سورية

الرئيس الأسد قلّده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة … صباح فخري.. حمل رسالة الفن الأصيل والتراث السوري العريق بثبات وشموخ وصلابة

| وائل العدس

لكل حضارة ولكل بلد أعمدة وثوابت وركائز يستند عليها، ويستمد قوته من قوتها وصلابتها، وفي سورية الكثير والعديد من الركائز التاريخية والثقافية والفنية التي صنعت هويتنا الحضارية، وأحد أهم هذه الأعمدة الثقافية الفنية الصلبة اسم حمل رسالة الفن الأصيل والتراث السوري العريق طوال عقود من الزمان بثبات وشموخ وصلابة تضاهي صلابة وشموخ قلعة حلب.

إنه الأسطورة الحية صباح فخري الذي غادر الحياة يوم أمس عن عمر 88 عاماً، كان فيها الفنان الذي لحن فأبدع، وغنّى فأطرب، ووقف فأطال وأجاد، وكان أهم من وقف على مسرح في الزمن وجودة الصوت والقدرة على التميز على طول الساعات.

صباح فخري الذي تعشّق النغم والموسيقا، فكان أن توجه بنداء «الله أكبر من المآذن» ليصل إلى ملكوت اللـه في نقاء صوت وإبداع الكلمة.

غنّى للحب فلم يتهافت، وأخذته نشوة الصوفية فكان إماماً، وغنّى للوطن فكان سارية علمٍ في الفن والإبداع ونادى الشهيد فجعل الشهيد حياً دوماً.

غنّى الفصحى فجعلها تدور على الألسنة، وكأنها كلمات شعبية يتداولها الناس، يرددها الكبار والصغار، النخبة والعامة، ولا تحلو الجلسات من دونها، ولم يتذكر أحد أنها فصحى، وغنّى العامية فارتفع بمقدارها لتخرج من إطارها الشعبي إلى مصاف الطرب الراقي العظيم.

هو قيمة نادرة لها فضل كبير لا ينسى على الموسيقا والتراث السوريين ولا حتى بعد ألف عام، فقد حمى هذا التراث ونظمه بطريقة أكاديمية.

فخري ليست نسبته وإنما هي تقدير لفخري البارودي الذي رعى موهبته، أما اسمه الحقيقي فهو صبحي أبو قوس.

سيرة غنية

صباح فخري من مواليد حلب 1933 ويعتبر من مشاهير الغناء في سورية والوطن العربي وعلم من أعلام الموسيقا الشرقية، واشتهر كواحد من أهم مطربي الشرق، وقد أقام حفلات غنائية في بلدان عربية وأجنبية كثيرة وطاف العالم وتربع على عرش فن الغناء والقدود الحلبية.

ظهرت موهبته في العقد الأول من عمره، ودرس الغناء والموسيقا مع دراسته العامة في تلك السن المبكرة في معهد حلب للموسيقا وبعد ذلك في معهد دمشق، وتخرج عام 1948 بعد أن درس الموشحات والإيقاعات ورقص السماح والقصائد والأدوار والصولفيج والعزف على العود.

ومن أساتذته من أعلام الموسيقا العربية كبار الموسيقيين السوريين الشيخ علي الدرويش والشيخ عمر البطش ومجدي العقيلي وإبراهيم الدرويش ومحمد رجب وعزيز غنام، وقد كان في شبابه موظفاً بأوقاف حلب ومؤذناً في جامع الروضة هناك.

والده كان مقرئاً للقرآن الكريم ومنشداً صوفياً، ووالدته من أسرة دينية ذات تقاليد في الإنشاد الديني وحلقات الذكر الصوفي.

التحق بالتعليم في المدرسة القرآنية في حلب، حيث تعلم مبادئ العربية وعلوم البيان والتجويد والدين الإسلامي حتى عام 1947.

أول موال له كان «غرد يا بلبل وسلّ الناس بتغريدك» عام 1946وقد علمته إياه إحدى صديقات والدته، وتتالت جلساته مع صديقات والدته وجاراتها وبدأ يتعلم منهن ما كان يُغني في تلك الجلسات.

اصطحبه أخوه الأكبر عبد الهادي إلى مجالس الطرب، وهناك تعرف على عازف العود والملحن السوري محمد رجب، فتعلم منه موشح «يا هلال غاب عني واحتجب».

اختار له عازف الكمان الحلبي الشهير الذي صحبه في عروضه في مختلف المدن السورية اسم محمد صباح.

سمعه الموسيقار محمد عبد الوهاب وقال له: «مثلك بلغ القمة، ولا يوجد ما أعطيك إياه». وبقي الاثنان صديقين حتى رحيل عبد الوهاب.

وخلافاً للكثير من الفنانين العرب، لم يدرس أبداً في القاهرة أو يعمل فيها، مصراً على أن شهرته مرتبطة بالإرث الفني في موطنه سورية.

اشترك في العديد من الصور الغنائية بالإذاعة السورية كما اشترك بالغناء في بعض المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية.

من أعماله السينمائية فيلم «الوادي الكبير» مع المطربة وردة الجزائرية، كما شارك في فيلم «الصعاليك» عام 1965 مع عددٍ من الممثلين مثل دريد لحام ومريم فخر الدين، ومن برامجه التلفزيونية «أسماء اللـه الحسنى» مع عبد الرحمن آل ـرشي ومنى واصف وزيناتي قدسية، ومسلسل «نغم الأمس» مع رفيق سبيعي وصباح الجزائري، حيث سجل ووثق ما يقارب 160 لحناً ما بين أغنية وقصيدة ودور وموشح وموال وكان محافظاً على التراث الموسيقي العربي الذي تنفرد فيه حلب.

لحن وغنّى قصائد عربية لأبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني ومسكين الدارمي، كما غنى لابن الفارض والرواس وابن زيدون وابن زهر الأندلسي ولسان الدين الخطيب.

كما لحن لشعراء معاصرين مثل فؤاد اليازجي وأنطوان شعراوي وجلال الدهان وعبد العزيز محي الدين الخوجة وعبد الباسط الصوفي.

غنى في كثير من المهرجانات، منها «تدمر، المحبة» في سورية، «جرش، شبيب، الفحيص» في الأردن، «بيت الدين، عنجر، عاليه «في لبنان»، «مهرجان الربيع في الموصل» في العراق، «سوسة، قرطاج، الحمامات، القيروان، «صفاقس» في تونس، «فاس» في المغرب، «مهرجان الموسيقا العربية» في مصر، «مهرجان الموسيقا الشرقية» في فرنسا، «مهرجان الثقافة» في قطر، «مهرجان الفرين الثقافي» في الكويت.

كما غنى باللغة العربية في العديد من الدول في قارات أوروبا وآسيا والأميركيتين وأستراليا.

دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية من خلال غنائه على المسرح مدة تتجاوز عشر ساعات متواصلة من دون استراحة في مدينة كاراكاس الفنزولية عام 1968.

شغل عدة مناصب منها نقيب الفنانين لأكثر من مرة، ونائب رئيس اتحاد الفنانين العرب، وعضو في مجلس الشعب في دورته التشريعية السابعة لعام 1998، وعضو في اللجنة العليا لمهرجان المحبة في اللاذقية، وعضو في اللجنة العليا لمهرجان الأغنية السورية والمدير العام للمهرجان الأول والثامن.

حصد الكثير من الجوائز والتكريمات، لعل أهمها وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة في 12 شباط 2007 في دمشق تقديراً لإنجازاته الكبيرة والمتميزة في خدمة الفن العربي السوري الأصيل وإسهامه في إحياء التراث الفني الذي تزخر به سورية والمحافظة عليه.

وكنوع من الرد المباشر على انحطاط الغناء العربي في معظم نماذجه، أسس صباح فخري معهداً فنياً في مدينة حلب سماه «معهد صباح فخري للموسيقا والغناء» هو الأول من نوعه لجهة طريقة التدريس، وتعليم اللغة العربية والتجويد.

سيرة وتراث

خلال الشهر الرابع عام 2019، أقامت وزارة الثقافة حفل توقيع كتاب «صباح فخري.. سيرة وتراث» حضرها الفنان الراحل بنفسه في مكتبة الأسد الوطنية.

ويتطرق الكتاب لحياة صباح فخري منذ طفولته المبكرة حتى شيخوخته المهيبة، إضافة إلى دراسة عن التراث وكل البيئة المحيطة فيه والأشياء التي ساعدته في تقديم كل هذا الإبداع، والمحطات التي مرّ بها وكيف عمل كرجل منذ أن كان طفلاً.

وتطرق أيضاً إلى كل شيء في حياته، فلسفته وإيمانه ونظريته بالحياة وتصوفه وثقافته ويثقف نفسه بنفسه وحفظه قصائد عديدة عبر مخزونه اللغوي الكبير والثقافي العظيم.

وسام الاستحقاق

عام 2007، قلد السيد الرئيس بشار الأسد الفنان صباح فخري وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة وذلك تقديراً لإنجازاته الكبيرة والمتميزة في خدمة الفن العربي السوري الأصيل وإسهامه في إحياء التراث الفني الذي تزخر به سورية والمحافظة عليه.

تكريمات كثيرة

قبل عامين، وقف آخر مرة على مسرح الأوبرا في دار الأسد للثقافة والفنون ضمن الفعاليات الفنية المرافقة لمعرض دمشق الدولي بنسخته الحادية والستين، حيث أحيت الفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية بقيادة عدنان فتح اللـه حفلاً تكريمياً لأحد رموز الفن العربي، أحياه ستة فنانين من تلامذته عبر عدة أجيال وهم صفوان العابد ومحمود فارس وأحمد خيري وعبود حلاق وفارس أحمر وأنس صباح فخري، فقدموا أجمل الأغنيات والموشحات والمواويل وقدم وزير الثقافة حينها محمد الأحمد درعاً تكريمياً لصباح فخري.

نال شهادة تقديرية من محافظ مدينة لاس فيغاس مع مفتاح المدينة، وقلد مفتاح مدينتي ديترويت في ولاية ميشيغان ومفتاح مدينة ميامي في ولاية فلوريدا مع شهادة تقديرية، وأقامت له جامعة U. C. L. A حفل تكريم في قاعة رويس وقدمت له شهادات التقدير.

أقام له الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة حفل تكريم وقلده وسام تونس الثقافي عام 1975، كما قدم له سلطان دولة عُمان السلطان قابوس وسام التكريم في عام 2000.

نال الميدالية الذهبية في مهرجان الأغنية العربية بدمشق عام 1978، وجائزة الغناء العربي من دولة الإمارات العربية المتحدة.

كرمته وزارة السياحة المصرية بجائزة مهرجان القاهرة الدولي للأغنية، وكرمه مهرجان ومؤتمر الموسيقا العربية في مصر، وقدّمت له كتب الشكر لمشاركته ومساهمته لعدة سنوات في المهرجانات، التي أقيمت على مسرح دار الأوبرا الكبير ومسرح الجمهورية في القاهرة، ومسرح قصر المؤتمرات في الإسكندرية.

من خلال مشاركته في مهرجان فاس للموسيقا العالمية العريقة في دورته العاشرة لعام 2004، قدّم له رئيس جمعية فاس سايس شهادة تقدير وشكر والعضوية الفخرية لمجلس إدارة المهرجان.

قدم له محافظ مدينة فاس مفتاح المدينة مع شهادة تقدير وشكر والعضوية الفخرية لمجلس المدينة وهذه هي أول مرة يمنح فيها مفتاح المدينة لفنان عربي أو أجنبي.

قدمت له المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في عام 2004 الجائزة التقديرية، مع درع المنظمة ووثيقة الأسباب الموجبة لمنح الجائزة، لحفاظه على الموسيقا العربية ونشرها.

ورد ذكر صباح فخري في موسوعة مايكروسوفت» الإنكارتا Encarta»، بصفته رمزاً من رموز الغناء العربي الأصيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن