قضايا وآراء

«نتفليكس» تريد عرض «قصص فلسطينية»!

| عبد المنعم علي عيسى

أعلنت شبكة «نتفليكس» العالمية يوم الخميس 14 تشرين أول الجاري أنها ستعرض مجموعة «قصص فلسطينية»، كانت قد ذكرت أن عديدها يبلغ نحواً من 32 فيلماً ومسلسلاً، لأفضل صانعي الأفلام العرب في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، والإعلان جاء على ذكر بعض من تلك الأفلام مثل فيلم «كأننا عشرون مستحيلاً» للمخرجة الفلسطينية المبدعة أن ماري جاسر، وفيلم «يد إلهية» للمخرج إيليا سليمان، إضافة إلى فيلمي «رجل يغرق» و«زينوس» للمخرج مهدي فليفل، ناهيك عن بعض الأفلام الأخرى التي لم يزد عديد المعلن عنها حتى الآن عن الثمانية.
وفي معرض تسويغ الإعلان سابق الذكر قالت شبكة «نتفليكس»: إن المجموعة، التي ستعرض، من المقدر لها أن تغطي أفلاماً من أنواع درامية متنوعة، وستستعرض عمق التجربة الفلسطينية وتنوعها لتروي قصصاً عن أشخاص عاديين: حياتهم وأحلامهم ومعاناتهم، ولربما كان ذلك التسويغ مقنعاً، أقله في ميله لمنح «التجربة» الفلسطينية مساحة تراها الشبكة كافية لعرض جوانب من حياة الفلسطينيين ومعاناتهم، وخصوصاً أن الشبكة سبق لها أن عرضت في غضون السنتين السابقتين مسلسلات جاءت كلها في سياق «أسطرة» قصص من نسج الموساد الإسرائيلي، من نوع مسلسل «الملاك» الذي يعرض لقضية أشرف مروان، الذي شغل ولفترة طويلة منصب مدير مكتب الرئيس المصري السابق أنور السادات، والذي راجت تقارير عنه مؤخراً، كانت في بعضها إسرائيلية، تشير إلى عمالة هذا الأخير لجهاز الموساد، على حين أشارت تقارير أخرى إلى أنه كان عميلاً مزدوجاً، ومسلسل «الجاسوس» الذي يعرض لقصة إيلي كوهين الذي أعدم في دمشق منتصف شهر أيار من العام 1965، والمسلسلان، ناهيك عن عشرات المسلسلات الأخرى التي أنتجت بين عامي 2017 و2019، يصبان في المستنقع عينه، ويحويان من المغالطات التاريخية ما يفقدهما أي قيمة توثيقية، وهي في كثير منها كانت من النوع المفضوح حتى للمشاهد العادي الذي سمع بهاتين القصتين من روايات الشارع، لكن الرهان هنا على مخاطبة أجيال ابتعدت بها المسافة عن تلك الروايات، ولربما هي في جلها، تبدو غير مكترثة باستحضار روايات كهذه من مصادرها الموثوقة بعدما ضغطت على ذواكرها حكايات أخرى أبعدتها عن «هواية» نبش التاريخ.
كان هذا السياق، الذي نقصد به «أسطرة» الموساد قد دفع صحفياً إسرائيلياً معروفاً هو «إيسان شور» للقول في معرض تسويغه لتلك الظاهرة: «وصلت ذراعنا الطويلة إلى هوليود سابقاً، والآن إلى «نتفليكس»، لقد تعمقنا العام 2018 وكأن السينما والتلفزيون الأميركيين أصبحا جزءاً من مركز تراث للمخابرات الإسرائيلية».
لكن ما، ومن، شبكة «نتفليكس» العالمية؟
تقول السيرة الذاتية للشبكة سابقة الذكر إنها شبكة ترفيهية كان قد أسسها الثنائي ريد هاستنغز ومارك راندوف في شهر آب من العام 1997 في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة، ووصل عدد مشتركيها في العام 2018 نحو 140 مليون مشترك، وهي توصل بثها إلى 190 دولة على امتداد العالم، والبيانات السابقة كانت قد استدعت مديح الشبكة من «نيويورك تايمز» التي قالت عنها في العام 2002 إنها «من أنجح مشاريع المواقع الإلكترونية في العالم»، وما سبق كله يشير إلى أن «الشبكة» تحظى بنسب مشاهدة من النوع المؤثر في العديد من الدول، وخصوصاً إذا ما صحت تلك التقارير التي تشير إلى أن نسبة الشباب ممن هم دون الخامسة والعشرين، من بين مشاهديها، يشكلون 72 بالمئة، ولذا فإن من الضروري القول إن ما تعرضه له تأثير مزدوج بفعل اتساع «جبهة» المشاهدين وتنوع أعراقهم وثقافاتهم أولاً، ثم بفعل غلبة شريحة عمرية صغيرة نسبياً على تلك الجبهة، ثانياً، وهذه الأخيرة غالباً ما تكون من النوع غير المحصن ثقافياً.
قد يكون السؤال الأبرز هنا هو: لماذا قررت «نتفليكس» عرض «قصص فلسطينية» الآن؟ ثم ما الغرض من ترك هذه المساحة الكبيرة نسبياً لتلك القصص؟
قد تكون الإجابة عن ذينك السؤالين شديدة التعقيد وهي تحتاج، لكي تفي بالغرض المرجو منها، إلى معطيات أخرى عديدة لا تتوافر حالياً، وبمعنى أدق فإنها لن تتوافر قبيل أن يكتمل الإعلان، أو يجري عرض، الـ24 مسلسلاً الباقية والتي لم يجر الإعلان عنها حتى الآن، وهذا لا يمثل بالتأكيد نوعاً من الطعن في هذه الأخيرة سواء أكان الفعل من ناحية الفكرة التي سعت إلى قولها، أم من ناحية الرسالة التي أرادت إيصالها لعالم ما انفك يصم آذانه تجاه قضية لطالما وصفها الكثيرون بأنها تمثل «وصمة عار» على جبين الإنسانية، لكن في الإعلام الذي يصح وصفه بأنه من النوع «السوبر» الذي يدار بحرفية فائقة من كوادر تشرف عليه عالية التدريب، ما يمكن إدراج «نتفليكس» تحت رايته، نقول في ذلك الإعلام هناك منهجية معقدة، وهي تتمتع بنفس طويل يتيح لها ممارسة فعل الحفر في الصخر على طريقة قطرة الماء التي تعتمد في فعلها على تساقط رتيب لا ينقطع، وكذا على صبر لا يعرف اليأس، وبمعنى أوضح فإن ذلك النوع من المنابر قد يذهب إلى عرض فيلم، أو مسلسل بحلقات عدة، من أجل جملة واحدة، أو من أجل حوار قد لا يدوم لأكثر من بضع دقائق، على حين تبدو السياقات العامة، أمام المشاهد، وكأنها لا تخدم الأغراض التي يسعى إليها المنبر الذي يشاهد منه ذلك العمل.
بالتأكيد يمكن الجزم بأن خطوة «نتفليكس» سابقة الذكر تندرج في إطار فعل قطرة الماء في الصخر، ولا يمكن لمن أنتج، وعرض، فيلمي «الجاسوس» و«الملاك» أن يكون حياديا تجاه قضية سوف يعرض لبعض قصصها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن