من دفتر الوطن

رقة الوردة. حدة السيف

| حسن م. يوسف

«الأرملة المسجونة بنظرات الفضوليين/ تطهو رجلاً على العشاء»
لا تزال كلمات سامر محمد إسماعيل هذه حاضرة في ذاكرتي رغم أنني قرأتها قبل ثلاثة عشر عاماً في مجموعته الشعرية الأولى «متسول الضوء» التي أصدرتها الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008، ضمن سلسلة دواوين لأبرز الأدباء السوريين الشباب. والحق أنني قلت في سري عقب انتهائي من قراءة «متسول الضوء» الذي كان أول ديوان لسامر «هذه موهبة سيكون لها شأنها».
وعندما قام سامر محمد إسماعيل بتقديم عمله المسرحي الأول «ليلي داخلي» على خشبة مسرح القباني بدمشق عام 2013 تأثرت كثيراً عندما علمت أنه أهدى العرض لروح الشابة الشهيدة سوزان سلمان التي قتلت نتيجة وقوع قذيفة هاون على بيتها في باب توما، إذ وجدت في ذلك بادرة إخلاص مؤثرة، وخاصة أن الممثلة الشابة سوزان كانت تعمل مخرجاً مساعداً لسامر في ذلك العرض، الذي أعدَّه سامر عن نص لماركيز بعنوان (خطبة لاذعة ضد رجل جالس) وقام بدوري البطولة فيه كل من روبين عيسى وبسام البدر.
وقد عزمت يومها أن أكتب عن هذه التجربة المسرحية الحارة لأنني أعرف عدة أشخاص من ماركة بطلها الذي يرفع المبادئ وحقوق الإنسان شراعاً وحقوق المرأة قضية، وعندما يصل لمبتغاه من مال وجاه يتكشَّف عن رجل دَعِيّ عاق ومتبلد المشاعر، فهو يضطهد زوجته ويخونها، ولا يعتني بابنه المعوَّق، كما لا يكلف نفسه عناء زيارة والده المريض على فراش الموت.
وقد أحسست يومها أن صرخة الأنثى السورية في مسرحية سامر إسماعيل «ليلي داخلي» في وجه الرجل الذي أعطته عمرها، فتكشَّف عن دعي خائن لكل ما أحبته من أجله، لا تقل إيلاماً وحدة ووضوحاً عن صرخة نورا في مسرحية هنريك إبسن «بيت الدمية».
يومها نويت أن أكتب مقالاً يكون بمثابة تحية لموهبة سامر محمد إسماعيل الشاعر والمسرحي، لكن الظروف فرضت عليَّ الكتابة عن عدة مواضيع ملحة على التوالي، وكيلا أبدو كمن يذهب إلى الحج والناس راجعة، فقد أجلت الكتابة عن سامر لمناسبة أخرى.
عندما ألف سامر وأخرج مسرحيته «تصحيح ألوان» بطولة مريانا معلولي ويوسف المقبل التي نال عليها جائزة أفضل نص في مهرجان قرطاج المسرحي، لم تسمح لي الظروف برؤيتها كما لم أتمكن من رؤية أي من أفلامه: «سلم إلى دمشق»، «توتر عالي»، «ماورد»، «نهري بحري» «لآخر العمر» و«يحدث في غيابك».. لأنني كنت قد تقاعدت وبدأت أمضي معظم وقتي في القرية.
غير أني تمكنت يوم الأربعاء الماضي من حضور مسرحية «تجربة أداء» تأليف وإخراج سامر محمد إسماعيل وأنا أشعر بسعادة مركبة لأن العرض أتاح لي فرصة تبديد شعوري بالتقصير تجاه المبدع الجميل سامر محمد إسماعيل. ولأن عامر العلي أكد نجوميته على المسرح كما أنارت دلع نادر المنصة بأدائها الرائع وقدمت مجد نعيم دور زوجة الفنان، باقتدار، وهذا كله جعل العرض يجمع المتعة إلى الجمال، والصدق إلى المعاصرة، راسماً مأزق المثقف السوري بلغة لها رقة الوردة وحدة السيف، ما يؤكد أن بطن سورية الأخضر لا يكف عن إنجاب المبدعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن