قضايا وآراء

تهادي السفينة للرسو

| عبد المنعم علي عيسى

سرت في أعقاب انعقاد القمة الروسية الأميركية الأخيرة في جنيف 16 حزيران الماضي، تقارير تشير إلى أن نتائج تلك القمة لا يمكن حصرها بالبيانين الصادرين عنهما، ولا بتصريحات مسؤولي البلدين التي تناولت الحدث وما أفضى إليه، قبل أن تضيف، تلك التقارير، أن ما جرى التوافق عليه بين الرئيسين الروسي والأميركي، بشأن الأزمة السورية، سوف يظهر تباعاً وبشكل تدريجي.

كان أول ما تكشف هو رهان واشنطن على أن يفضي توافق جنيف على استصدار قرار عن مجلس الأمن يقضي بتمديد إدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر «باب الهوى» على الحدود السورية التركية، ثم راحت واشنطن تعلن، عبر العديد من منابرها، أن فعلاً من هذا النوع سوف يرسي لأرضية جديدة من شأنها أن تؤسس لتوافقات أخرى، وفقا لرؤية «خطوة مقابل خطوة» التي سبق لواشنطن أن سوقتها كمنهج للتعامل مع موسكو في سورية، وما جرى هو أن موسكو مضت نحو تمرير القرار 2585 يوم 9 تموز الماضي، أي قبيل يوم واحد من انتهاء مفاعيل القرار 2533، الأمر الذي شكل انعطافة كبرى على طريق التلاقيات التي راحت توسع من طرقاتها، وفي الآن ذاته راحت غرف الملاحة المعنية ترسل إشاراتها للسفينة السورية تمهيداً لمراصفتها في ميناء آمن.

ما بعد هذا الحدث الأخير، الذي نقصد به صدور القرار آنف الذكر، راحت الأحداث تتخذ لوناً وشكلاً مختلفين عما سبق، حتى الأحداث الساخنة التي اندلعت خلال شهري الصيف الأخيرين في درعا ومحيطها، كانت من نوع مغاير لنظيرتها في مطلع الأزمة عامي2011 و2012 في الجغرافيا نفسها، الأمر الذي تمظهر في التهاوي السريع للفصائل المسلحة التي بدت من دون دعم إسنادي إقليمي، أو دولي، ما أفقدها عناصر القوة التي كانت تمتلكها إبان هذين العامين الأخيرين، ناهيك عن أن التوتر الأخير كان تعبيراً عن محاولة سعى إليها بعض الأطراف الإقليمية التي وجدت في مسار السفينة الماضي نحو المراصفة في الميناء إضرارا بمصالحها، ونسفاً لمشروعها الآخذ بالتآكل وفق العديد من المؤشرات التي ما انفكت تتراكم، فعمدت، والحال هذه، إلى محاولة خلط الأوراق من جديد، وهذا مؤشر أكيد على أن «حلف المتضررين» بات تأثيره هامشياً في الأحداث، هذا إن لم يكن يصح توصيفه على أنه يغرد من خارج السرب.

اتجاه الأحداث المختلف لوناً وشكلاً، اتخذ في شهر تموز الماضي نقطة انعطافية حاسمة، بل يصح وصفها بنعي أميركي كامل المواصفات لـ«قانون قيصر» لكن من دون الإعلان عن مواعيد الدفن، حيث الإبقاء على «الجثة» في الثلاجة أمر يمكن فهمه هنا في سياق منهجية «الخطوة مقابل خطوة» آنفة الذكر، وتلك الانعطافة تمثلت في إعلان السفيرة الأميركية في لبنان دورثي شيا شهر آب الماضي عن أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، تدرس منح لبنان استثناء من «قانون قيصر» يتيح له استجرار الغاز والكهرباء المصريين عبر الأراضي الأردنية والسورية، قبيل أن تعلن الرئاسة اللبنانية في 19 آب الماضي عن تلقيها موافقة صادرة عن واشنطن، عبر سفارتها في بيروت، تشي بأن ذلك «الاستثناء» بات نافذاً، مع الإشارة إلى أن هذا الأخير كان بمدة زمنية محددة لا تتجاوز الـ180 يوماً بعدها تنظر واشنطن فيما إذا كان تمديد الفترة السابقة الذكر أمراً «يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي»، هنا تبرز من جديد رؤية الخطوة الواحدة التي يليها التريث لتحديد النتائج قبيل المضي قدماً في خطوة أخرى جديدة، ومن المؤكد أن هذا الفعل الأخير من النوع المؤسس لتحولات جيوسياسية كبرى في المنطقة.

ثالث المحطات التي سجلت لوناً مختلفاً في طريقة تعاطي واشنطن مع الشأن السوري، جاءت في أتون زيارة وفد المعارضة السورية إلى هذي الأخيرة قبل أيام، والزيارة من حيث النتيجة كانت فاشلة بكل المقاييس، وأهم ما فيها هو تغير المصطلحات التي كانت تستخدم أميركياً حين الإتيان على مناقشة الشأن السوري، وللأمر مدلولاته التي تعني الكثير، إذ لطالما كانت المصطلحات المستخدمة في تناول الحدث – الأزمة، تحدد إلى درجة بعيدة الرؤيا التي يعتمدها القائم بالفعل تجاه ذلك الحدث، وتغيرها يعني بالتأكيد تغيراً في تلك الرؤيا، وانعطافاً في طريقة تفكيره بالحلول المطروحة للمعالجة.

لربما كان البيان الذي أصدره وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يوم الخميس الماضي 14 تشرين الأول الجاري في أعقاب لقائه بنظيريه الإماراتي والإسرائيلي أوضح موقف يتخذه مسؤول أميركي من الأزمة السورية منذ اندلاعها العام 2011، وبمعنى أدق أوضح موقف يحدد ماذا تريده الولايات المتحدة من سورية، وعلى الرغم من أن بلينكن كان قد ذهب إلى ذكر أربع نقاط أساسية في ذلك السياق، وهي من الوضوح حيث تقدم صورة وافية، لكن «زبدة» البيان تمثلت في المهمة الإضافية الملحقة بتلك الأساسيات التي قال إنها تتمثل في «المضي قدماً نحو إقرار تسوية سياسية أوسع للصراع السوري تتماشى مع قرار مجلس الأمن ذي الرقم 2254».

يدرك بلينكن أن ذلك المضي له موجباته، ومقدماته التي يجب أن تتوافر قبيل ولوج السفينة نحو ذلك الميناء، وكلا الأمرين، الموجبات والمقدمات، ضروريان لنجاح هذا الفعل الأخير، ولذا نراه يذهب نحو حل وسط يمكن لحظه بين السطور، وهو يتمثل في أن إدارة بايدن لن تذهب إلى تطبيع علاقاتها مع دمشق، أقلّه راهناً، لكنها بالمقابل لن تقود حملة لإقناع حلفائها في المنطقة بعدم القيام بذلك الفعل، ولن تستل سيفها لمعاقبة من يقرر الذهاب في مسار كهذا كما كانت تفعله إدارة سلفه دونالد ترامب.

هذا مؤشر على أن واشنطن قررت الوقوف على شاطئ الميناء ترقب من بعيد تراصف السفينة، هي لن تساعد، كما لن تقوم بفعل يمنع تمام الفعل، والراجح، والحال هكذا، أن سفينتنا تقف اليوم على أعتاب رسوها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن