اقتصاد

ورحل «دي بونو» صاحب نظرية القبعات السِت!

| د. سعـد بساطة

منذ شهرين (تحديداً يوم 9 حزيران الماضي).. غادرنا عالم النفس والفيلسوف الشهير «إدوارد دي بونو».. أحد مؤسسي صناعة الفكر في العالم المعاصر.
لم يعـد هنالك مجال للشك بأن العـمل الجماعي في المؤسسات هو ضرورة في عـالمنا الحاضر؛ ولم يعـد لشخصية «السوبرمان» وجود إلا في أفلام الخيال العـلمي!
كلنا يعـلم أن وضع الشخص المناسب – لمؤهلاته ورغـباته – في العـمل الذي يتوافق معـه يجعـله يبدع؛ والعـكس صحيح؛ ففرض موقع بعـيد عـن شخصيته يجعـله يفشل؛ لنتصور أن شخصاً ما (أ) يحب الاحتكاك مع الناس والحديث إليهم ذو موهبة في الإقناع مفرز لقسم الدراسات في شركة ما؛ وأن زميلاً له (ب) خجولاً ومنطوياً موضوع في قسم تلقي شكاوى الزبائن؛ بهذا الفرز الخاطئ نكون قد حوّلنا جو العـمل إلى جحيم؛ بالنسبة لكل من (أ) و(ب)؛ وفشـّلنا قسم الدراسات وقسم شكاوى الزبائن؛ ما ينعـكس عـلى سمعـة الشركة وإنتاجيتها؟!
ولكن السؤال هنا: كيف نضع الشخص في مكانه المناسب؟ ببساطة نخضعـه لمقابلة دقيقة وفحوص استقرائية؛ نحدد لون قبعـته (مزايا شخصيته).
وهذا ما عـرضه دي بونو ضمن نظريته ((قبعـات التفكير ذات الألوان الستة)) عـام 1992؛ فوصف شخصية الموظف من خلال لون القبعـة – الوهمية- التي يرتديها؛ وأضحى للتقييم أهمية كبرى لرفع إنتاجية الأقسام المختلفة مؤسساتياً.
للفكر صناعة قائمة على علمٍ له أصوله وضوابطه ومحرماته.. علم لا يجترئ عليه إلا مدعٍ.. ولا يستخف بضرورته إلا جاهل.
سطّر دي بونو ما يقارب مئة كتاب تلح على ضرورة التعلم والتفكير والإبداع ضمن إطار فريق العمـل؛ كي يُبنَى القرار على بينة صحيحة وثابتة قبل اتخاذه، فالتفكير قبل كل شيء هو في الأصل فريضة تتوجب على كل إنسان قدر وسعه.
كتب الرجل في «التفكير الإبداعي» الذي يهدف لتنقية عملية التفكير ذاتها من التشوش والتداخل بين المنطق والعاطفة.. فيما عُرِف بنظرية «القبعات الست».
وعليه فقد تحدثنا في غير موضع عن احتياجنا لعقل جديد ولعقد جديد.. ليس إقلالاً من جهد مجتهد أو طعناً في إخلاص ظاهر نيات أحد.. ولكن لبداهة أن الاجتهاد وحده ليس عاصماً من الخطأ.. وأن ما فَسَد به شأن الأمس لن يُصلَح به شأن اليوم أو الغد.
والأهم لأن التعامل مع تحدياتنا المصيرية بعقل المأزوم، بالتكَيُف مع المُتاح مهما نَدُر والتَقَزُم حيال الأسقف مهما تَدَنَّت، والانكفاء أمام الحدود مهما تَقَلَّصَت.. لن ينهى أزمة أو يستشرف مساراً نحو مستقبل أو ينتصر على تَحَدٍّ قائم.
كيف لنا به.. وقد تَدَرَّكنا من دركِ تأثيم الصدح بالقلق.. إلى تأثيم حق الصمت ذاته..!!
كيف لنا به.. وجل الجهد كأنه قد انصرف ليس فقط إلى محاصرة الوعي الجمعي وتشتيته والتدليس عليه.. وليس فقط إلى إقصاء دوره وأثره.. بل إلى إخصاء العقل الجمعي بالأساس.. ونزع قدرته على الحياة والفعل والجدوى..!
بالختام؛ لن يكون لنا هذا العقل الجديد إلا بنخبة مستقبل، وإن تغضب من تدني الحاضر، لا تُسجَن في غضبها.. وإن تشعر بالعجز واليأس حيناً، لكنها توقن أن العجز واليأس ليسا قدراً.. تعرف أن إزاحة تدني الواقع وعواره ضرورة، ولكن تعرف أكثر أن بناء ما بعد الإزاحة هو طريق المستقبل الأولي بالاستشراف وبالعمل عليه.
عودة إلى «دي بونو».. الذي كَرَّسَ عُمره البحثي والمهني لكي يصل بقضية الحوار إلى جدوى مبنية على فكر متزن غير مشوش.. «دي بونو» الذي وإن كان له سبق واحد في العلم فيكون في تأصيل أن الحوار الجمعي هو مؤسسة قائمة على العلم وليس تزاحمَ مشاعر ومفردات قبل أن يستحيل تراشقاً بهما..
ولنجرب في ذلك قبعات الرجل الست.. بل لنجرب قبلها العلم في المطلق.. أظنه سيفلح..!

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن