قضايا وآراء

الناموسة والناموس!

| عصام داري

أنا جبل متحرك من الطعام بالنسبة للناموسة، أي البعوضة، وفي الوقت نفسه أنا قزم يحبو على الأرض بالنسبة للزرافة أو للفيل الإفريقي. هذه نظريتي الخاصة للنسبية، والسيد البيرت ألبرت أينشتاين ليس أذكى ولا أشطر مني!
وعلى فكرة فإن الناموسة، أو البعوضة، تعتبر من أذكى الحشرات على وجه الأرض، وتمتلك عدة أجهزة تشبه تلك الموجودة في المستشفيات، إذ عندها جهاز تخدير متطور تستخدمه عندما تريد لسع أو عقص أو مص دمائنا بحيث لا نشعر بمص دمنا إلا بعد أن تكون قد غادرت وتوارت عن أنظارنا!
كما تمتلك جهازاً لتمييع الدم حتى يمكنها «شفطه!» كي لا يتخثر، فما رأيكم بهذه التقنيات الطبية الهائلة؟
وقبل أن أنسى فإن الناموسة الأنثى فقط هي التي تمص دماءنا لأنها المادة الرئيسة لإنتاج بيض الناموس، أما الذكر فيتغذى على عصائر النباتات ورحيق الأزاهير، وصحتين وعافية!.
في عالمنا- وفي سورية تحديداً- يوجد أشخاص من بني البشر يشبهون الناموسة، فهم «يبيضون» علينا وطنيات، ويخدرونا ويمصون دمنا بهدوء، بل في وضح النهار، وأعني معظم التجار والمحتكرين والمتاجرين بلقمة المواطن وكل الفاسدين، وجميع من يغطي على هؤلاء وأولئك!
في مجتمعنا السوري، وفي كلام العامة يقولون عن أمثال هؤلاء إنهم (بلا ناموس)، أي بلا ضمير ولا أخلاق ولا إنسانية، وأضيفوا إلى ما سبق كل ما تودون إضافته من صفات هي الأسوأ بين بني البشر، ليس في سورية وحسب، بل في دول الجوار وفي الوطن العربي، وجنوب شرق آسيا، والأميركيتين وأوروبا وفي مجرة درب التبانة والمجرات القريبة منها، وفي كل الكون والله أعلم!
هل عرفتم السبب الذي ربط الناموسة وكل ناموسة بشرية بالناموس بمعناها الأخلاقي، أي انعدام الضمير، فتصوروا أن مقام الرئاسة منح الموظفين زيادة رواتب ما بين 40 و50 بالمئة، لكن هذه الزيادة ابتلعتها عن طريق التخدير والمص هذه الشريحة التي أتحدث منها، أي الناموسة البشرية المقززة!. بل إن عملية مص الزيادة بدأت قبل صدور مرسوم زيادة الرواتب والأجور، فما هذا الفجور؟
نعرف أن الزيادة ليست بمستوى طمع وجشع تلك الفئة التي تكدس الذهب والفضة في مصارف الغرب وجزر كايمان، وأن الأوضاع الضاغطة والحصار والعقوبات تحول دون زيادة مجزية مع السيطرة على الأسعار، لكن الموظف المعتر يقتنع بالقليل شريطة وضع حد لانفلات الناموسة البشرية وردعها كي لا ينتفخ كرشها أكثر من ذلك خشية أن ينفجر وتتحول أجزاؤه إلى قذارة فتتسخ شوارعنا، ونفقد كرشاً من كروش الوطن الحبيب، فنحن حريصون على كل الكروش و«القروش» التي تفتك بسمك هذا الوطن.
المهم ليس كيف نكافح الناموسة بشقيها الحيواني والبشري، بل كيف نعيد «الناموس» إلى نفوس مريضة همها الأول والأخير أن تمتص دمنا وتوله إلى ذهب وفضة و.. بنكنوت!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن