من دفتر الوطن

محكمة لقضايا الدراما

| حسن م. يوسف

لا تزال معظم التفاصيل المتعلقة بالصناعة الدرامية السورية مبهمة حتى الآن، فإلى جانب الكاتب والمخرج يحتاج الفيلم أو المسلسل إلى منتج وجيش من الممثلين والكومبارس كما يحتاج لمهندس ديكور ومؤلف موسيقا تصويرية ومصمم أزياء، وجيش أصغر حجماً من الفنيين بدءاً بمدير التصوير، وعمال الإضاءة والصوت، مروراً بفنيي المونتاج والميكساج، وانتهاء بالموزع. لذا يمكن القول: إن المنتج الدرامي، ليس مجرد قوة ناعمة تعبر عن ثقافة البلد وسياسته ومواقفه في مختلف القضايا وحسب، بل هو مصدر رزق لمئات الأسر السورية.. ولدت الدراما السورية مع التلفزيون وتطورت معه، من الأسود والأبيض إلى الألوان، ومن السذاجة المحببة إلى الخطاب العميق المركب، ومن المحلية المغلقة إلى الفضاءات المفتوحة، وبعد الانتقال السحري العاصف من البث التفاضلي إلى البث الرقمي، وتكاثر القنوات الفضائية العربية بشكل متسارع كما الفطر في الغابة عقب ليلة عاصفة ماطرة، شهدت درامانا ولادتها الثانية.
بدأ البث الفضائي العربي عام 1990 أي إن عمره لا يزيد على ربع قرن وعام، وقد اقتحمت الفضائيات الناطقة بالعربية كل بيت بحيث بات مجمل بثها الآن يغطي أكثر من أربعة أعوام في اليوم. وفي ظل هذا الوضع ازداد الطلب على الأعمال الدرامية واشتد تنافس المحطات على عرض المتميز منها.
قبل خمسة أعوام أشدت في هذا الركن بالذات بمواقف الفنانين السوريين الذين لم يضيعوا البوصلة، قلت بالحرف: «تحية تقدير ومحبة لكل المبدعين الذين لم يستسلموا للرضى وخدر النجاح، ولكل من طوروا أنفسهم وهم أكثر من أن يعَدُّوا، متمنياً عليهم ألا يعبؤوا بنقيق الضفادع ولا نعيب الغربان، بل أن يركزوا على العمل الدؤوب الخلاق، فبالعمل وحده يتحقق الأمل».
تتكون مفردة (الحرب) في اللغة الصينية من كلمتين هما (أزمة) و(فرصة) وقد وجد بعض القائمين على الإنتاج الدرامي في الحرب التي تشنها الفاشية العالمية على دولتنا السورية فرصة لاستغلال حاجة الفنانين والفنيين السوريين لفرص العمل كي يبخسوهم أجورهم بشكل شنيع. كما يقوم هؤلاء باستغلال ظروف البلد، لترويج منتجات سيئة تتعكز على سمعة الدراما السورية لتحقيق أرباح سهلة، كما لو أن الظروف الرديئة يمكن أن تبرر الفن الرديء!
يصف الباحث الدكتور عبد العزيز بن حمد الحسن الدراما التلفزيونية بأنها «أقوى اختراع بشري قادر على الوصول والتأثير وتشكيل خطورة في مسألة التغيير. «وقد سبق لي أن طالبت مراراً بضرورة تنظيم عمل شركات الإنتاج التلفزيوني، وتشكيل مجلس إدارة لكل منها يضم نسبة من الخبراء المشهود لهم بالكفاءة، لوضع حد لمزاجية أصحاب المال الخاص ومحدودية ثقافتهم. ومن باب الحرص على مستقبل درامانا أطالب اليوم بافتتاح محكمة للنظر في قضايا الدراما العاجلة لأن هذا الفن الجميل أشبه بالعصفور في الكف، إن شددنا يدنا عليه قتلناه وإن أرخيناها طار.
ولكيلا أتهم بالتنظير سأبوح لكم بأنني قبل أكثر من عام ونصف العام وقعت عقداً مع إحدى الشركات المحلية التي تعمل منتجة منفذة لمؤسسات عربية. وبعد أن كتبت المعالجة الدرامية وثلاث حلقات، قالوا لي إن الشركة العربية قد ضغطت ميزانيتها بسبب كورونا، وخيروني إما أن آخذ أجر الحلقات الثلاث وننهي العقد، وإما أن أوقع معهم عقداً جديداً بحوالي نصف الأجر، ونظراً لانغماسي في العمل ورغبتي في فضح جرائم الأتراك، فقد ابتلعت السكين، وعندما انتهيت من كتابة نصف المسلسل، قامت الإمارات بالتطبيع مع إسرائيل فخافوا من إنتاج العمل، لأن المؤخرات الثلاث أصبحت في سروال واحد. وبدلاً من أن يدفعوا لي 40 % من أتعابي، كما هو منصوص في العقد، فقد خرجوا بفكرة عجيبة مفادها أنهم يريدون المسلسل أن يكون من خمس عشرة حلقة فقط! وهذا أمر ينسف كل العمل الذي قمت به، لأن تحويل الباص إلى سيارة صغيرة، أصعب من صنعها! لذا رفعت الأمر للقضاء، لكن القضية لا تزال نائمة منذ 20 أيلول 2020 وحتى الآن، والمشكلة أن حاجزاً من القرف يفصل بيني وبين الكتابة الدرامية منذ ذلك الوقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن