من دفتر الوطن

شبابنا والرأسمالية المتوحشة

| حسن م. يوسف

كان الحكماء من أجدادنا العرب القدماء، يعتقدون أن «لذة العيش صحة وشباب». وقد تم تسويق هذا القول على أنه (حكمة) لقرون وقرون، لكن الظرف الاستثنائي الذي تمر به بلادنا نتيجة الحرب الظالمة التي تشنها الفاشية العالمية بالتعاون مع الفاشية الإقليمية والمحلية على وطننا السوري، كشفت أن هذه (الحكمة) ليست رومانسية وحسب، بل هي قاصرة بالمعنى الدقيق للكلمة. فـ (الصحة والشباب) لا يشكلان ضمانة لـ (لذة العيش) كما توحي (حكمة) الأجداد، وكل ما يجري حولنا يثبت ذلك. ففي سورية الآن مئات الآلاف ممن أمضوا زهرات أعمارهم تحت السلاح يدافعون عن البلد ووحدته، بعض هؤلاء الأبطال خرجوا من الحرب بعد أن سرقت منهم أبصارهم أو أحد أطرافهم، وكثيرون منهم تم تسريحهم بعد سنوات وهم يتمتعون بـ«الصحة والشباب»، لكن ماذا يفعل من يتمتع بالصحة والشباب عندما لا يجد عملاً يضمن له سبل العيش؟ بل ماذا يفعل من يتمتع بالصحة والشباب عندما يجد عملاً يتقاضى مقابله راتباً لو جمعه على مدى مئتي عام لما تمكن من شراء بيت وتكوين أسرة؟
أعترف أنني شاهدت مراراً الفيديو الذي يظهر فيه بعض الشباب الأفغان ممن يتمتعون بـ(الصحة والشباب) وهم يتعلقون بعجلات إحدى الطائرات الأميركية المقلعة من مطار كابول، وقد سقط قلبي من شاهق مع من سقطوا! لا شك أن معظم أولئك الشباب كانوا يعلمون أنهم قد يسقطون من الطائرة عندما ترفع عجلاتها، لكنهم تعلقوا بها رغم ذلك، على أمل أن يدخلوا إلى الطائرة مع العجلات! وهذا أمل ضئيل جداً لا يمكن أن يتمسك به سوى من بلغ أقصى درجات اليأس. وقد ذكّرني ذلك المشهد المأساوي بكلمات للشاعر الكبير محمود درويش: «علينا ألا نلوم المفجرين الانتحاريين. نحن ضد المفجرين الانتحاريين، لكن يجب علينا أن نفهم ما الذي يدفع هؤلاء الشباب للقيام بتلك الأفعال. إنهم يريدون تحرير أنفسهم من هذه الحياة المظلمة. إنها ليست الأيديولوجية، بل اليأس».
يوم الخميس الماضي قام رئيس تحرير جريدة «الوطن» الأستاذ وضاح عبد ربه على صفحته في الفيس بوك، بقرع جرس الإنذار، محاولاً لفت انتباه المعنيين إلى أن «مرحلة تفريغ سورية من كوادرها وشبابها، قد انطلقت وبشكل كبير». وختم لسان حاله بمناشدة السيد رئيس مجلس الوزراء «عقد جلسة حوار موسعة مع التجار والصناعيين والأطباء والكوادر ومحاولة وقف هذا النزيف الذي سنسدد ثمنه غالياً جداً».
وقبل نحو أسبوع كتبت الإعلامية هناء الصالح على صفحتها في الفيس بوك متسائلة: «من المسؤول عن هجرة السوريين»؟ وأوردت معلومة مقلقة عن الحال في الوسط الإعلامي، إذ قالت: «في عشرة الأيام الأخيرة وفي محيطي المهني ممّن أعرفهم شخصيّاً، ودّعتُ سبعةَ أشخاص من مهندسين وتقنيين وفنيين ومن الكفاءات العالية، بعضهم إلى العراق والبعض الآخر إلى الخليج وأكثرهم إلى السودان».
في مطلع القرن كانت «الرأسمالية الوطنية» تخفى أنيابها تحت قناع من الليبرالية الجذابة التي تعد بـ»دولة الرفاهية»، لكنها تمكنت بأساليبها السرية من أن تفرض سطوتها بالتدريج على الاقتصاد الوطني. وقد نجحت في استغلال ظروف الحرب لربط الليرة السورية بالدولار، حيث إن تجار المفرق باتوا منذ مدة يستلمون نشرات أسعار يومية من تجار الجملة تحدد أسعار السلع في ضوء سعر الدولار الذي يتأرجح صعوداً ونزولاً وفق إرادة تجار الجملة وسادتهم الحيتان الكبار. وما من داع للقول إن نشرات أسعار تجار الجملة هي المعمول بها فعلياً في الأسواق، فيما وزارة التموين ومديريات حماية المستهلك تشخران في سابع نومة!
لقد أعلن شاعر ألمانيا الكبير غوته بكل وضوح: «إن مصير كل أمة يتوقف على شبابها»، فما مصيرنا والرأسمالية المتوحشة تدفع بشبابنا إلى المجهول؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن