قضايا وآراء

بين مؤشرات إيجابية وفساد ذوي القربى

| رفعت إبراهيم البدوي

تشهد الخريطة العالمية إعادة رسم وتقاسم على أسس المصالح الإستراتيجية، كما تشهد المنطقة العربية متغيرات سياسية وميدانية مهمة رصدت ملامحها الإيجابية ميدانياً وسياسياً واقتصادياً، ومن المتوقع ترجمتها على مراحل في كل من سورية ولبنان والأردن والعراق.
فشل الضغط الأميركي العسكري والاقتصادي والسياسي والحؤول دون تحقيق أهدافه المطلوبة، أديا إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والتوجه نحو الانكفاء المتدرج من المنطقة والالتفات نحو ترميم الداخل الأميركي وحشد الطاقات لمواجهة التنين الصيني والدب الروسي.
أميركا بعد انسحابها المذل من أفغانستان ليست كما قبلها، بهذه الجملة يختصر الموقف الأوروبي الذي لطالما كان تابعاً للموقف الأميركي، فتقدمت فرنسا اقتصادياً نحو المنطقة مستفيدة من الانكفاء الأميركي المتدرج بعد توصيات أميركية عدة بضرورة تقليص الخسائر المالية والعسكرية والاكتفاء بالمراقبة والإدارة عن بُعد مع ضمان أمن العدو الإسرائيلي.
حظيت فرنسا ممثلة بشركة توتال بعقد التنقيب عن النفط العراقي، وقدرت قيمته بحوالي 27 مليار دولار وتوج بحضور الرئيس الفرنسي شخصياً مؤتمر الدول المجاورة للعراق الشهر الماضي.
نجحت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بالاشتراك مع بريطانيا بالضغط على حكومة أستراليا وألغت صفقة الغواصات الفرنسية معها في إشارة واضحة إلى تقاسم مناطق النفوذ في بحار العالم الجديد وخاصة في المواجهة الإنكلوسكسونية المتصاعدة مع الصين واستطراداً روسيا.
بين إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وبين إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، هناك قاسم مشترك، ولو اختلفت لهجة التصريحات بين الإدارتين، فالأول أعلن صراحة العداء للصين، أما الثاني فقد أعلن تهيب بلاده من تطور الصين المخيف وعدم نيته نشوب حرب باردة معها والتوجه نحو المنافسة الاقتصادية الإستراتيجية.
إذاً العالم يشهد تطورات لافتة ومتغيرات في مسار السحب والرياح الدولية ستفضي إلى تقاسم مناطق نفوذ جديدة قائمة على تأمين المصالح الإستراتيجية للدول، وهي لابد أن ترخي بظلالها الباردة على منطقتنا العربية التي لطالما انكوت بنار الحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية.
من مؤشرات الرياح الإيجابية على المنطقة تم رصد محطات دبلوماسية وميدانية واقتصادية عدة، لابد من ذكرها والإعداد لها والإفادة منها وانتهاز اللحظة لإعادة ترتيب البيت الداخلي ولإعادة التوازن إلى نمط حياة المواطن الصامد.
القمة الروسية السورية في موسكو بين الرئيسين فلاديمير بوتين وبشار الأسد في ظل المتغيرات الحاصلة، شكلت رسالة واضحة للقاصي والداني تفيد بمتانة الحلف الروسي السوري، وخصوصاً بعد دعوة الرئيس الروسي إلى احترام إرادة الشعب السوري التي ترجمت بتجديد الثقة للرئيس الأسد وبضرورة احترام السيادة السورية، والتأكيد على مكافحة الإرهاب بكل أشكاله وخروج جميع القوى الأجنبية الموجودة على الأرض السورية، في إشارة واضحة إلى القوات الأميركية والتركية المحتلة.
يدرك الرئيسان بوتين والأسد أن الظرف الدولي الراهن هو الملائم للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى تعطيل السيناريوهات المعدة والبدء بمرحلة جني الأرباح السياسية والميدانية لاستعادة ما خسرته سورية طوال سنين الحرب.
الطوق يشتد على رقبة ميليشيا «قوات سورية الديمقراطية – قسد» والخوف من سيناريو أميركي مماثل للانسحاب من أفغانستان بنسخة سورية، سيفرض على أكراد «قسد» حتمية التوصل إلى تسوية مع الدولة السورية، ولو بوساطة روسية، الأمر الذي سيؤدي إلى استعادة السيادة السورية على كامل شرق الجزيرة السورية.
الوساطة الروسية في الجنوب السوري نجحت في إعادة بسط سيطرة الجيش العربي السوري وتثبيت الإجراءات الأمنية في درعا البلد وريفها الغربي إضافة إلى وادي اليرموك وتسوية أوضاع المسلحين في المنطقة.
تصدر الملك الأردني عبد الله الثاني حملة عودة سورية إلى مقعدها في جامعة الدول العربية وتوجيه أوامر ملكية أردنية بوقف جميع الحملات الإعلامية على سورية وقياداتها وجيشها العربي.
زيارة نائب القائد العام للجيش والقوات المسلحة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع العماد علي أيوب إلى عمان واجتماعه مع رئيس هيئة الأركان الأردني اللواء يوسف الحنيطي، تعتبر مؤشراً إيجابياً لمرحلة جديدة من التوجه إلى تثبيت الوضع الأمني وبسط سلطة الدولة السورية في الجنوب، وفتح معبر نصيب – جابر بين البلدين واستئناف حركة مرور الترانزيت والبضائع إلى دول الخليج.
استماتة الجانب التركي لفتح قنوات اتصال مع الجانب السوري، قوبلت بشرط انسحاب الاحتلال التركي من الأراضي السورية، واستكمالاً لذلك فإن اللقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان سيضع الأخير أمام خيارين أحلاهما مُرّ، إما تنفيذ الالتزامات التركية وانسحاب الإرهابيين إلى شمال طريق M4 وإما الخيار العسكري الروسي السوري الذي سيكون نافذاً تمهيداً لعودة مناطق إدلب إلى السيادة السورية.
زيارة وزير الخارجية والمغتربين فيصل المقداد ونائبه بشار الجعفري إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العمومية في الأمم المتحدة، كان لها أبعاد إيجابية وخصوصاً بعد طلب العديد من وزراء الخارجية العرب إضافة إلى عدد من وزراء خارجية الدول الأوروبية، اللقاء بالوفد السوري، بعدما كان ممنوعاً عليهم الاجتماع مع هذا الوفد والاعتراف بسيادة سورية ودورها العربي والإقليمي الفاعل.
الإعلان عن رغبة أميركية إيرانية في عودة الروح إلى مفاوضات الملف النووي الإيراني في فيينا وبتشجيع ومساندة فرنسية أوروبية واضحة للموقف الإيراني.
التفاهم الإيراني الفرنسي أفضى للإفراج عن التشكيلة الحكومية في لبنان بعد تعطيل دام لأكثر من عام ونيّف، وما زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي الأولى إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالأليزيه، إلا تعبير عن تفويض أميركي واضح لفرنسا بالتفاهم مع إيران التي ترتبط بدورها بحلف إستراتيجي مع سورية.
تغيير اللهجة السعودية تجاه إيران واعتبارها جارة يجب التفاهم معها حول ملفات المنطقة، رافقها الإعلان عن جولة مفاوضات جديدة بين الطرفين تزامنت عن اجتماع وزيري الخارجية الإيراني والسعودي في نيويورك وجرى خلاله الحديث عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
يبقى السؤال هل وضعنا الخطط للبدء بعملية تقييم جدية وشاملة تصحح الغبن الذي لحق بالمواطن الصامد المكابد وانتشاله من عتمة حالكة ومن معيشة ضنكا، مكافأة لوفائه وصموده الأسطوري، وبالتالي لإعادة تفعيل ثقته بالدولة القوية الضامنة لمستقبل الأجيال؟ أم إن الفساد المستشري سيبقى عائقاً أمام ثقة الأجيال بوطنهم؟!
رئيس تحرير صحيفة «الوطن» كتب على صفحته الخاصة على «فيسبوك» التالي: سبق وتحدثنا عن معلومات بأن القادم أفضل بكثير. البشائر بدأت والمعلومات تأكدت، إضافة إلى أن كل من يحاول من الداخل زعزعة ثقة السوريين بوطنهم سيعاقب.
نقول: ليس هناك ما يزعزع ثقة المواطن بوطنه إلا الفساد المستشري في مفاصل الدولة وليس من عقاب أشد مضاضة على المواطن من ظُلْم وفساد ذَوِي القُرْبَى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن