اقتصاد

«التضخم» من على منصة جمعية العلوم الاقتصادية وصل لأكثر من 800 بالمئة مع تراجع في النمو وارتفاع للبطالة

| علي محمود سليمان

بينّ الباحث الاقتصادي شامل بدران بأن التضخم وإن كان بطبيعته ظاهرة نقدية إلا أنه في الواقع انعكاس لاختلال التوازن الاقتصادي، فالتضخم هو انعكاس لاختلال بين الطلب الكلي والعرض الكلي وبين نمط الطلب وتشكيلة العرض أي بين التدفقات العينية (السلع والخدمات) والتدفقات النقدية وبين كل عامل من عوامل الإنتاج والطلب عليه، وأخيراً بين طلب أي قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني وقدرة القطاعات الأخرى على الوفاء بهذا الطلب.

بدران خلال ندوة الثلاثاء الاقتصادي لجمعية العلوم الاقتصادية ناقش دراسته حول «التضخم في سورية- آفة اقتصادية ومخاطر اجتماعية» معتمداً على تحليل مؤشرات الاقتصاد الكلي في سورية بدءاً من عام 2010، وموضحاً بأن المعدلات المرتفعة للتضخم الاقتصادي في سورية، قد وصلت لدرجة التضخم الجامح على الرغم من حساب أغلبية المؤشرات بسعر الصرف الرسمي.

تراجع معدل النمو

حيث تراجع معدل النمو من 2.9 بالمئة في عام 2011 إلى (-26.3) في عام 2012 وأيضاً في عام 2013 وهي السنوات الأسوأ من حيث تراجع معدلات النمو الاقتصادي، ومع بدء تحسن معدل النمو الاقتصادي إلا أن قيمته بقيت سالبة (-0.7 بالمئة) لعام 2017 وفي عام 2018 تحول معدل النمو إلى 1.6 بالمئة وفي عام 2019 بلغ 3.7 بالمئة، وذلك وفق البيانات الرسمية المنشورة في المجموعة الإحصائية السنوية.

أما معدل البطالة فقد وصل إلى ذروته في عام 2015 مسجلاً 48.5 بالمئة ثم بدأ بالتراجع في الأعوام اللاحقة حتى وصل إلى 31.4 بالمئة في عام 2019، بينما بلغت قيمة العجز في الميزان التجاري في عام 2014 ما يقارب 7.1 مليارات دولار مقيمة بسعر الصرف الرسمي للبنك المركزي، وبدأ التراجع في عجز الميزان التجاري حتى وصل إلى 4.5 مليارات دولار، وتتركز المستوردات السورية بنسبة 45 بالمئة تقريباً على حوامل طاقة و10 بالمئة قمح وغيرها من المستلزمات الضرورية.

كما زادت نسبة القروض الداخلية والخارجية حيث بلغت 1.8 مليار دولار مقيمة بسعر الصرف الرسمي للبنك المركزي، ووصلت نسبة القروض إلى الناتج المحلي الإجمالي 118 بالمئة.

وفيما يتعلق بالمؤشرات الديموغرافية الكلية فإنها تبدلت بشكل كبير ومتسارع ووفق المعطيات الخاصة بكل مرحلة، بلغت نسبة الأسر المقيمة وفق بيانات 2018 ما نسبته 83.5 بالمئة من إجمالي الأسر و15.9 نسبة الأسر النازحة و0.6 بالمئة الأسر العائدة من النزوح، وبلغت نسبة الأسر غير الآمنة غذائياً 28.7 بالمئة ونسبة الأسر المعرضة لانعدام الأمن الغذائي 38.1 بالمئة ونسبة الأسر الآمنة غذائياً 33.2 بالمئة.

عوامل استمرار التضخم

وأشار بدران إلى عدة عوامل لظهور واستمرار التضخم الاقتصادي في سورية، متمثلة بعدم القدرة على وضع النهج الاقتصادي التنموي الكامل بسبب استمرار ظروف الحرب، والإنفاق الحكومي، والمعروض النقدي، وانعدام التوازن بين قوى العرض والطلب، والحصار الاقتصادي، وانتشار البطالة، وتراجع فعاليات الصناعة التحويلية، وارتفاع في الميل الحدي للإنفاق وضعف الميل الحدي للادخار, وحسب الدراسة التي ناقشها الباحث بدران فإن التضخم الاقتصادي أثر في الجوانب الاجتماعية ولشريحة واسعة من المجتمع، ولاسيما من ذوي الدخل المحدد، مع عدم توافر البيانات الضرورية لحساب التضخم الاقتصادي وفق معايير متناسقة ما أدى إلى تشتت طرق معالجة التضخم على الصعيد الكلي.

خطة إستراتيجية

وهنا يشير بدران إلى ضرورة وضع خطة إستراتيجية للحد من ظاهرة التضخم من خلال تشكيل فريق من الكفاءات العلمية والمعرفية ومن أصحاب الخبرات الاقتصادية لبناء قاعدة معطيات موثوقة، ووضع إستراتيجية واضحة ومحددة لتخفيض التضخم إلى مستويات مقبولة وتناسب الاقتصاد السوري في مرحلة سورية ما بعد الحرب، ووضع أسس ومعايير لتتبع تنفيذ تلك الإستراتيجية وفق مؤشرات اقتصادية واجتماعية محددة.

العملات الرقمية

ومن ضمن الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من ظاهرة التضخم، ضرورة تخفيض الإنفاق الجاري في ضوء مراجعة تفصيلية لمكوناته المختلفة لتحديد أهميتها ومدى ضرورتها على أن تتضمن هذه المراجعة الموازنة الحكومية وأنشطة القطاع العام، وإقرار التخصيصات الاستثمارية في ضوء معرفة الموارد الحقيقية والإقراض الاقتصادي الذي يؤمن فعلاً عائداً يفوق أصل القرض وفوائده طبقاً لحسابات مالية واقتصادية دقيقة، وإعادة النظر بتعدد أنظمة سعر الصرف.

مع أهمية إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية الكاملة للمشاريع الإنتاجية التي تلبي المتطلبات الأساسية الداخلية، مع الحاجة إلى استخدام النماذج الرياضية في تحليل المؤشرات الاقتصادية لظاهرة التضخم ما يمكننا وبكفاءة عالية للوقوف على طبيعة المشكلة وإيجاد الحلول لها، واستخدام نماذج الأرقام القياسية ودراسة وتحليل مشكلة التضخم لتعطينا قراءة واقعية وتحليلاً منطقياً لتلك الظاهرة، مع الاستمرار في سياسة البحث عن استخدام العملات الرقمية بشكل آمن في الاقتصاد السوري.

أكثر من 800 بالمئة

وبالعودة للأرقام فقد بينت النتائج أن معدلات التضخم الاقتصادي في سورية كانت مرتفعة جداً خلال الفترة من عام 2010 وحتى عام 2020 وقد وصلت لمعيار التضخم الجامح، حيث وصلت في عام 2019 بالنسبة لسنة الأساس 2010 ما مقداره 878.3 بالمئة, وحسب النتائج فإن العلاقة بين التضخم ومعدلات النمو الاقتصادي في سورية هي علاقة عكسية وقوية، أي إنه كلما زاد معدل التضخم انخفض الناتج المحلي الإجمالي، بينما تكون العلاقة بين التضخم ومعدلات البطالة طردية وقوية جداً، أي إنه كلما زاد معدل التضخم زادت معدلات البطالة، وكذلك الأمر للعلاقة بين التضخم وسعر الصرف في سورية فهي علاقة طردية وقوية، أي إنه كلما زاد معدل التضخم ارتفع سعر الصرف, وقد انعكس التضخم الاقتصادي على الأسعار التي تشهد ارتفاعاً مستمراً على المستوى العام للأسعار، وساهمت في ذلك عوامل متعددة منها اختلال التوازن بين عرض النقد ومستوى الناتج الحقيقي، وضعف مرونة الجهاز الإنتاجي، إضافة إلى ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك.

إيجابيات التضخم

ونوه بدران بأن للتضخم بعض الآثار الإيجابية نتيجة لما يوفره من دفعة قوية للاقتصاد وتعزيز الأنشطة المتنوعة، على فرض أساسي هو أن زيادة المعروض النقدي تسهم في زيادة الطلب على عناصر الإنتاج المختلفة لاستخدامها في الأغراض الاستثمارية، وفي ظل وجود موارد إنتاجية معطلة قابلة للاستغلال، ووجود جهاز إنتاجي مرن قادر على الاستجابة للزيادة في الطلب، يمكن تحسين الطاقة الإنتاجية وطرح المزيد من السلع والخدمات، إضافة للحد من البطالة. وهذا صحيح بالنسبة للدول المتقدمة ولكن المشكلة في سورية هي أن الموارد والطاقات العاطلة ليست مهيأة للاستخدام المباشر والسريع، فمشكلة الموارد الطبيعية والبشرية العاطلة ترجع إلى قصور كفاءة الجهاز الإنتاجي وعدم تأهيل هذه الموارد للانتظام في عجلة الإنتاج.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن