اقتصاد

ثورة الثمانينيات

| عامر إلياس شهدا

أعجبني تصريح وزير الزراعة حين قال لابد من العودة لثورة الثمانينيات.

من يعتقد أن الرهان على عودة العلاقات العربية مع دمشق واستثناءات قانون قيصر وغض النظر الأوروبي عن العقوبات الاقتصادية على الشعب السوري سيحسن الوضع الاقتصادي السوري، يعتبر ذلك ضرباً من الخيال بغياب سيناريوهات اقتصادية سورية تسهل استثمار عودة العلاقات مع دمشق من دون إسقاط ضرورات سياسية قد لا تضع أي اعتبار للوزن الاقتصادي رغم أنه ملح. وهذا أمر دولي طبيعي في الملعب السياسي.

المشهد بالمختصر كمن يبحث عن إدخال السمك ليربيه في صحراء لا ماء فيها. عودة العلاقات ستسهل إدخال السمك نعم إلا أننا لا نملك الماء للحفاظ على حياة السمك رغم وجود الماء ولكن بغياب الفكر المساعد على استخراج واستثمار الماء.

وزير الزراعة استشعر الخطر وطالب بالعودة إلى ثورة الثمانينيات، أيقن وزير الزراعة أنه في تلك الفترة كانت هناك قامات زراعية اقتصادية استطاعت هذه القامات وبغياب الكثير من المقومات أن تبني منظومة زراعية متينة خلقت احتياطيات إستراتيجية للمنتجات الزراعية وعلى رأسها القمح الذي وصل إنتاجه بأحد المواسم إلى 7 ملايين طن وخلقت منظومة زراعية من أقوى المنظومات في العالم.

رغم الحصار الاقتصادي على سورية وإطلاق مشروع التوازن الإستراتيجي العسكري مع إسرائيل في تلك الفترة استطاع العقل السوري أن يخلق احتياطياً من القطع الأجنبي والذهب، واستطاع أن يحصر حاجة البلد من كميات المواد الأساسية الاستهلاكية عن طريق دفتر العائلة، فحقق بذلك وفراً وتلافي هدر القطع الأجنبي. وكل ذلك حدث بغياب أي استثمار صناعي في سورية سوى معامل النسيج والكونسروة والمنظفات وورشات بسيطة.

يا سادة يا كرام.

الزراعة في الثمانينيات والتسعينيات حققت موارد من القطع الأجنبي لم تستطع الاستثمارات الصناعية التي دخلت سورية لاحقاً أن تحققه.

إن الوضع الاقتصادي السوري لا يمكن أن يستقيم بغياب رؤية وعدد من السيناريوهات الاقتصادية وإعادة الثقة بالفكر الاقتصادي السوري من خلال الشفافية المغيبة ومن خلال خلق ورش عمل تبث مؤشرات الإرادة والجدية في العودة لبناء أساس متين يمكن سورية من استثمار عودة العلاقات مع دمشق والانفتاح الاقتصادي عليها فمن أهم المؤشرات التي تخلقها ورش العمل هي:

أولاً: حصر عدد الأسر المقيمة في سورية.

ثانياً: احتساب الكميات اللازمة للاستهلاك من المواد الأساسية والمشتقات النفطية والأدوية لإيقاف هدر القطع الأجنبي ومحاربة الاحتكار والسوق السوداء التي نشأت بسبب إهمال احتساب العدد والكميات المعتمدة من كل دول العالم.

ثالثاً: احتساب الحاجة الحقيقية من القطع الأجنبي لتمويل الاستيراد وإعادة ترميم الاحتياطيات منه.

رابعاً: خلق قاعدة بيانات توضح أعداد الكوادر المهنية والعلمية التي هاجرت خلال فترة الحرب ووضع سيناريو لتعويضها.

خامساً: خلق قاعدة بيانات لاقتصاد الظل توضح أعداد المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر التي نشأت قبل وخلال فترة الحرب.

سادساً: وضع ضوابط وإجراءات لخلق بيانات توضح أعداد المهاجرين الجدد أو الراغبين في الهجرة وهذا الأمر لا يحتاج لمجهود فكري كبير فالبنى التحتية لتجسيده موجودة ولكن ينقصها فكر لاستثمارها.

سابعاً: الوقوف على الوضع الحقيقي للكتلة النقدية المتداولة ووضع سيولة المصارف.

ثامناً: إعادة النظر بأسلوب وإجراء وضع الموازنة العامة للدولة حيث تبنى على أساس قاعدة بيانات صحيحة ويفضل للوصول إلى موازنة حقيقية لا تتضمن هدراً للموارد، أن نبدأ بموازنة صفرية لثلاثة أعوام متتالية.

تاسعاً: خلق قاعدة بيانات حقيقية وواقعية بأملاك الدولة المنقولة وغير المنقولة.

أعتقد أن البدء بهذه الأعمال سيساعد على عودة الثقة والتفاؤل وينعكس ذلك أيضاً على الانفتاح الاقتصادي المنتظر حيث يعطي انطباعاً بأن أي تعاون اقتصادي مع أي دولة سيكون مبنياً على أسس علمية واضحة تحقق المصالح الاقتصادية السورية أولاً، ولن تكون غوغائية ولن تعتمد على بروباغندا إعلامية إعلانية وإنما على قواعد بيانات حقيقية توضح الحاجة الفعلية للاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن