قضايا وآراء

في الذكرى المئوية لمذبحة تولسا

| بقلم: الدكتور عماد مصطفی - سفير سورية لدى الصين

سيكون من الصعوبة عليّ بمكان أن أرى عام 2021 يمر دون أن أسهم بتعريف أكبر قدر ممكن من القراء العرب على مذبحة تولسا البشعة التي مر مئة عام على ارتكابها.
ولا يمكنني فصل ما حدث في تولسا منذ مئة عام عما يجري في الصين اليوم الأسباب سأبدأ بشرحها قبل أن أتطرق إلى أحداث تلك المجزرة الرهيبة.
فمنذ بدء عملي في الصين، كنت أرصد باهتمام بالغ سياسات الحكومة الصينية في مكافحة الفقر المدقع، والتي تكللت بالنجاح عام 2021.
وفيما كان العالم يرصد بغبطة أو بحسد، كل حسب ميوله السياسية وانتمائه الإيديولوجي، تقدم الصين الاقتصادي المذهل، وتقدمها العلمي والتكنولوجي المثير للإعجاب، كنت أرى أن الإنجاز الأكثر أهمية والذي نجحت الصين في تحقيقه هو أنها قد محت الفقر المدقع محواً تاماً في جميع أرجاء الصين الشاسعة، ولا سيما في الأقاليم الزراعية النائية، وعندما كنت في الولايات المتحدة، زرت جمیع حواضرها الكبرى، من نيويورك وبوسطن وشيكاغو إلى ميامي ولوس أنجلوس وهيوستن، وحيثما توجهت كنت لا أكتفي بزيارة مراكزها التجارية العملاقة، وعماراتها شاهقة الارتفاع، ودور أثريائها الفاخرة، بل أحرص كل الحرص على زيارة أحياء المهاجرين الفقراء في وسط وأطراف تلك المدن الكبرى، فتكون صدمتي في كل زيارة جديدة أشد وأقسى من صدماتي السابقة لمظاهر الفقر والبؤس والتخلف، وما ينجم عن ذلك من آفات اجتماعية كالجريمة والمخدرات، وعلة ذلك أن سكان تلك الأحياء كانوا يتردون أكثر فأكثر في مهاوي الفقر واليأس، وسط لا مبالاة مطلقة من الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات، فالنظام الرأسمالي الأميركي موجه لخدمة الأغنياء والأقوياء، وهو مصمم بطريقة تساعد في تراكم ثروات الأغنياء، فيزدادون غنى على غنى، بينما تشتد فاقة الفقراء، فلا يجدون مفراً من أسر الفقر والجهل والمرض الذي يتمرغون في أوحاله.
ومن نافلة القول أن نذكر بأن أغلبية سكان تلك الأحياء البائسة هم من الأميركيين الإفريقيي الأصل من ذوي البشرة السوداء، أما أغلبية سكان الأحياء المترفة فهم من الأميركيين الأوروبيي الأصل من ذوي البشرة البيضاء.
وعندما كنت أضع هذه الحقائق أمام كبار المدافعين عن المنظومة الأميركية الرأسمالية، كان الجواب يأتيني جاهزاً وسريعاً: نحن نؤمن بالاقتصاد الحر، ولكل نصيبه في الحياة حسب اجتهاده وانتهازه للفرص، فما ذنب البيض إذا كانوا ناجحين ومجتهدين، وما عذر السود ليكونوا فاشلين وكسولين؟

الحقائق المغيّبة

عندما يطرح الرأسمالي الأميركي تلك الحجج، يتجاهل الجذور التاريخية لمسألة فقر السود وثراء البيض، فالمستوطنون الكولونياليون البيض اغتصبوا عنوة أراضي السكان الأصليين للقارة الأميركية، وارتكبوا بحقهم كبرى المجازر التاريخية التي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً، وعندما وجدوا أنه أصبحت بحوزتهم أراض شاسعة لا يقدرون على فلاحتها واستثمارها، أرسلوا مرتزقتهم المسلحين إلى إفريقيا، لتخطف مواطنيها المسالمين، وتجلبهم مكبلين بالأغلال إلى أميركا، فتجبرهم على العمل لديها عبيداً دون أجر لمئة عام تقريباً، وكانت مدينة مانشستر البريطانية مركز التوزيع والترانزيت الرئيسي لخطف المواطنين الإفريقيين وبيعهم عبيداً إلى الولايات المتحدة.

وعندما أسفرت الحرب الأهلية عن تحرير العبيد الإفريقيين بقوة القانون، وجد أولئك العبيد المحررون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت جوعاً، أو العمل لدى أسيادهم السابقين دون أجر أيضاً، مقابل الطعام القليل الذي لا يكاد يكفي لسد رمقهم، ومدهم بالقوة اللازمة للعمل لدى أسيادهم السابقين، فأصبحوا أحراراً بالاسم فقط فيما ظلوا يعانون من الاستعباد والظلم والعنف والقتل في واقع الأمر.

ورغم ذلك الإجحاف التاريخي والقهر منقطع النظير الذي تعرضت له مجتمعات الأميركيين من أصول إفريقية عبر الولايات المتحدة الأميركية، شمالها وجنوبها، تمكنت تلك المجتمعات رويداً رويداً من تحسين أوضاعها بالعمل الدؤوب، والصبر والتصميم على تحسين حياتها وحياة الأجيال اللاحقة من الأميركيين الأفارقة.

وذلك جنباً إلى جنب مع معركتهم المستمرة لتحقيق كرامتهم الإنسانية، وتحقيق المساواة لهم أمام القانون والمجتمع، والقضاء على التمييز العنصري البغيض الذي مورس بحقهم منذ قيام الولايات المتحدة الأميركية، بلد «الأحرار والشجعان» وهذا ما يزعمه النشيد الوطني الأميركي.

إلا أن العقلية المتعالية والعنصرية للأحرار والشجعان البيض في الولايات المتحدة، لم تكن تستوعب أو تتقبل بأن أولئك السود يمكن أن يطوروا حياتهم وحظوظهم في الحياة فيصبحوا مساوين لأسيادهم السابقين.

فانتشرت ظاهرة مهاجمة السود وتعليق مشانقهم في المدن الأميركية، وكثرت المجازر الجماعية التي مورست بحق السود في أرجاء الولايات المتحدة، والتي طالما تمخضت عن حرق أحيائهم ومنازلهم، وتدمير متاجرهم ومؤسساتهم التجارية، بهدف إبقائهم في حالة الفقر والتخلف، وعدم السماح لهم بالتقدم الاجتماعي والاقتصادي، ولا سيما أن الجامعات الأميركية كانت تمتنع عن قبول السود للدراسة فيها، ما اضطر السود إلى فتح جامعتهم الخاصة بهم، جامعة هاوارد.

ونتيجة ذلك كانت أنه طوال قرنين من الزمن، كلما تمكنت المجتمعات الأميركية الإفريقية من تحقيق تقدم ما، تتعرض لغزوة من جحافل البيض الأحرار والشجعان، فتعمل فيهم قتلاً وشنقاً، وفي ممتلكاتهم نهباً وحرقاً، فتعيدهم إلى حالة أسوأ بكثير مما كانوا عليه قبل عشرات السنين. ولعبت منظمة الكلو كلوكس كلان دوراً كبيراً في نشر العنف المنظم ضد السود، وتعميم أفكار التفوق العرقي للبيض على السود.

ما الذي حدث في تولسا في ولاية أوكلاهوما؟

قبل أن نبدأ برواية ما حصل في تولسا، ولكي لا يعتقد القارئ بأن تلك المجزرة كانت تشكل حادثاً منعزلاً لا سابقة له، نذكر أن المجتمعات السوداء كانت تعاني من الهجمات العنصرية بمعدل عشرين مذبحة أو هجمة كبيرة كل عام، كما أن عام 1919 شهد تصاعداً في معدل تلك المذابح ليصل إلى 24 هجمة كبرى في 21 مدينة أميركية مختلفة شملت واشنطن وأوماها ونبراسكا وتينيسي، إلا أن أسوأها حدثت في شيكاغو في 27 تموز من عام 1919 حيث قتل أربعة وعشرون أميركيا أسود، وجرح ما يزيد على 500 أسود آخر، وأحرقت أحياء سوداء بأكملها، وفي مدينة إيلين بولاية أركنساس في 30 أيلول 1919 حيث تعرض 200 أميركي أسود للقتل على أيدي جنود الولاية.

ولنعد الآن إلى قصة تولسا، مع حلول عام 1919، كانت مدينة تولسا في ولاية أوكلاهوما، منقسمة إلى قسمين، وكان ثلثا سكانها من البيض يسكنون في أحيائهم الخاصة بهم، وثلثهم من السود يسكنون في حي منفصل اسمه حي غرينوود.

وكان سكان تولسا من السود مجتهدین ومثابرین، فحققوا مع الزمن تطوراً اقتصادياً فاق نظيره في القسم الأبيض من المدينة.

وسرعان ما ذاع صيت حي غرينوود الأسود عبر الولايات المتحدة، فصار مضرب الأمثال في قدرة السود على النجاح في عالم المال والأعمال، حتى إن الشارع التجاري الرئيسي في غرينوود صار يلقب باسم وول ستريت الأسود، على غرار شارع وول ستريت في نيويورك.

ضم حي غرينوود في تولسا مسرحاً، ومقراً لجريدتين يوميتين، ومصارف يمتلكها السود، ومكاتب محامين، وعيادات أطباء وأطباء أسنان، ومطاعم، وحدائق، ومستوصفاً كبيراً، ومدارس وكنائس، ومئات المنازل الجميلة، كما تبين الصورة التالية والتي أخذت قبل وقوع المجزرة.

وشكل حي غرينوود مشكلتين كبيرتين لسكان تولسا البيض من الأحرار والشجعان، فازدهار الحي وتفوقه من الناحية الاقتصادية على الأحياء البيضاء المجاورة، أثار غيرة وحسد المجتمعات البيضاء الأقل ثروة، كما أن تطوره الاقتصادي والثقافي والاجتماعي شكل ضربة قاصمة لنظرية تفوق العرق الأبيض على العرق الأسود، وطاش صواب معتنقيها وهم يرون خطر أن يأتي يوم من الأيام يقول فيها السود: نحن مساوون لكم أيها البيض!

وهكذا أصبح حي غرينوود أشبه ببرميل بارود ينتظر فتيلاً مشتعلاً لتفجيره، فقد كانت جريمته لا تغتفر في 31 أيار 1921 دخل فتى شاب أسود عمره تسعة عشر عاماً واسمه ديك رولاند إلى مصعد تديره فتاة بيضاء اسمها سارة بيج، فوطأت قدمه على طرف قدمها عن غير قصد. صرخت الفتاة بصوت عال، فذعر الشاب ولاذ بالفرار قبل أن يغلق المصعد أبوابه وتأخذ الحادثة أبعاداً أكبر من حجمها.

إلا أن البيض العاطلين عن العمل الذين كانوا يجلسون على رصيف الشارع الذي يقع فيه ذلك المبنى سمعوا صرخة الفتاة ورأوا الشاب الأسود يلوذ بالفرار هارباً، فوجدوا في ذلك فرصتهم التي طالما انتظروها، وصاروا يصرخون ويستنفرون السكان البيض من أهل تولسا لمعاقبة المجرم الأسود والفتك به.

هرعت شرطة تولسا إلى مكان الحادثة، واستجوبت الفتاة، فرفضت الفتاة أن تتقدم بشكوى إلى الشرطة، وقالت إن الموضوع لم يتعد الحادثة البسيطة غير المقصودة والتي لا تستحق أن تأخذ أي أبعاد أخرى.

وفي تلك الأثناء كان الرجال البيض من «الأحرار والشجعان» يتجمعون في ساحة تولسا الرئيسية، وهم مدججون بشتى أنواع الأسلحة من مسدسات وبندقيات قناصة وقنابل حارقة.

سارعت الشرطة إلى اعتقال الشاب الأسود في مركز شرطة تولسا بحجة حمايته من غضب السكان البيض.

وفي فجر 1 حزيران 1921 تدفقت جموع «الأحرار الشجعان» الغاضبة على حي غرينوود فنهبت محتويات المنازل، وأحرقت المحال التجارية ومؤسسات الأعمال، وأطلقت النار على كل رجل أسود وقع بين أيديها.

بلغ عدد القتلى من السود 300 قتيل، أما عدد المصابين والجرحى فقارب الألفين وقامت قوات الحرس الوطني لولاية أوكلاهوما باعتقال أربعة آلاف رجل أسود والزج بهم في معسكر اعتقال تحت وطأة الأحكام العرفية دون محاكمة أو تحقيق، التهمت الحرائق التي أضرمها «الأحرار الشجعان» 35 مربعاً سكنياً برمتها، كما أصابت 1200 منزل آخر بأضرار بدرجات متفاوتة.

ما بعد المجزرة

تسربت أنباء المجزرة البشعة إلى بعض وسائل الإعلام، فنشرت صحيفة «النيويورك تايمز» خبراً عنها دون أن توضح حقيقة ما جرى، وكذلك فعلت صحيفة «التايمز» اللندنية، إلا أن الأمر بدا للقراء وكأنه مجرد أحداث شغب عنصرية في بلدة صغيرة في ولاية أميركية عديمة الأهمية.

إلا أن أغلبية الصحف الأميركية تجاهلت هذه الأحداث تجاهلاً مطلقاً، وسادت مؤامرة صمت طويلة ورهيبة دامت نحو ثمانين عاماً قبل أن يبدأ أحفاد الضحايا السود برواية أحداث تلك المجزرة، ورغم تمنع معظم وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية من راديو وتلفزيون عن الاهتمام بهذه القصة، إلا أنها استطاعت شيئاً فشيئاً أن تطفو على السطح وتصبح جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الجرائم الأميركية المعروفة والموثقة.

خسر الناجون من سكان غرينوود كل شيء: حياة أحبائهم وكرامتهم وممتلكاتهم، فغادرها بعضهم إلى مدن أخرى، وعاش بقيتهم في الخيام يتلقون الإغاثات الغذائيــة من منظمة الصليــب الأحمر.

إلا أن إرادة الحياة لــدى ســكان تولســا الســـود لم تخمد جذوتها، فعادوا رويداً رويداً إلى ترميــم أحيائهم السكنية، وافتتحوا محلات تجارية صغيرة من جديد، ثم عاد الازدهار تدريجياً إلى غرينوود وإن لم يصل أبداً إلى ما كان عليه قبل المجزرة ورغم التعتيم الشامل من وسائل الإعلام الأميركية، والمؤرخین الأميركيين، والجامعات والمدارس، ومراكز البحوث السياسية، إلا أن قصة تولسا الحزينة ظلت تقض مضاجع «الأحرار الشجعان» البيض، فقرروا أن من الأنسب للجميع أن يزيلوا حي غرينوود من الوجود فلا يبق هناك ثمة شاهد يُذكّر بجريمتهم.

انخرط مجلس مدينة تولسا في الفترة بين عامي 1960 و1990 بعملية إعادة تخطيط شاملة للمدينة، تضمنت بناء طريق سريع يمر من قلب الضاحية، وهدم المنازل المحيطة به، وعدم منح تراخيص بناء جديدة، وعدم السماح للمتاجر ومؤسسات الأعمال بافتتاح مكاتب لها في تلك المنطقة، الأمر الذي أدى إلى انهيار كبير في أسعار العقارات في غرينوود، وتهجير سكانها إلى مناطق أخرى من جديد.

وجاء في شهادة قدمتها إحدى المواطنات السود التي لا تزال مقيمة في تولسا أمام وسائل الإعلام في أيار من هذا العام: «لقد خسرنا كل ما نمتلكه مرتين في تاريخنا، دون أي ذنب ارتكبناه».

عندما يتشدق أنصار النظام الرأسمالي الأميركي بالفرص الذهبية التي يتمتع بها المواطنون الأميركيون للتقدم المادي والاقتصادي، يتجاهلون الحالة المزرية لقطاعات واسعة من الشعب الأميركي، فأنظارهم لا محط لها إلا قصص النجاح والثراء، أما بؤس وفقر قطاعات واسعة أخرى فلا تلتقطها شاشات راداراتهم.

إن العبرة من قصة مجزرة تولسا لا تكمن فقط في أن المؤسسة الأميركية الحاكمة لا تبالي بمصير الفقراء لديها، بل العبرة الحقيقية هي أنها لا تحتمل ولن تقبل بأن تجد الفقراء وقد تحسنت أوضاعهم، وهي لن تتوانى عن ارتكاب أبشع الجرائم لإبقاء قطاعات كبيرة من الشعب الأميركي في حالة مزرية من الفقر والجوع.

أهدي هذا المقال لكل من يؤمن بقيم الحرية والديمقراطية التي تتغنى بها الولايات المتحدة الأميركية كل يوم، ولكل أسود يخر اليوم أو غداً صريعاً برصاص الشرطة الأميركية اعتقاداً منهم بأن حياة السود لا تهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن