قضايا وآراء

إذا عُرف السبب بطل العجب

| أحمد ضيف الله

ما إن نجحت الثورة الإيرانية في إسقاط حكم الشاه محمد رضا بهلوي، شرطي الخليج والحليف الإستراتيجي لإسرائيل عام 1979، حتى شن نظام صدام حسين حرباً على إيران عام 1980 استمرت ثمانية أعوم بدعم وتشجيع خليجي وأميركي وأوروبي، اتبعها في العام 1990 بـ«غزو الكويت»، مُدخلاً العراق والمنطقة في حروب عبثية، مهدت الطريق لاحتلال القوات الأميركية للعراق عام 2003، مُعيدة القوى الاستعمارية للمنطقة بعد أن تم إخراجها منها، وما زالت ارتدادات الحربين مستمرة على العراق والمنطقة إلى الآن.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الكيانات الخليجية عن «شيطنة» الثورة الإيرانية، برسم صور مضللة عن دور مفترض في زعزعة أمن العراق والمنطقة، والتوغل في الشؤون العراقية السياسية والاقتصادية، وبطبيعة الحال اتهامها بالتدخل في الانتخابات النيابية والتلاعب بنتائجها وتحالفات القوى الفائزة فيها، متهمين مرشحين بعينهم بأنهم يدينون بالولاء لإيران وينفذون مخططاتها بعيداً عن مصالح العراق وقيمه الوطنية، ما يهدد استقرار أمن العراق والمنطقة، مختلقين قصصاً وافتراضات خيالية، عن تدخل قيادات إيرانية بالشأن الانتخابي وبزيارات سرية للعراق!
وبالصورة ذاتها تتحدث هذه الكيانات الخليجية عن الدور الإيراني في سورية ولبنان واليمن، بهدف تصديع خط الممانعة والمقاومة، لخدمة خطوط التطبيع المذل مع الكيان الصهيوني، وكل ذلك بسبب الموقف الإيراني من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ودعمه للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في التحرر واستعادة أراضيه.
في الـ4 من تشرين الأول الجاري، أعلنت وكالة الأناضول الرسمية، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استقبل في مكتبه بالمجمع الرئاسي في العاصمة التركية بأنقرة، كلاً على انفراد، رئيس مجلس النواب العراقي رئيس «تحالف تقدّم» محمد الحلبوسي، والأمين العام للمشروع العربي في العراق رئيس «تحالف عزم» خميس الخنجر، مكتفية بنشر صورة للرئيس التركي مع الحلبوسي وأخرى مع الخنجر وقوفاً وخلفهما علمان تركيان! من دون ذكر أي تفاصيل عن طبيعة اللقاءين وما دار فيهما.
الحلبوسي والخنجر اللذان امتثلا لدعوة الرئيس التركي أردوغان، ولقائه قبل 6 أيام من موعد الانتخابات النيابية المبكرة في الـ10 من تشرين الأول الجاري، أكدا تبعية أبرز قيادات المنطقة الغربية المطلقة لأفكار أردوغان وطموحاته في إعادة السيطرة العثمانية على مقدرات العراق وسورية معاً، وخاصة أن كليهما لم يعلن في أي وقت من الأوقات رفضه للاحتلال التركي للأراضي العراقية، أو إدانتهما لتوغل القوات التركية في عمق الأراضي العراقية وإقامة 37 موقعاً عسكرياً لها، منها قاعدة عسكرية تبعد عن الحدود التركية العراقية 140 كم، كقاعدة «بعشيقة» التي تبعد عن مركز مدينة الموصل 12 كيلومتراً! ما يبين مدى الهيمنة الأردوغانية على أكبر تحالفين انتخابيين في غرب العراق، ومستوى التدخل في الانتخابات النيابية العراقية. وضمن الأجواء الانتخابية هذه، صدقت الهيئة القضائية الانتخابية في محكمة التمييز في الـ5 من تشرين الأول الجاري، على قرار مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، القاضي باستبعاد حيدر الملا القيادي البارز في «تحالف تقدم» الذي يرأسه الحلبوسي، استناداً إلى المادة 14 من نظام الحملات الانتخابية، بعد الاستماع إلى تسجيل صوتي له خلال الحملة الانتخابية، ورد فيه عبارات نابية وإشادة بالتطبيع مع إسرائيل والتهجم على النظام السياسي! في ظل بذخ لافت في الحملات الانتخابية لـ«تحالف عزم» الذي يدور في الفلك التركي والقطري، و«تحالف تقدّم» المدعوم إماراتياً، حيث كان الحلبوسي قد التقى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي في الـ28 من أيلول الماضي!
الكيانات الخليجية وأبواقها في المنطقة، تجاهلت لقاء الحلبوسي والخنجر بأردوغان، مكتفية بتمرير الخبر بشكل مقتضب، من دون أي تعليق أو انتقاد للقاء، ووفق المثل الشامي «هون حفرنا، وهون طمرنا»، فماذا لو كان الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي هو من التقى الحلبوسي والخنجر بدلاً من الرئيس التركي أردوغان؟
تركيا عضو في الناتو، وعلى أراضيها قواعد عسكرية أميركية كبيرة، وتقيم علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني، وقد كانت في السنين الماضية تجري مناورات عسكرية مشتركة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهي في الوقت ذاته تحتل أراضي عراقية وسورية، ولا أحد من هؤلاء يدين النظام التركي! أو يوجه أي انتقاد للتدخل التركي بالشؤون العراقية والسورية واحتلال أراضيهما، مكتفين بتوجيه سهامهم وانتقاداتهم وافتراءاتهم لإيران فقط التي ليست عضواً في الناتو، ولا تقيم أي علاقات مع الكيان الصهيوني، وليس على أراضيها أي قواعد أميركية تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
«عجبت لك يا زمن»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن