قضايا وآراء

حراك أردوغان.. «مكوك حياكة» بلا خيوط

| منذر عيد

يبدو أن جميع تصريحات ووعيد رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان بخصوص المناطق التي يحتلها شمال شرق وغرب سورية كانت جعجعة بلا طحين، وجميع جولاته السابقة إلى سوتشي وواشنطن ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن قبلها مع الرئيس الأميركي جو بايدن، كانت كـ«مكوك حياكة» بلا خيوط، فلم تستطع نسج أي «قطبة أو حبكة» جديدة في خريطة الميدان السورية، ولم تستطع جميع إغراءاته الاقتصادية حينا، والتلاعب على المتناقضات الروسية- الأميركية أحياناً أخرى تغيير قناعة الجانب الروسي بضرورة القضاء على الإرهاب، وعودة جميع الأراضي السورية إلى حكم الدولة السورية.
تطورات الأيام الأخيرة المتسارعة، وقرقعة السلاح التي تسمع في أجواء منطقة «خفض التصعيد» من أرياف حلب وإدلب وحماة، وحجم التحشيد العسكري على جانبي خطوط التماس، تؤكد أن أبواب العودة إلى ما قبل قد أغلقت، وأن لا سبل أمام النظام التركي سوى أحد أمرين، إما خيار الحرب من دون دعم ولو معنوياً، سوى دعم التنظيمات الإرهابية «جبهة النصرة» والميليشيات المسلحة الموالية لها، وإما خيار التنفيذ المباشر والسريع لاتفاقية «سوتشي» 2018 في آذار 2020 بموسكو، وأهمها فتح الطريق الدولي M4 تمهيداً لخطوات لاحقة تعيد إدلب إلى السيادة السورية، وخاصة أن القرار في تطبيق ذلك يبدو أنه اتخذ من الدولة السورية وروسيا، وهو ما بدا جليا من خلال رسائل النار التي أرسلها الجانبان، السوري والروسي، باستهداف مقار جبهة النصرة الإرهابية في سرمدا بعمق إدلب.
إذا كان من أبرز مؤشرات ودلالات أحداث الأيام الأخيرة، هو تأكيد فشل أردوغان في حصد أي مكسب من قمة «سوتشي» الأخيرة نهاية الشهر الماضي، وعودته بخفي حنين من ذاك اللقاء، فإن أهم مؤشرات تلك الأحداث أن ماكينة حل الأزمة في سورية انطلقت وبدأت بالدوران على جميع الصعد، وهي التي عملت بالدوران سابقاً على الساحة الاقتصادية، وأن مساحة المناورة والتهرب باتت تضيق على النظام التركي، وأن الأحاديث عن مقايضة قد تتم على جبهة تل رفعت بريف حلب مقابل إدلب، هي مجرد تحليلات لا تتعدى الأماني، بأن يحتفظ الاحتلال التركي بموطئ قدم على الأرض السورية، تمكن ساسته من حجز مقعد لهم على طاولة الحل الكبرى، التي بات يستشعر بقرب انعقادها على ما يبدو، وهذا ما أكده موقع «المونيتور» الأميركي حين قال في أحد مقالاته: «لم تُظهر روسيا أي استعداد لمقايضة تل رفعت ومنبج بإدلب، ومن غير المرجح أن توافق على هجوم تركي جديد.. مستنقع سورية أنتج نوعاً من الجمود الهش بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة يمكن أن ينهار في أي وقت، لا يمكن لأردوغان التخلي عن الولايات المتحدة تماماً، كما هو الحال مع بوتين، إنه يحتاج على الأقل إلى وهم وجود خيار في التعامل مع بوتين للبقاء في اللعبة، هذه أيضاً ورقة رابحة للولايات المتحدة، إحباط الرئيس التركي هو أن سياسته الخارجية شخصية وعلى مستوى القمة».
مع إدراك رئيس النظام التركي أن المزاج الدولي العام قد تغير إزاء سورية، وأن انعطافات حادة بدأت ترتسم في المشهد العام السوري، فإن ثمة مؤشرات تؤكد مضي أردوغان قدماً باتجاه شن عدوان جديد على الأراضي السورية، خاصة في تل رفعت، لكسب نقاط جديدة تضاف إلى رصيده الداخلي المتهاوي، ورصيد حزبه «العدالة والتنمية» الذي يخسر الأرض، وهو على عتبات إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية 2023، يقول موقع «المونيتور»: «قد يكون أردوغان مستعدًا لتجاهل المخاطر الأمنية في محاولة لتحويل الانتباه عن مشاكل تركيا الاقتصادية المتفاقمة، نظراً لأن العمليات التركية الجارية عبر الحدود ضد المسلحين الأكراد المتمركزين في شمال العراق قد فقدت بالفعل قيمتها الإخبارية، فإن اندفاعاً جديداً في سورية من شأنه أن يغمر شاشات التلفزيون من خبراء الأمن والمعلقين الذين يشمتون بالإنجازات العسكرية للجيش التركي».
الضوء الأحمر الذي أشعلته موسكو في طريق عدوان تركي جديد على مدينة تل رفعت، على خلفية تكرار أردوغان هدف أنقرة من المدينة خلال لقائه بالرئيس بوتين في اجتماعهما في سوتشي في 29 أيلول، دفع برئيس النظام التركي إلى الارتماء مجدداً في حضن أميركا «البارد»، وإلى الرهان مجدداً على الحصول على ضوء أخضر أميركي لشن العدوان، متجاهلاً عدم اكتراث إدارة الرئيس جو بايدن بمخاوف تركيا، حيث جاء تبرير بايدن للكونغرس استمرار حالة «الطوارئ الوطنية» جراء شن قوات الاحتلال التركي هجوماً عسكرياً في شمال شرق سورية.
أحاديث الصفقات، وتحليل عمليات التبادل بين هذه المنطقة وتلك، سرعان ما سقطت جميعاً مع قيام الجيش العربي السوري بتعزيز الجبهة في تل رفعت، لتكون رسالة لا تحمل التأويلات ولا التحليلات برفض الدولة السورية أي أطماع تركية جديدة في أراضيها، وأن جميع الأراضي السورية المحتلة بالأهمية ذاتها، وعلى نسق واحد وجميعها وأولية في خريطة التحرير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن