ثقافة وفن

«للموت» قالبه الدرامي يُولي الأهمية للأدوار الرئيسية والثانوية سواء بسواء … التأثير النفسي للماضي الأسود القاسي في حياة الإنسان

| سوسن صيداوي

مسلسل الدراما العربية المشتركة «للموت» واحد من مسلسلات الغموض والتشويق التي تعرض في موسم رمضان 2021، وكان قد جذب الأنظار له منذ طرح الإعلان الترويجي، فهو يندرج تحت مسمى الدراما الاجتماعية، معتمداً في قصته على المفاجآت المتتالية، سيناريو نادين جابر، إخراج فيليب أسمر، ومن إنتاج شركة إيغل فيلمز، تمثيل: محمد الأحمد، ماغي بوغصن، دانييلا رحمة، خالد القيش، باسم مغنية، صباح الجزائري، رنده كعدي، فادي أبو سمرا، ختام اللحام، وسام صباغ، أحمد الزين.

في القصة

يعطي القالب الدرامي في مسلسل «للموت» الأهمية للأدوار الرئيسية والثانوية سواء بسواء من حيث سردية القصة وحبكتها ومفاتيحها، وبظهور الشخصيات الثانوية لتسليط الضوء على أعباء الواقع اللبناني المتردي اقتصادياً ومعيشياً. ومن ناحية أخرى صحيح أن غموض الحكاية كان هشاً، وانكشفت الخيوط من الحلقات الأولى، لكن الحبكات المدروسة وتوالي الأحداث يضعنا دائماً في دائرة التشويق لصراعات قادمة.

ونضيف بأن القصة الأساس للمسلسل هي مستهلكة وسبق للشاشات أن عرفتها، فالبطلتان تهربان من الميتم، وتواجهان معاناة مُرّة من المجتمع، هذا وتَلقي الظلم في مرحلة المراهقة عن طريق التعنيف والاغتصاب والإجهاض، وجاء أسلوب الكاتبة مهتماً بوضوح في التركيز على الأسباب التي أوصلت الطفلتين إلى هذا الحال النفسي المتردي، فحاضرهما ناجم عن ماضٍ أسود دفين، وخطفهما للسعادة ناتج عن الحرمان والفقر والعوز، ولكن ما يضيف الجدية للقصة هو إقحام الواقع اللبناني المعاشي بشفافية مطلقة، بالتركيز على حياة ومشاكل أهالي الحي الفقير، الذي ولدت به الطفلتان، مع «الفلاش باك» لبعض من حياة الاثنتين، في زحمة مرور الحاضر وما سيواجهونه جميعاً في المستقبل.

الشخصيات الرئيسة

تتعاهد الصديقتان المقربتان «سحر» وتقوم بدورها الممثلة ماغي بوغصن، و«ريم» تجسد شخصيتها الممثلة دانييلا رحمة، على البقاء والعمل معً في الحصول على أموال الرجال الأثرياء، ضمن خطط مبينة على الاحتيال والنصب، حيث تتفقان أن تتزوج واحدة منهما برجل زواجاً مدنياً، والثانية تقوم بإغوائه ليخون زوجته، ليدبّ الخلاف بين الزوجين ويحصل الطلاق، فتحصلان على نصف أملاكه.

ولكن تبدأ الأحداث بالتصاعد، عندما تُظهر الحلقات الأولى البرود الذي تعيشه «ريم» تجاه زوجها «هادي» والذي يؤدي دوره الممثل محمد الأحمد، وطلبها للطلاق منه بعد شهرين فقط من زواجهما، ليسافر الزوج إلى تركيا، ويلتقي بـ«سحر» بالصدفة مرات عدة في المطار ومن ثم في الفندق، الأخيرة تحوم حوله وتستدرجه حتى يضعف أمامها ويقيم معها علاقة. هنا تأتي الزوجة «ريم» كي تصالح زوجها ولتعيد المياه لمجاريها، ولكنّ الزوج يرفض الإصغاء للزوجة التي تخبره بأن سبب طلبها للطلاق لأنها لا تستطيع الإنجاب، هذا السبب يليّن موقف وقلب «هادي» الزوج. ولكننا لازلنا هنا نعيش كلنا بوهم شكوك الزوجة باختلاف تصرفات زوجها، لتفاجئنا الكاتبة بأن البطلتين على معرفة قوية وهما متفقتان بل ومتعاهدتان. هنا تبدأ الحرب الباردة، لأن «ريم» مغرمة بزوجها «هادي»، وكانت «سحر» أقامت معه علاقة كي تطالب «ريم» بالطلاق للحصول على أموال «هادي»، يبدأ الصراع بين الاثنتين، ليظهر «باسل» والذي يقوم بدوره الممثل خالد القيش وهو شقيق «هادي» ويتعرف على «سحر» من أجل شراء منزل كون الأخيرة مهندسة ديكور وتعمل بمجال بيع وإكساء العقارات، هنا الشرارة تشتعل بين الاثنين ويبدأ الحب بطرق أبواب قلبيهما، ولكن عندما يعلم «هادي» بإعجاب أخيه بهذه الفتاة تبدأ الصراعات في قلبه وعقله، فقلبه فرح لأخيه «باسل» كونه تجاوز اكتئابه بسبب فقده لخطيبته التي انتحرت، ولكن عقله وضميره يوجعانه لأنه كان على علاقة مع نفس الفتاة.

«سحر» لأول مرة في حياتها تشعر بالضعف لأن قلبها اختار «باسل»، وهي كانت صريحة معه بأوجاعها النفسية، إذ أخبرته حول انتحار أمها، وبطبيعة الحال بقيت أسرارها مكتومة حول عقدها الدفينة، والناتجة عن اغتصاب أبيها لها وقتله من قبل أمها.

تعتمد الكاتبة على المفاجآت كما ذكرنا، حيث نكتشف بعد عدة حلقات بأن «عمر» والذي يجسد شخصيته الممثل باسم مغنية، وهو صديق كل من «هادي» وعلى علم بكل أسراره في حياته الشخصية والعمل، كما ويكره زوجته «ريم» لدرجة كبيرة، هو أيضاً صديق «باسل»، ولكن الطعمة الكبرى بأن يكون «عمر» هو أيضاً طفل متشرد، ويعرف كل من «سحر» و«ريم» منذ أن تسولتا في الشوارع، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فكرهه الذي يبديه لزوجة صديقه، لأنه مغرم بها لدرجة كبيرة، فالزوجة «ريم» كانت قد عاهدته على ألا تتزوج من رجل سواه.

وأخيراً هناك الكثير من المفاجآت التي تنتظرنا في مسلسل «للموت» والتي سنكتشفها حلقة بعد حلقة.

من الواقع المرّ

كما أشرنا أعلاه، جمالية النص بأنه لا يدور فقط في حدودته حول مشاكل الحب ومطباته، بل تطرق في أحداثه الدرامية على تسليط الضوء على قضايا جوهرية تمسّ الواقع اللبناني والعربي بالعموم، فشبح الفقر يحوم حول معظم من يعيش بالحي القديم، وقلّة من يشعر بالاكتفاء المادي والعاطفي.

والشخصيات الثانوية تعيش صراعات كبيرة، فما بين فتور الأزواج وابتعادهم عن زوجاتهم، نجدهم يخونون ويقامرون بنفس الوقت. هذا وكيف الأزمة الاقتصادية اللبنانية تجعل من شاب خريج من كلية الاقتصاد عاطلاً عن العمل ومفلساً، وغير قادر على علاج أبيه المريض، ليقحمه القدر في سرقة غير مخطط لها، لسيارة يقوم بتفكيكها ويبيع قطعها من أجل إنقاذ أبيه، في صراع حاد ما بين الحلال والحرام والأخلاق التي تربى عليها مقابل عجزه التام. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ بل يسري الحديث عن تزويج الفتيات القاصرات مقابل الحصول على المال من مهر الابنة، وأيضاً يحوم التجار حول أهالي الحي كي يبيعوا منازلهم من أجل هدمها وبناء عمارات عصرية حديثة، في مشاهد تعكس الصراع الدائر ما بين دفء ذكريات الحي وصوت الجوع الذي تصدره الأمعاء، ولكن حتى الآن لا نعلم من سيفوز، هل أهل الحب والأخلاق أم أصحاب المال والنفوذ؟ وهذا ما ستكشفه لنا الكاتبة في الحلقات القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock