ثقافة وفن

التعددية القطبية من منظور القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي

| سوسن صيداوي

التعددية القطبية تحتمل أربعة معان: الأول هو تعددية الأقطاب، والثاني تعددية الأقاليم القطبية، والثالث تعددية الأقطاب الإقليمية، أما الرابع فهو تحالف دولي أو منظمة دولية أو تجمع دولي على أنه قطب. التوصيف للراهن الدوليّ يشير إلى عدم وجود أقطاب بالعالم ويفترض: انتهاء الولايات المتحدة كقطب حاليّ، لأنه يجب التمييز بين انتهاء الهيمنة القطبية الأميركية وبين انتهاء الولايات المتحدة كقطب دولي موجود. عدم بلوغ قوى ناشئة كروسيا والصين، مرحلة القطب الموازن دولياً. عدم نشوء الإقليم القطب (أوراسيا) أو (القطب الأوروبي).

للمزيد حول تعددية الأقطاب، نتوقف عند بعض النقاط المهمة في كتاب( التعددية القطبية من منظور القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعيّ) من تأليف: د. سومر منير صالح، د. علي أحمد عباس. والصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب.

رؤى متعددة

يرى كل من د. سومر منير صالح، د. علي أحمد عباس، أن النظام الدولي الراهن قادم إلى تغيرات مؤكدة، فما بعد الحداثة كمرحلة فكرية انتهت، بعدِّها لحظة فكرية أعقبت العدمية التي أفرزتها حقبة الحربين العالميتين، وتشهد العولمة إرهاصات موجة جديدة من التطور ونمطاً جديداً من التبادل والاتصال مدفوعة بتطورات الفيزياء والثورة الصناعية الرابعة الجديدة، وميزان القوة العالمي سواء أكان اقتصادياً أم عسكرياً يشهد تحولات مؤثرة، مع ظهور التكتلات الاقتصادية الناشئة، إضافة إلى ظهور أنماط جديدة من القوة في القرن الحادي والعشرين، وأخيراً كل تلك العوامل تدل على أن الأحادية القطبية قد شارفت على الانتهاء، ليس بالمعنى السياسي فحسب، بل بانتهائها بالمعنى الكلي الذي جسدته الهيمنة الأميركية.

أفكار ووجهات

يقدم الفصل الأول النظام الدولي (المفهوم، النظرية، البنية)، تمهيداً نظرياً عن تاريخ تشكّل النظام الدولي ومراحله المختلفة، بدءاً من نظام فيينا القائم على توازن القوى، مروراً بنظام عصبة الأمم القائم على التعددية القطبية، ثم نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية بطابعه الثنائي القطبية، وصولاً إلى نظام الأحادية القطبية، الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي.

الفصل الثاني يتناول الكثير من النقاط، نذكر منها: موضوع الرؤية الفرنسية لعالم متعدد الأطراف قائم على فكرة «الحوكمة العالمية» وخلاله يقدم الكاتبان استعراضاً تاريخياً لموقع فرنسا في النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، ومن ثم رصداً لتغيرات البيئة الإستراتيجية المحيطة بفرنسا (إقليمياً ودولياً) وحللا دوافع الطرح الفرنسي لعالم متعدد الأقطاب وأبرزها دخول العالم مرحلة العولمة الرابعة وحدوث تحولات في الفكر الغربي إضافة إلى التراجع الأميركي – البريطاني عن النيوليبرالية المعولمة.

ركائز عالم متناغم

ومما يتناوله الفصل الثالث: موضوع الرؤية الصينية لعالم متعدد الأقطاب، وفيه يقدم الكاتبان استعراضاً تاريخياً لموقع الصين في النظام الدولي، وأبرز تحول القوة الصينية كمقدمة لطرح رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب، ثم حللا دوافع الطرح الصيني التي تمثلت بالخروج من «قرن الإذلال» وتحقيق الحلم الصيني في التجديد الوطني، ثم انتقلا إلى رصد طبيعة الرؤية الصينية لعالم متعدد الأقطاب القائمة على ركائز عالم متناغم وعولمة بديلة ونظام تجاري متعدد الأطراف.

هناك الكثير من النقاط التي ركّز عليها الكاتبان في الفصل الرابع نذكر منها: التحليل النقدي للنظرية الأوراسية من حيث فلسفتها وأهم أفكارها، ومما يتناول الفصل الأوراسيانية بعدّها التطبيق الجيوبوليتيكي للنظريات الأوراسية، كما يناقش المؤلفان فيه التكامل الأوراسي من المشروع الصيني ويحللان أبرز تحديات الأوراسيانية الروسية بنيوياً أي داخل الاتحاد الأوراسي وخارجياً أي المشاريع الجيبوليتيكية التي تنافسه وتتصارع معه في آسيا الوسطى، إضافة للمزيد في هذا الفصل.

بينما مما يضمه الفصل الخامس هو عودة الجيوبوليتيك البريطاني إلى منطقة الخليج العربي، وفيه مهّد الكاتبان عبر استعراض تاريخي دور بريطانيا في الخليج العربي، وأهمية هذه المنطقة جيوبوليتيكياً لبريطانيا، ومن ثم رصد الفصل تغيرات البيئة الإستراتيجية المحيطة ببريطانيا (إقليمياً ودولياً)، وأخيراً ختم الكاتبان فصلهما الخامس نتائجه بـ(تمثل عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بداية انبثاق جيوبوليتيك -«حتى ولو لم يتم»- نابع من تقديرها لنفسها ودورها العالمي، ونابع من تقدير طبيعة المخاطر التي تواجهها.

وأخيراً يناقش الكاتبان في الفصل السادس الرؤية الأميركية للعالم الجديد وردّ الفعل الأميركي على رؤى التغيير الدولية، إذ يناقش بشكل عميق المعاني الخاصة لأميركا، مع سرد تاريخي لهذا الشعار وعلاقته «بالباكس أميركانا» التي تعد الرؤية الأميركية للأحادية القطبية، وخصوصاً أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام رؤى وإستراتيجيات التغيير الدولية، وغيرها الكثير من النقاط التي دخلت في السياسة الأميركية الخارجية وانعكست على مجمل العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن