قضايا وآراء

أوسلو في ذكراه الثامنة والعشرين

| عبد المنعم علي عيسى

في الوقت الذي كانت فيه الكاميرات ترصد جولات من التفاوض انبثقت عن مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد خريف عام 1991 كنتيجة لحرب الخليج الثانية أو «حرب تحرير الكويت»، ظهر في 13 أيلول 1993 الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعيداً عن الأضواء، وعرف باسم «اتفاق أوسلو»، نسبة إلى العاصمة النرويجية التي احتضنت المفاوضات السرية بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي.
لم يكن الاتفاق وليد تلك المفاوضات فحسب، فالمسار الذي انتهت إليه كان قد بدأ في عام 1979 عندما طلب الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات من النرويج أن تتوسط بفتح قناة بينه وبين تل أبيب التي تمنعت آنذاك رافضة الفكرة بشكل قاطع، بذريعة أن «منظمة التحرير الفلسطينية» لا تعترف بإسرائيل، الأمر الذي دفع عرفات في العام 1988 إلى الاعتراف بالقرارين 242 و338 اللذين منحا كيان الاحتلال «حق العيش في حدود آمنة ومعترف بها»، كبادرة «حسن نية» ما يشير إلى أن الفكرة، أي فكرة التوسط النرويجي، ظلت تغوص في ذهنية عرفات على الرغم من الرفض الإسرائيلي لها، والغوص كان من العمق بحيث يدفع بالذهنية إلى تكرار المحاولة تلو الأخرى إلى أن تفتح الأبواب على مصاريعها، أيا يكن الثمن الذي يقتضيه هذا الفعل الأخير.
فعلَ عرفات ذلك على الرغم من أن الانتفاضة الأولى عام 1987 كانت قد وضعت تل أبيب في وضع لا تحسد عليه، وعبره كانت قد وجدت نفسها في مواجهة إدانة دولية لم تكن إسرائيل قد عرفتها من ذي قبل، وهذا إذا ما كان يشير إلى شيء فإنه يشير إلى خطأ في القراءة السياسية، فالضغوط الدولية المطبقة على كيان الاحتلال بعيد الانتفاضة كانت ترمي إلى دفع الأخير إلى فتح قنوات التواصل مع الفلسطينيين، وما فعله عرفات هو أنه قدم هدية لا تقدر بثمن عندما وافق أواخر عام 1988 على عرض إسرائيلي يقوم على فتح قناة تواصل معه عبر مؤسسة «فافو» للأبحاث النرويجية التي كانت تابعة لحزب العمال النرويجي الحاكم آنذاك.
خطأ القراءة هذا، ظلّ لصيقاً بعرفات، الذي مضى نحو خطأ أمضى عندما اختار المفاوضات السرية التي جعلته عارياً أمام الإسرائيليين وفاقداً للعمقين السوري واللبناني في آن واحد، ولا نقول الأردن لأن عمان كانت تريد تلك «السقطة» لعرفات لكي تنخرط هي سريعاً في مسار مشابه، وذاك كان خطأً استراتيجياً فادحاً، فدمشق وبيروت هما عمق إستراتيجي لقضيته التي يدافع عنها، أياً تكن الأنظمة القائمة فيهما، والمؤكد هو أنه كان بموقفه ذاك يريد البعد عن «السطوة» السورية، كما كان يسميها، على شرائح وازنة من الفلسطينيين.
خطأ عرفات الثالث هو أنه راهن، بكل ما يملك، على اللحظة السياسية المتولدة عن حرب تحرير الكويت والوعود الأميركية التي تلتها، والتي كانت في جزئها الفلسطيني تعد بخلق نواة لدولة فلسطينية سوف ترى النور قريباً، وكان ظنه أن شمس تلك الدولة سوف تشرق من أوسلو بالتأكيد، أما الخطأ الرابع فهو لم يستطع أن يستشرف الآفاق التي ابتنت تل أبيب رؤيتها عليها، والتي تضمنت موافقتها على قيام «السلطة الفلسطينية»، وما تكشف من تلك الرؤية حتى الآن يثبت أن تلك الموافقة جاءت على خلفية أن يصبح الكيان الفلسطيني الوليد حاملاً لأعباء الاقتصاد والأمن المتولدة عن كتلة فلسطينية قوامها مليونان ونصف المليون كانوا يمثلون عبئاً كبيراً على إسرائيل، ثم إن المفاوضات، وفق الرؤية المتكشفة، التي لا نهاية لها، سوف تشكل بالتأكيد غطاء كافياً لقضم مزيد من الجغرافيا وإقامة المزيد من المستوطنات، ومعهما «تهويد القدس» قضية القضايا والمحور الحامل للصراع على ضفتيه، لما توفره من ثقل إيديولوجي من النوع القادر على جمع أطياف واسعة وهي، كلها، تمثل في النهاية أوراق قوة لا تنضب، هذا تكشف مؤخراً للمتابع، لكن كان على عرفات أن يستشرف قبلاً تلك المعطيات، فأفضل الساسة هم من يستطيعون قراءة اتجاه الرياح، وإلى أين ستؤدي بالأحداث، ومن ضمنها المفاوضات مثلاً، قبيل أن يحط الاثنان رحالهما فيصعب عندها تغيير وجهة الأولى لحرف مسار الأخيرة.
عرفات صنف من ساسة الدرجة الثالثة، لأن ساسة الدرجة الثانية ينجحون في قراءة الأحداث أثناء وقوعها، لكنه كان من أولئك الذين يقرؤون الأحداث جيداً بعيد وقوعها وبوقت ليس بالقصير، وهذا ظهر لديه في قرار إشعال الانتفاضة الثانية عام 2000 التي عنت عنده إقراراً بأن اتفاق أوسلو قد استنفد المرجو منه بعدما استنفد الإطار الزمني الخاص به، والذي أضحى حينها بعمر يزيد على سبع سنوات، في حينها قرأ عرفات النيات الإسرائيلية إلى أنها ذاهبة نحو نقل «التنسيق الأمني»، الذي أقره أوسلو، من حالة احتياج إسرائيلية إلى أن يصبح حالة احتياج فلسطينية فيصبح عندها كما آلة أوتوماتيكية تعمل من تلقاء نفسها، والكثير من السلوكيات، ولا نقول السياسات، التي مارسها عرفات في أواخر حياته كانت تشير إلى أنه يفكر في استعادة «السلوك النضالي» لكن ليس بمفهومه الإستراتيجي وإنما التكتيكي، كورقة قوة في صراعه مع الاحتلال، وهو أرسل في خلال أشهر حياته الأخيرة رسالة إلى القيادي البارز في حزب الله والقيادي السابق في حركة فتح، عماد مغنية يقول فيها «أوسلو انتهى، والسلطة لا ضرورة لبقائها، أرسلو السلاح»، وربما كانت هذه الكلمات هي التي عجلت برحيل أبو عمار في ظروف لا تزال غامضة.
إذا ما كان عرفات أخطأ وحاول التصويب فتأخر الوقت المتاح أمامه للقيام بالفعل، فإن رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس، أبو مازن، أخطأ ولم يكتشف حتى الآن «خطيئة أوسلو» بدليل استمراره فيها، بل أيضاً العمل على تجذير مفاعيلها عبر توريثها إلى الجيل الثاني، فمن ولد من الفلسطينيين عام 1993 صار اليوم بعمر 28 سنة، وهو لا يعرف الكثير عما قبل أوسلو، ونحن هنا لا نريد القول إن الفلسطينيين ليسوا بحافظين لتاريخهم، وإنما نريد القول إن عمليات غسل الأدمغة تفعل الكثير مما يربك تلك الحافظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن