عربي ودولي

هل الصين دولة اشتراكية أم رأسمالية؟

| بقلم السفير السوري في الصين: عمـاد مصطفى

في الذكرى المئوية لميلاد الحزب الشيوعي الصيني، لا يسع المهتم بالشؤون الدولية والعلاقات الإستراتيجية إلا ويغتنم هذه الفرصة للتأمل في الدور التاريخي لهذا الحزب، ونجاحه منقطع النظير في انتشال الصين من هوة الفقر، والضعف، والتخلف لجعلها دولة عظمى تتمتع بالثراء، والقوة، وتتبوأ مكانة سامية في مجال العلوم والتقانة الحديثة.
وبما أننا نتحدث هنا عن الحزب الشيوعي الصيني، وليس عن الدولة الصينية، أي جمهورية الصين الشعبية، سنركز حديثنا على نشأة هذا الحزب وتاريخه، وتمكنه من قيادة الصين لتحقيق تطور لا مثيل له بالمقارنة مع إخفاقات الأحزاب الشيوعية الأخرى التي حكمت لفترة زمنية طويلة الاتحاد السوفييتي ومجموعة من الدول الأوروبية المحيطة به. والأهم من ذلك، سنحاول الإجابة عن السؤال الكبير التالي: هل ما زالت الصين شيوعية؟
ومن هذا السؤال الذي يراود أذهان الكثيرين، يتفرع السؤالان التاليان: ما الفرق اليوم بين الصين والدول التي تتبع النموذج الرأسمالي والاقتصاد الحر المحكوم بقوى السوق؟ وأخيراً: ما المقصود بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الحديث؟
قد تبدو الإجابة عن هذه الأسئلة بدهية، فالحزب الشيوعي الصيني هو الحزب القائد للدولة والمجتمع وفقاً لما نصّ عليه الدستور الصيني، إلا أن الأمور لا تبدو محسومة بهذه البساطة لمن يقدر له أن يزور الصين أو يقيم فيها.
واقع الأمر هو أن من يأتي إلى الصين زائراً، يدهش لمظاهر الغنى المادي الاستهلاكي، وفخامة المباني الشاهقة العلو، واكتظاظ الطرقات بالسيارات الفاخرة، وجلها سيارات رباعية الدفع، وما إن يزور أحد مراكزها التجارية العديدة حتى يشعر بالدوار من كثرة المعروضات، ولاسيما تلك المستوردة من أشهر العلامات التجارية العالمية، وربما يشتد دواره هذا حتى يكاد يفقد وعيه عندما يصطدم بغلاء الأسعار وارتفاع تكلفة أي خدمة يرغب بالحصول عليها.
وعندما يلاحظ الزائر الأعداد الهائلة من المطاعم والمقاهي المكتظة بروادها، الأمر الذي يعكس قدراً معيناً من أسلوب حياة لا يخلو من الرفاهية، يردد في نفسه متعجباً: يا له من مجتمع استهلاكي بحق!، ويعود الزائر بذاكرته إلى الوراء: إلى حقبة السبعينيات والثمانينيات، عندما كان يتوجه إلى موسكو أو براغ أو بوخارست، ذلك أن قلة نادرة كانت تتوجه إلى بكين في تلك الأيام، ويتذكر كيف كانت مجتمعات تلك المدن مجتمعات القلة والتقشف الذي يكاد يقارب حدود الحرمان.. يستعرض الزائر كل ذلك في ذهنه، ويقارنه مع العالم الغني الملون البراق الذي يشهده في الصين اليوم، فيستنتج أن الصين لم تعد شيوعية إلا بالاسم فقط، وأن كل شيء فيها اليوم إنما هو في جوهره رأسمالي صرف يخضع لقوانين اقتصاد السوق، ويستخدم أدوات الاقتصاد الرأسمالي الحر، بنسخته الليبرالية الجديدة، لتحقيق النهضة والازدهار في الصين.
وهنا يطرح على نفسه سؤالاً يحيره: ما دام الأمر كذلك، فلمَ تواصل الصين وصف نفسها بأنها دولة اشتراكية (تسير باتجاه تحقيق المجتمع الشيوعي في المستقبل)؟ وما المعنى الحقيقي لمصطلح «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة لا بد لنا من العودة في البداية إلى جذور الحزب الشيوعي الصيني ونشأته وتاريخه والمراحل التي مر بها وصولاً إلى عقيدته الحالية وطريقته في حكم الصين وإدارتها اليوم، بهدف فهم موقع الصين السياسي والعقائدي الحالي والمسار الذي سيسلكه في المستقبلين قصير المدى وطويله.

عودة إلى البدايات

بدأت الأفكار الماركسية بالتسرب إلى الصين على أيدي بعض الطلبة الصينيين الذين كانوا يدرسون في الجامعات اليابانية، ففي 4 أيار 1919 بدأ الطلاب الصينيون بالاحتجاج على الخنوع الصيني في العهد الإمبراطوري والإقطاعي أمام معاهدة فرساي المذلة، التي سمحت باحتفاظ اليابان بمقاطعة شاندونغ الصينية (تماماً كما رسخت اتفاقية سايكس بيكو التي أدت إلى تقسيم سورية الطبيعية). وقام تشين دو شيو بالاشتراك مع لي داجاو بتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في شهر تموز عام 1921، (وكان الاثنان قد درسا في الجامعات اليابانية)، وقد أسّسا الحزب وفقاً للأفكار اللينينة التي تقوم على مبدأ تأسيس حزب طليعي، بوجود مندوبين اثنين عن الحزب الشيوعي السوفييتي، وذلك في منطقة النفوذ الفرنسي (المحمية الفرنسية) في شانغهاي، إلا أن الشرطة الفرنسية داهمت مقر الاجتماع، فهرب الأعضاء المؤسسون، واستأجروا قارباً صغيراً في البحيرة الجنوبية المطّلة على بلدة جياسينغ في مقاطعة جيجيانغ، ومن على متن ذلك القارب جرى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني وانتخاب تشين أميناً عاماً له (وقد أصبح يعرف في الأدبيات باسم لينين الصيني).

كان مؤسس جمهورية الصين صُن يات صُن (واسمه الصحيح سون جونغ شان) يقود الصين عبر الحزب الوطني (الكومنتانغ) وقد أيد الحزب الشيوعي الصيني الكومنتانغ، واعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية الصينية، لاسيما أن صُن يات صُن نفسه كان يتبنى الأفكار الاشتراكية في الاقتصاد والمجتمع. وعندما توفي عام 1925، خلفه في زعامة الكومنتانغ تشانغ كاي شيك (واسمه الصحيح جيانغ جونغ جانغ)، ذو الميول اليمينية المتشددة، فبدأ حملة تطهير ضمن الكومنتانغ ضد اليساريين والشيوعيين، أدت إلى حدوث صراع عظيم بين الطرفين، وآلت في نهاية المطاف إلى حرب أهلية تمخضت عن انتصار نهائي للحزب الشيوعي الصيني وتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

طبعاً، لم يمنع الصراع المرير بين الشيوعيين والوطنيين أن يتناسوا خلافاتهم عندما جاءهم الغزو الياباني الأجنبي، فتوحدت قواهم في الصراع ضد الاحتلال الياباني، إلا أنهم سرعان ما عادوا إلى الاقتتال بعد زوال الخطر الأجنبي. وهذا ما لم يتمثله الكثير من السوريين، للأسف الشديد، ففضلوا الوقوف مع المطامع التركية والأميركية والفرنسية والبريطانية، بل حتى الإسرائيلية، إيماناً منهم بأن هذه الدول ستخدمهم في خلافاتهم السياسية مع الدولة السورية، من دون أي اعتبار للمخاطر الكبرى التي ستحيق بالوطن السوري نتيجة تحالفهم مع القوى الاستعمارية الكبرى ذات النيات والمطامع المعروفة تجاه سورية وشعبها ومصالحها.

في عام 1927 قام ماو تزي دونغ بالاشتراك مع جو دِه بتأسيس الجيش الأحمر وقوامه من الفلاحين الفقراء (ويعد ذلك الخروج الأول عن الأفكار التقليدية للماركسية اللينينة)، إلا أن الهزائم المتتالية التي مُني بها الحزب الشيوعي الصيني أدت إلى طرد زعيمه تشين دو شيو، وحل محله أي لي سان، الذي اتسمت قيادته بالضعف والتردد، ودامت منذ عام 1929 حتى عام 1930، وبعد ذلك أصبح ماو الزعيم الفعلي للحزب، وكان جو أن لاي وجانغ وين تيان بمنزلة نائبين له، أما في عام 1945 فقد أصبح ماو الزعيم الرسمي للحزب الشيوعي الصيني.

ومع أن ماو قد اعتمد على الفلاحين المعدمين لتحقيق النصر لثورة الحزب الشيوعي الصيني، إلا أنه ظل طوال فترة زعامته للصين يبذل جهوداً كبرى لتحويل الصين إلى مجتمع صناعي. وإذا أخذنا بالاعتبار أن الصين كانت بلداً متخلفاً وفقيراً، وأن ماو كان طهرانياً متشدداً في إيمانه بالمبادئ الاشتراكية وأولوية النقاء العقائدي، يمكننا القول إن ماو قد نجح نجاحاً عظيماً في ترسيخ الفكر الاشتراكي في الصين ترسيخاً مستداماً، إلا أنه لم يحقق النجاح نفسه على الصعيدين الاقتصادي والصناعي. إلا أن النظرة التاريخية المنصفة تقول إن ماو قد أعاد صهر المجتمع الصيني بطريقة تسمح لمن أتى بعده لكي يقود الصين في انطلاقتها الكبرى إلى الأمام.

عهد الانفتاح والإصلاح

بعد وفاة ماو عام 1976، تولى خوا غوو فنغ زعامة الحزب الشيوعي لفترة انتقالية، ثم أصبح دينغ سياو بينغ الزعيم الجديد للحزب في عام 1987.

تقوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية على مجموعة من المرتكزات العقائدية التي تشمل: نظرية دينغ سياو بينغ، والحالات التمثيلية الثلاث لجيانغ زيمينغ، والنظرية العلمية في التنمية لخو جينتاو، وأفكار شي جينبينغ عن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد.

بدأ التداول بهذا المصطلح بقوة في الصين في عهد دينغ سياو بينغ الذي نادى بأن تعتمد الصين قوانين اقتصاد السوق لتمكينها من اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية اللازمة لعملية التنمية، ولتمكين الإنتاج الصناعي في الصين من أن يصبح أكثر كفاءة وقدرة على التنافسية، وذلك في الوقت نفسه الذي يحافظ فيه الحزب الشيوعي الصيني على تمسكه بتطبيق الاشتراكية التي ستؤول بالمجتمع في نهاية المطاف إلى الشيوعية. وتنص هذه النظرية على أن الصين كانت في حالة من الفقر والتخلف لا تسمح لها بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المرجوة، والتي ستسمح بالسير قدماً في مسار التكافؤ التام في الفرص والمستوى المعيشي في مجتمع شيوعي مثالي، وأن من الخطأ الاعتقاد بأن بوسع الصين أن تحقق الاشتراكية مع تجاوز المرحلة الرأسمالية التي يجب أن تسبقها بالضرورة.

وفي عام 1977 أعلن دينع سياو بينغ عن إطلاق حملة سماها عمليات التحديث الأربع: تحديث القطاع الصناعي، وتحديث القطاع الزراعي، وتحديث القطاع العسكري، وتحديث منظومة العلوم والتكنولوجيا، وقد أصبحت عمليات التحديث تلك المكونات الأساسية لسياسة الإصلاح والانفتاح في الصين.

ولتحقيق هذا الهدف أعلن الحزب الشيوعي الصيني أنه سيعتمد في المرحلة الانتقالية القادمة خطة تؤدي إلى تعبئة وتمكين القوى المنتجة في المجتمع، وفي المرحلة الأولى سيتم تأسيس شركات تعمل وفق قوانين السوق الرأسمالية الحرة، ولكن ملكيتها تعود للدولة. وبناء على ذلك أقر مبدأ عنوانه «مبدأ مركزي واحد، ومرتكزان أساسيان»، فالمبدأ المركزي للدولة الصينية هو التنمية الاقتصادية، ويجري هذا بتزامن مرتكزين أساسيين هما: الإبقاء على سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على الدولة والمجتمع، وتحقيق الإصلاح والانفتاح.

ولم يترك الحزب المرتكز الأساسي الأول من دون تعريف واضح، فقد أطلق المبادئ الكبرى الأربعة التي تؤطر ذلك المرتكز، وهي: مبدأ التمسك بالمسار الاشتراكي، ومبدأ التمسك بالديمقراطية الشعبية، ومبدأ التمسك بقيادة الحزب الشيوعي الصيني للدولة والمجتمع، ومبدأ التمسك بفكر ماو وماركس ولينين.

وفي عام 1997 أطلق الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني جيانغ زيمين سياسات مفادها أن المهمة الرئيسة للاشتراكية في الوقت الراهن تتمثل بتطوير القوى المنتجة لتلبية الحاجات المادية والثقافية المتزايدة للشعب الصيني، وإخراج الصناعات الإنتاجية من حالة التخلف التي كانت تعاني منها. وأكد جيانغ زيمين أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية كانت تعني تحرير وتحديث القوى التي تؤثر في اقتصاد السوق. وعلى نسق مواز، حرص جيانغ زيمين على الدفع باتجاه إدارة الدولة وفقاً للقوانين والمؤسسات، وتطوير الديمقراطية الاشتراكية في صفوف الحزب الشيوعي، وتمكين الشعب الصيني ليصبح «سيد مصيره».

وفي عام 2002 أعلن جيانغ زيمين أن الحزب الشيوعي الصيني يجب أن يمثل ثلاث حالات بصورة دائمة: أن يمثل كل المتطلبات اللازمة لتطوير القوى المنتجة في الصين، وأن يمثل التوجهات الثقافية والفكرية المتطورة للصين، وأن يمثل دائماً مصالح الأغلبية الساحقة للشعب الصيني.

وفي عام 2007، أعلن الزعيم الصيني خو جينتاو أحد المبادئ الناظمة للتنمية في الصين التي أطلق عليها اسم النظرية العلمية في التنمية، وهي تشمل مبادئ الاشتراكية العلمية الكلاسيكية، بالإضافة إلى الأفكار الجديدة في التنمية المستدامة، والرفاه الاجتماعي، وتطوير مجتمعات تضع الإنسان في بؤرة اهتماماتها، وتحقيق المزيد من الديمقراطية داخل الحزب والدولة، وأن تتضافر كل تلك العوامل لتحقيق مجتمع اشتراكي يتسم بالانسجام الداخلي والازدهار.

إن جميع الطروحات الفكرية والعقائدية التي ذكرت أعلاه تؤكد حقيقة واضحة وهي التمسك العميق والثابت للحزب الشيوعي الصيني بمبادئه الأساسية، والعمل بشكل علمي، ونقدي، وتجريبي، على تطويرها باستمرار بما يحقق تطور الصين، وغناها، وقوتها، ويضمن رفاهية شعبها، والتحسين المستمر لجودة حياة مواطنيها، وبالتالي جاء تبني الحزب بصورة رسمية أفكار الزعيم الحالي شي جينبينغ التي تحمل عنوان «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد» بمنزلة استمرار طبيعي لتلك الحقيقة الثابتة.

يؤكد شي جينبينغ إيمانه العميق والكامل بالماركسية اللينينية وأفكار ماو التي انتشلت الصين من ظلام التخلف والضعف والفقر، وأدت إلى بزوغ فجر الصين الحديثة. كما يؤكد أن تمتين دعائم المجتمع الاشتراكي المستقبلي سيتطلب فترة طويلة زمنياً، إلا أن قدر الاشتراكية هو الانتصار النهائي، وأن الرأسمالية ماضية إلى زوال حتمي.

يبدي شي جينبينغ اهتماماً كبيراً بدراسة أسباب إخفاق الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، وكيفية تجنب تلك الأخطاء في الصين، ويرى أن الاتحاد السوفييتي قد أغرق في تمسكه بعقيدة جامدة لم يحاول تطويرها، وأن الحزب قد ترهل وفَقدَ حيويته على جميع المستويات العليا والدنيا، وأن الجيش السوفييتي فَقدَ توجهاته العقائدية، وفي نهاية المطاف تبعثر الحزب الشيوعي السوفييتي، وتفككت أوصال الاتحاد السوفييتي وهو الدولة الاشتراكية العظمى. وتلك أمثولة من التاريخ فيها عبر كثيرة للصين.

يعتبر شي جينبينغ أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الحديث تقوم على الاستمرار في نهج أسلافه من زعماء الحزب، مع التركيز على استمرار وتعميق عملية الإصلاح الشاملة ولاسيما في القطاعات الاقتصادية والإدارية، واعتماد الأفكار العلمية لتحقيق الابتكارات التكنولوجية، مع الحفاظ على بيئة خضراء مستدامة، وأفق مفتوح ومتاح للجميع للتنمية، والتشديد على القيم الأخلاقية والمناقبية الاجتماعية ارتكازاً على مفاهيم الماركسية والشيوعية والاشتراكية ذات الخصائص الصينية، والتعايش الآمن مع الطبيعة عبر اعتماد مفاهيم الطاقات المتجددة والحفاظ على البيئة والإسهام في الأمن المناخي العالمي، وتعزيز الأمن الوطني الصيني، ورسم مصير مشترك بين الشعب الصيني وسائر شعوب العالم في بيئة عالمية خالية من الحروب، وتعزيز الانضباط الحزبي في صفوف أعضاء الحزب الشيوعي الصيني.

ما بين اشتراكية الصين ورأسمالية الغرب

خلاصة الأمر هي أن تبني الصين اقتصاد السوق الحر لا يعني بالضرورة تخليها عن الاشتراكية التي ستؤول بها في نهاية المطاف إلى بناء المجتمع الشيوعي، بل هي نتيجة توصلها بالتجربة العلمية إلى أن اقتصاد السوق الحر سيسمح لها ببناء الثروة الوطنية، وتطوير صناعاتها في بيئة تنافسية عالمية، واجتذاب رؤوس الأموال والخبرات والمهارات من خارج الصين. وفيما تواصل الصين تحرير قطاعاتها الاقتصادية والمالية والمصرفية، سيكون من السذاجة أن يعتقد المرء أن الصين لم تعد تختلف في شيء عن الدول الرأسمالية التي تتبع النموذج الليبرالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. فلا تزال هناك اختلافات إستراتيجية وجذرية بين منهج القيادة الصينية في الحكم والمنظومة الرأسمالية الغربية.

ورغم كل مظاهر الاقتصاد الرأسمالي الحر، لا تزال الدولة الصينية تلعب الدور الأهم والأبرز على الساحة الاقتصادية عبر ملكيتها الشركات الكبرى الفاعلة في الاقتصاد الصيني، وملكيتها كبرى وسائل الإنتاج، والثروات الطبيعية للصين. صحيح أنها تسمح بإدارة تلك الشركات بوسائل وأدوات الاقتصاد الحر، إلا أن عوائد وأرباح تلك الشركات تعود إلى الخزينة العامة للدولة، وليس إلى جيوب حفنة من كبار الرأسماليين العالميين.

وفي الولايات المتحدة والدول الغربية المتطورة، يمكن لنخبة صغيرة من كبار الرأسماليين أن تحقق ثروات خيالية، وأن تستخدم هذه الثروات لتمكين نفسها من السيطرة السياسية والتشريعية والإعلامية على كل مجريات الأمور في تلك البلدان، وفيما لا يمانع الحزب الشيوعي الصيني اليوم في نشوء طبقة من كبار الأغنياء في الصين، فإنه لا يسمح إطلاقاً لتلك الطبقة بأن تستخدم ثرواتها لإحكام سيطرتها على مقدرات البلاد، وأن تسخر سياسات الصين وطريقة حكمها لخدمة مصالحها الخاصة بها، وزيادة نفوذها وثروتها.

أما قيادة الصين، فتضع نصب عينيها أولاً وقبل كل شيء مصالح الطبقات الفقيرة والشرائح الدنيا من الطبقات متوسطة الدخل، ولاسيما في المناطق النائية، والأقاليم الأقل تطوراً، وهي تعمل بصورة متواصلة على تحسين ظروف حياتهم، ورفع مستوى الرعاية الاجتماعية والصحية لهم، وتحسين ظروف سكنهم وعملهم، ويكفي الصين فخراً أنها قد قضت على الفقر المدقع قضاءً تاماً ناجزاً. وبالمقابل، لا تزال الطبقات الفقيرة في الدول الرأسمالية المتقدمة تزداد فقراً، وبؤساً، ويأساً من أي تحسن ملموس في ظروف حياتهم وواقعهم المرير. وكما قال الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغلتز الحائز جائزة نوبل، فإن الولايات المتحدة تحكم من قبل واحد بالمئة من سكانها، بواسطة ساسة ينتمون إلى طبقة الواحد بالمئة تلك، ويكون جل سياساتهم في خدمة مصالح طبقة الواحد بالمئة التي ينتمون إليها.

وفيما تتشدق الدول الغربية بالحديث عن نظمها الديمقراطية وتمجيدها قيم حقوق الإنسان، فإن تلك الدول عينها لا تعترف لطبقاتها الفقيرة والمحرومة بحق التعليم والصحة، وما جائحة كورونا إلا خير دليل على طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع فقرائها والتي تتناقض بصورة صارخة مع طريقة تعاطي الصين مع جميع فئات شعبها. تؤمن الصين بأن مقاربة حقوق الإنسان يجب أن تكون بصورة شمولية ومتكاملة، وهي لا تسمح لشرطتها بأن تمارس القتل شبه اليومي للصينيين من ذوي البشرة الداكنة، كما أنها لا ترسل جيوشها لتدمر دولاً مثل العراق وليبيا، أو لتسرق مقدرات شعوب كما يحدث اليوم في سورية، أو لتفرض العقوبات غير الإنسانية على شعوب مسالمة كما هي الحال في اليمن أو فنزويلا أو كوبا، فالصين لم تؤسس دولتها عبر الإبادة الجماعية والمذابح الكبرى بحق المواطنين الأصليين، وهي لم تخطف أناساً أحراراً من قارات أخرى لتجلبهم عنوة مقيدين بالسلاسل والأغلال ليصبحوا عبيداً لديها يباعون ويشترون في أسواق النخاسة، وهي لم تنصّب نفسها شرطياً على الكرة الأرضية، وواعظاً أخلاقياً يملي على الدول الأخرى ما يجوز وما لا يجوز لها.

ولعل أهم ما يميز الصين التي تعتمد على اقتصاد السوق الحر عن الدول الغربية الرأسمالية له علاقة بموضوع صناعة الأسلحة، ففي الغرب الرأسمالي، تتمتع كبرى شركات صناعة الأسلحة بموارد مالية هائلة تمكنها من تشكيل الرأي العام بقوة الدعاية والإعلام، والتأثير في صانعي القرار السياسي عبر تمويل حملاتهم الانتخابية لتضمن لنفسها سلسلة لا تنقطع من الأزمات العالمية والحروب بين الدول، فتجد سوقاً دائمة لأسلحتها وطلباً لا يتوقف لاقتناء المزيد والمزيد من آلات الدمار والفتك، بما يحقق لها اكتناز ثروات أكبر وأكبر، تترجمها إلى المزيد من النفوذ السياسي والإعلامي والتشريعي الذي يضمن استمرار تزويد آلة الحرب الجهنمية بوقود لا ينضب. وهذه الحقيقة البسيطة هي التي تفسر انخراط الولايات المتحدة في ما يقارب مئتي حرب مختلفة خلال مئتين وثلاثين عاماً من تاريخها. وبالمقابل لا وجود في الصين حتى لأثر بسيط من النفوذ لكبريات شركات التكنولوجيا وصناعة الأسلحة على اتخاذ أي قرار يتعلق بالأمن والسلام الوطنيين أو على السياسة الخارجية، فهذه القرارات منوطة حصراً بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، الذي يضع نصب عينيه هدفاً لا يحيد عنه وهو تحقيق الرفاه والازدهار لشعبه، وتمكينه من العيش في مصير مشترك مع سائر شعوب العالم، فهو يدرك أنه حينما تنخرط الولايات المتحدة في حرب ما، فإن جنودها من الأسر الفقيرة والمهاجرين هم الذين يحترقون في أتونها، فيما تجني كبرى شركات صناعة الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية ثمارها.

لاشك في أن الصين قد حققت الكثير في ظل قيادة الحزب الشيوعي الصيني، ولكنها تدرك أن عليها مواصلة العمل الدؤوب للانتقال كلياً من المرحلة الرأسمالية الوسيطة إلى المرحلة الاشتراكية النهائية، وإلى أن يتحقق هذا يواصل الحزب الشيوعي الصيني قيادة الدولة باتجاه تحقيق المزيد من الرفاهية لشعبه، في بيئة صحية مستدامة، واقتصاد حديث يقوم على أسس الإبداع العلمي والتكنولوجي، فالصين عاقدة العزم على الانتقال من مرحلة «صنع في الصين» التي أصبحت خلالها أكبر دولة صناعية في العالم، إلى مرحلة «أُبدع في الصين» التي تعتمد بالدرجة الأولى على الإبداع والاختراع وتطوير التقانات الجديدة في شتى فروع العلوم، ولاسيما التقانات الحيوية، والذكاء الصنعي، وأنصاف النواقل. وبموازاة مسيرة تحقيق هذه الأهداف، لا ينفك الحزب الشيوعي الصيني، بقياداته وكوادره، عن ترديد الشعار التالي: «لا تنسَ أين كان قلبك في البدايات، وحافظ بثبات على مهمتك الأولى».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن