاً، بل هو إجراء يمنع الدول المستهدفة من ممارسة حقوقها وواجباتها في الجامعة، ولا علاقة له بالفصل أو الطرد، قياساً بميثاق الأمم المتحدة، ويبقي مقعدها شاغراً إلى أن يتخذ قرار يلغي مفاعيل التجميد.
2- جاءت حالة التجميد بقرار لم تتقدم به سورية وخارج إرادتها، والكل يعرف أنه قرار أميركي، نفذته الجامعة، وللتذكير فقد أعلنه رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم من مقر الجامعة باعتبار أن سورية لم تلتزم بمبادرة الحل العربية حسب زعمه آنذاك، واتهمه مندوب سورية لدى الجامعة العربية الراحل يوسف الأحمد بـ«العمالة والخيانة»، والحقيقة التي أعلنها بن جاسم نفسه لاحقاً أن دولة عضواً في الجامعة العربية هي قطر مولت بأكثر من 137 مليار دولار الفوضى والإرهاب في سورية، فهل تجوز المساءلة لهذه الدولة العضو عن ممارساتها، وخطاياها تجاه سورية الدولة المؤسسة لجامعة الدول العربية؟
3- الخطيئة الأخرى التي ارتكبت من دولة عضو في الجامعة هي قطر، تمثلت في منح مقعد الجمهورية العربية السورية لجسم هلامي سموه «معارضة»، ليلقي كلمة أمام القمة العربية التي انعقدت في الدوحة في آذار 2013، وكأن مقعد أي دولة عربية يمكن منحه لأي كان، ونلبسه لباس تمثيل الدولة والشعب، على الرغم من أن الأمم المتحدة لم تقدم على مثل هذه الخطوة الحمقاء، التي دلت على قصر نظر، وقلة فهم، ورؤية ضيقة الأفق، وتنفيذاً لأجندة أميركية حسب ما أكد ذلك حمد بن جاسم نفسه حين قال في مقابلته الشهيرة على الـ«بي بي سي»: إن الجميع كان يعمل بإمرة الأميركي.
4- في حال التجميد يمكن لأي دولة عربية طرح الموضوع على مجلس الجامعة لاتخاذ القرار فيه، وليس من الشروط الملزمة أن تبادر الدولة المعنية به أمام المجلس، حسبما طالبت بعض الدول العربية به سورية، إذ إن التجميد لم يأتِ بناءً على طلب سورية، وإنما خارج إرادتها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ما انكشف من وثائق وحقائق حول طبيعة الحرب الفاشية على سورية يكفي بما لا يدع مجالاً للشك لأن يخجل البعض من مطالبة سورية بعد كل ما ارتكب ضدها من جرائم، وعدوان، وإرهاب، بتقديم طلب للعودة لجامعة لم تحترم ميثاقها، أما موضوع التصويت للعودة فليس مطلوباً الإجماع كما يروج البعض، لأن الإجماع مطلوب في حال قبول العضوية، ومجلس الجامعة اعتمد التصويت بالثلثين في قرارات سابقة.
5- إن المطالبات التي تتحدث عنها بعض الدول العربية عما تسميه «نفوذ إيراني»، تسكت هي نفسها عن الاحتلال الأميركي المجرم، والذي ينهب الثروات السورية، ويمارس أبشع أنواع الإرهاب الاقتصادي، والحصار الظالم على سورية وشعبها، وإذا كان الإيرانيون قد أتوا إلى سورية بناءً على طلب الحكومة الشرعية في سورية، فإن الولايات المتحدة قوة محتلة غير شرعية، ومجرمة في سورية وخارج إطار القانون الدولي، إضافة للاحتلال التركي، والذي ينسق مع الأميركيين، ويتبادل المصالح معهم، ويقوم بالتغيير الديموغرافي الخطر على الأرض السورية.
وبالتالي على بعض الدول العربية أن تسأل نفسها لماذا من المحرمات الحديث عن الاحتلال الأميركي، ومطالبة قوات الاحتلال بالخروج من الأراضي السورية؟
6- التعاون السوري الإيراني هو مسألة سيادية سورية بحتة، كما التعاون المصري الأميركي، والسعودي الأميركي، والقواعد العسكرية المنتشرة لواشنطن في الكثير من الدول العربية، فلماذا هذا حرام، وذاك حلال، على الرغم من أن كل دولة عربية حرة في تحالفاتها، وقراراتها السيادية، ولذلك فإن ربط البعض بين عودة سورية للجامعة العربية وإيران، هو ربط غير منطقي، والدول العربية كلها تعرف أن سورية كانت الجسر الأهم بين إيران ودول الخليج العربي، ولا تزال قادرة على لعب هذا الدور، أما محاولات هذا الربط الميكانيكي فهو ساذج، ولا أعتقد أنه مقبول.
7- ما أطلق عليه بـ«مبادرة العمق العربي» ليس إلا محاولة للتذاكي من خلال تسويق المشروع الانفصالي المسمى إدارة ذاتية، لا بل هو محاولة لنقل الفكر الانفصالي نحو مناطق الجنوب السوري بطريقة غبية، على الرغم من أن أصحاب المبادرة هذه لم يقرؤوا حرفاً واحداً في قانون الإدارة المحلية السوري (اللامركزية الإدارية)، والذي يتضمن كل ما يطالب به بعض السوريين من نصوص قانونية تطلق المبادرات التنموية المحلية ضمن إطار رؤية وطنية شاملة، وهو خط استراتيجي طرحته الحكومة السورية منذ بداية الحرب الفاشية عليها.
إن الجهود الروسية المبذولة لاستعادة سورية إلى جامعة الدول العربية هي جهود واضحة، وبدأت تعطي ثماراً برزت في المواقف لدى أغلبية الدول العربية، والاعتقاد أنه مسار يتم العمل عليه بإصرار من العديد من الأطراف، وهو مسار فيه مصلحة للدول العربية التي أصبح بعضها مهدداً في صلب أمنه القومي، مصر مثلاً والسعودية وغيرهما، وبالتالي فإن سياسة إنقاذ رأس أي دولة عربية على حساب الأخرى هي سياسة عقيمة أدت إلى الإطاحة بالكثير من قواعد أضعف الإيمان التي كانت تحكم جامعة أضعف الإيمان العربية، وما على المتحمسين لهذا الخيار سوى الحديث علناً عما هو مسكوت عنه في المسألة السورية، وهو كثير ومرير، ومؤلم ومخز، فسورية التي تعض على جراحها وآلامها، وما ارتكب بحقها من فاشية وطعن في الظهر ليس بإمكانها أن تنسى أو تسامح، لكن إذا كان هذا المسار مخرجاً ملائماً للتخفيف عن آلام السوريين، ولحفظ ماء الوجه لدى بعض الدول، فلا بأس به، لكن لن يكون على حساب ما يعتقده البعض تنازلات سياسية، وإنما تدوير للزوايا لإيجاد المخارج لمن تسلق شجرة إسقاط سورية، ونظامها السياسي منذ عشر سنوات، وأنفق أموالاً طائلة كانت تكفي لإنعاش المنطقة بأكملها مع شعوبها، والحقيقة المرة أن على البعض أن يخجل أمام سورية، والسوريين وآلامهم، وجراحاتهم، وصمودهم، وصبرهم، وهزيمتهم للفاشية الجديدة وداعميها.
نحن في زمن آخر، وبعد سنوات عشر، آن لبعض الدول العربية أن تتعظ، وتدرك أن سورية أساسية للأمن القومي العربي، وأن هذا الأمن واقع حقيقي لا يتحقق بتآمر البعض على البعض الآخر، وإنما بتعاون مثمر وحقيقي، وبإدراك عميق أنه لا إمكانية لنجاة أحد مما يخطط للمنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock