عربي ودولي

الصينيون أنتجوا مشروعاً عالمياً جديداً يسعى للشراكة … مدير مدرسة الإعداد الحزبي لـ«الوطن»: تجربة الشيوعي الصيني مهمة ويجب دراستها بعناية

| سيلفا رزوق

اعتبر مدير مدرسة الإعداد الحزبي التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي بسام أبو عبد الله، أن تجربة الحزب الشيوعي الصيني هي تجربة هامة ويجب دراستها بعناية، لاسيما أن الكثيرين دائماً يتحدثون عن تجربة الصين الاقتصادية، دون الإشارة إلى دور الحزب الشيوعي الصيني باعتبار أن الصين يقودها حزب برؤية الغرب هو حزب واحد ولا يعكس التعددية، رغم أن الصين وفقاً لما نقرأ فيها أحزاب أخرى وقوى اجتماعية أخرى، وهي تشارك وفقاً لما يسميه الصينيون بالخصائص الصينية.
وفي تصريح لـ«الوطن» لفت أبو عبد اللـه إلى أن الصينيين والحزب الشيوعي الصيني طوروا تجربتهم كثيراً، وبيّنوا أن الديمقراطية ليست نمطاً واحداً يمكن أن تؤخذ من الولايات المتحدة والغرب لتطبق، وهذا جزء من أهمية قدرة المفكرين الصينيين على إنتاج تجربة خاصة بهم وهي حققت نجاحاً، وأضاف:» أتذكر عندما كنت في مؤتمر طريق الحرير عام 2014، وآنذاك كانت بداية إطلاق مشروع طريق الحرير وسألت أحد الخبراء البريطانيين الذي كان مشاركاً في هذا المؤتمر، كيف تفسر قدرة الصين على النجاح بما يخالف الرؤية الغربية، أنتم كنتم تقولون إن أي تطبيق ليبرالي في الاقتصاد ينبغي أن يترافق مع حريات وقيم وفقاً للمنظومة الغربية والصين طبقت تجربتها وحافظت على حزبها الشيوعي ونمطها فيما يتعلق بقيادة المجتمع فأين يكمن سر هذه التجربة، لكن الخبير لم يكن لديه أي جواب، فالصين طبقت نمطاً ليبرالياً اقتصادياً بقيادة الحزب الشيوعي الصيني».
واعتبر أبو عبد اللـه أن القدرة على إنتاج تجربة اقتصادية فريدة خلال خمسة عقود، هي مثار اهتمام ودراسة، والآن نجد أن كل مراكز الأبحاث الأميركية تتحدث عن الصين وكيف استطاعت إنتاج تجربة ناجحة، خلال عقود قليلة، احتاجت أوروبا للوصول لها إلى أربعمئة عام.
وعبّر أبو عبدالله عن اعتقاده بأن دور الحزب الشيوعي الصيني كان هاماً في هذه المسألة، ورغم أن الغرب اعتقد أن كلمة شيوعية ستمُحى من تاريخ الصين بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لكن الصين حافظت على حزبها والرئيس شي جين بينغ قال إنه «يجب التأكيد على الاشتراكية ذات الخصائص الصينية ودورنا نحن في تغيير المجتمع».
ولفت أبو عبد اللـه إلى أن الفرق بين التجربتين الليبرالية الغربية والصينية التي استفادت من ايجابيات الليبرالية، هي في قدرة الصين على المزج بين ضبط مجتمع كبير وضخم وإدارته وفق أسس حديثة، والإنتاج الاقتصادي والتقدم، وهذا ما افتقده الحزب الشيوعي السوفييتي والذي عانى من الجمود العقائدي وعدم المرونة في الأطراف وعدم القدرة على إبداع نموذج اقتصادي خاص، فالحزب الشيوعي الصيني انطلق من رؤى وحقائق تقول: إن الحقيقة هي القابلة للتطبيق على تطبيق الفكرة في المجتمع، كما أن الصين التي استفادت من كل شيء إيجابي، فما يهمها هو النتائج، وهي تعتمد النقد المستمر للتجربة لكي تصوّب في الاتجاه الصحيح، وهذا مرت به الصين من خلال مؤتمرات مجلس نواب الشعب أو من خلال مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني، فإذا لدى الصين أدوات للتصويب ومكافحة الفساد، لاسيما أن الرئيس الصيني اعتبر أن أهم قضية هي مكافحة الفساد، كما أن الحزب الشيوعي الصيني يركّز على قضية السلوكيات، وموضوع الإعداد العادل للكوادر، وأيضاً على قصص النجاح إذ إنه لا يمكن لمسؤول أن يترقى بالمنصب إذا لم يكن لديه قصة نجاح، فأعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني لدى كل واحد فيهم قصة نجاح في المقاطعة التي كان يتولاها، فالمسؤول لا يأتي إلى منصب أعلى إلا بعد تحقيق نجاح وتجربة ناجحة في المكان الذي يعمل به، والترقي في الصين ليس عملية أتوماتيكية كما يحصل في الكثير من الدول.
وبيّن أبو عبد الله، أن الصين تقول دائماً عن تجربتها بأنها اشتراكية ذات خصائص صينية، وتكمن هذه الاشتراكية في قدرة النظام الاقتصادي الصيني على إنتاج فائض قيمة يعود على الفقراء، فعندما يقول الرئيس الصيني بأننا رفعنا 400 مليون فقير من تحت خط الفقر فهذا إنجاز للنظام الاشتراكي الصيني، مشيراً إلى أن الصينيين قدّروا قيمة العقول فهم يدفعون للعقول مبالغ عالية، ويجلبون أفضل الخبرات من كل دول العالم ويدفعون لهم، فالمهم أن هذا العقل يمكن أن يقدم ماهو مفيد للاقتصاد الصيني، لافتاً إلى أن الصينيين وصلوا لإنتاج مشروع عالمي يقدم الصين بطريقة تختلف عن النموذج الأميركي أو النموذج الغربي الذي سيطر على العالم مابعد الحرب العالمية الثانية وحتى وقتنا الراهن، والأهم أن الصين أبدعت في المجال التكنولوجي وهذا أمر هام جداً لذلك فالصينيون دائماً ما يقولون ليس لدينا تجربة للتصدير وليس لدينا نموذج كما تفعل الولايات المتحدة والتي تريد تطبيع العالم على طريقتها، نحن نبحث عن شراكة مع الآخرين، تحقق مبدأ رابح رابح.
واعتبر أبو عبد اللـه أن هناك بدائل دولية تقدمها الصين والخطورة التي تنظر إليها الولايات المتحدة هي بتوفر بدائل مختلفة عما تريده، ففي الوقت الذي كان فيه الصينيون يبنون الجسور والطرق والمرافئ، كانت الولايات المتحدة تنهب الثروة السورية على سبيل المثال وتسرق القمح وتبني قاعد عسكرية، وهي لم تبن حجراً على الأقل في المناطق التي احتلتها وخلفت وراءها الدمار في كل منطقة حلت بها.
ولفت أبو عبد اللـه إلى أن الصين منذ عام 2011 انتقلت نقلة لم تكن قد أعدت لها فالمسألة السورية دفعت بالصين نحو مواقع أكثر تقدماً، فالصين استخدمت ثمانية «فيتويات» وهي سابقة لم تحصل، وهذا كان نقطة تحول لأن العالم الجديد يبدأ من سورية، مشيراً إلى أن موقف الصين تقدم مع تقدم الحرب على سورية، وإن كان هناك شيء يجب ألا نغفله والمتمثل بالدعم الصيني غير المعلن لسورية في الكثير من القضايا التكنولوجية والأمنية وأحياناً العسكرية، مبيناً أنه خلال الفترة الأخيرة تغيرت طريقة التعاطي الصيني مع سورية وساهم في ذلك عدة مؤشرات أولها أن التعاون الصيني الإسرائيلي كان كبيراً في المرحلة الماضية والصين كانت تعتقد أن ميناء حيفا في فلسطين المحتلة يمكن أن يكون جزءاً من طريق الحرير، دون أن يدرك الأصدقاء الصينيون بأن «إسرائيل» ومهما بالغت فهي صنيعة أميركية غربية لا يمكن أن تكون مع الصين بالمطلق لأن أوكسجين «إسرائيل» قائم على الدعم الأميركي فالخيط الإسرائيلي مربوط في واشنطن، ولا ننسى التوبيخ الأميركي لتل أبيب لبيعها التكنولوجيا للصين، مبيناً أنه يجب الانتباه إلى أن موقف الصين تغير جذرياً بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق لإسرائيل وقطعه للطريق نهائياً على أي تعاون بينها وبين الصين لأنها منافس جيو- سياسي لأميركا.
وأشار أبو عبد الله، إلى أن الموقف الصيني تطوّر كثيراً في معركة سيف القدس الأخيرة حيث كتبت الصحافة الإسرائيلية عن تغير الموقف الصيني الذي بدا حاسماً إلى جانب الحق الفلسطيني والصين دعت لحوار فلسطيني – إسرائيلي وهي بذلك تعطي مؤشرات بأنها تسعى لإجراء تحولات في سياستها بالمنطقة، لأنه في النهاية أي دولة ينبغي أن يكون لديها مرتكز في السياسة أي عمود فقري وهذا العمود الفقري ليس بالخليج لأنه منطقة نفوذ أميركية تاريخياً، فالعمود الفقري يمكن أن يكون في إيران وفي سورية لأن هذه الدول تجمعها مبادئ مشتركة وقرار مستقل ما يجعلها تشكل عموداً فقرياً للسياسة الصينية أو الروسية.
وأشار أبو عبد اللـه إلى أن تغير موقف الصين تجاه العلاقة مع سورية بدا مؤخراً من خلال مؤشرين المؤشر الأول عبر الرسالة التضامنية التي أرسلها الرئيس الصيني وزوجته للرئيس بشار الأسد وعقيلته عندما أصيبا بكورونا وهذا كان مؤشراً لطيفاً ومهماً جداً، والثانية بعد الانتخابات الرئاسية السورية عندما صدر مباشرة بيان الخارجية الصينية بالتأكيد على نتائج هذه الانتخابات ودور الرئيس بشار الأسد وخيارات الشعب السوري، كما أرسل الرئيس الصيني رسالة مهمة جداً للرئيس الأسد وهذه الرسالة لم تكن رسالة تهنئة بروتوكولية لأن من يقرأ النص سيعرف أن الصين قادمة وأن التعاون سينتقل من مستوى سياسي عسكري إلى مستوى اقتصادي، وأضاف: لأكن صريحاً أكثر، الصينيون هم القوة الاقتصادية الوحيدة القادرة على إعادة إعمار سورية، ونحن لنا مصلحة في ذلك، لأنهم يملكون التكنولوجيا التي نحتاجها والمال اللازم لتمويل هذه المشاريع»، وأضاف: «يبقى السؤال هنا ماذا يريد السوريون من الصين، وماذا تريد الصين من السوريين وهذا السؤال يجب أن يجيب عنه الطرفان».
وبيّن أبو عبد اللـه أنه إضافة للبعد الاقتصادي والتكنولوجي الذي نحتاجه يجب الانتباه إلى أن الصين لديها جامعات متطورة جداً ويمكن أن نستفيد من هذا الأمر في إعداد الكوادر السورية، وهذا ليس إلغاء للآخر، وقال: «الصين يهمها الموقع الإستراتيجي لسورية والاطلاع على الخبرات السورية رغم نزيف الكفاءات، كما يهمها موضوع مكافحة الإرهاب وما يخص الإيغور وأين سيتم نقلهم، فحسب ما نقرأ سيتم تنقلهم إلى أفغانستان على حدود الصين بعد تدريبهم في سورية، إذ إن منطقة الدب ستتحول إلى معسكرات تدريب لإنتاج الإرهابيين وهذا يحتاج دعماً روسياً صينياً لسورية لتحرير هذه المنطقة، التي تحولت إلى بؤرة لإنتاج إرهابيين يُصدّرون إلى كل حدود المنطقة. وبالتالي مكافحة الإرهاب في إدلب باتت مسألة خطيرة تمس الأمن القومي السوري والروسي والإيراني والصيني أيضاً».
وأكد أبو عبد اللـه أنه كبنية إستراتيجية للصين تحتاج لعمود فقري في السياسة هي موجودة في سورية وإيران وهي القوى الأساسية التي قاومت المشروع الغربي، لذلك فإن سورية تشكّل نقطة ارتكاز أساسية بالمطلق سواء في مكافحة الإرهاب أم التطرف وتقوية سورية هي تقوية لموقع الصين في المنطقة وإضعاف سورية هو مصلحة أميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن