قضايا وآراء

أردوغان.. خيبات الحساب بين الحقل والبيدر

| منذر عيد

هل سقط رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان في فخ حماقته وأوهامه العثمانية، وهل خابت حساباته بين الحقل والبيدر، عندما حصد «الزيوان» من حقول سورية بعد ما ظن أنه بذر فيها قمحاً! أم إن مجريات الأحداث تفضي بأن تصل الأمور على خطوط التماس «السياسية والعسكرية» مع النظام التركي إلى ما وصلت إليه؟
قبل الدخول في الحديث عن سلسلة الانزياحات المرتقبة في الخريطة الميدانية والسياسية السورية، لا بد من الإشارة إلى حالة الوحدة التي بات يعيشها رئيس النظام التركي، سواء على مستوى الهزيمة أمام منافسيه من المعارضة داخلياً، أم على مستوى الخيبات المتلاحقة من عدم قدرته على الحصول على ضوء أخضر، أميركي أو روسي، للمضي قدماً في سياسته العدوانية التي ينتهجها إزاء سورية، خاصة بعد تأكيد الأحداث الحالية أنه عاد بخفي حنين من لقاء سوتشي الأخير مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبلا نتائج من لقائه قبل يومين مع الرئيس الأميركي جو بايدن على هامش قمة مجموعة العشرين، حيث أكد مسؤول أميركي قبل اللقاء أن بايدن سيحذر أردوغان من تصرفات متهورة لن تفيد العلاقات الأميركية التركية وأنه يجب تحاشي الأزمات، وهذا الأمر يبدو أنه تم بالفعل، حيث أشار بيان البيت الأبيض، الذي صدر عقب اللقاء، إلى أن بايدن وأردوغان بحثا الوضع في سورية، وتم التأكيد على المسار السياسي والمساعدات الإنسانية، ما يعني عدم التطرق إلى احتمالات التصعيد العسكري، خيبة أمل لم يستطع أردوغان كتمانها بل خرجت في جملة من التصريحات العدائية واتهامه واشنطن بدعم «الإرهاب» في سورية.
تسير الرياح بعكس سفينة أردوغان في بحار أزمات المنطقة، وعلى ما يبدو فإن كثرة الضغط الذي يمارسه النظام التركي تجاه سورية، لحصد شيء من المكاسب، قد أتى بعكس ما يسعى إليه، وتسبب ذاك الضغط بجملة من الانزياحات والتطورات لم تكن أبداً في حسابات أردوغان على ما يبدو، بل إن حملة التهديد والوعيد، وحرب المنابر التي شنها منذ أيام ضد سورية، انقلبت وبالاً عليه، وأفرزت معطيات لم تكن لتحدث قبل تلك التصريحات والتهديدات، ومثال ذلك المناورات العسكرية السورية الروسية بالذخيرة الحية على خطوط التماس مع الاحتلال التركي وميليشياته في تل تمر شمال الحسكة، ولاحقاً في بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي، مناورات تحمل في طياتها أبعد من تدريبات اعتيادية، أو استعراض لقوة كما يحدث في العادة بمجمل المناورات حول العالم، بل هي رسالة روسية سورية مشتركة مباشرة من دون وسيط إلى النظام التركي بأن فكرة شن عدوان جديد على مناطق في سورية، ومهما كانت المبررات والذرائع لن يكون بالسهولة التي يتوقعها الاحتلال التركي، الأمر الذي أكده تلفزيون «زفيزدا» الروسي بشكل غير مباشر بقوله: «ويطير المشاركون في التدريب الجوي السوري الروسي على طائرات «سو-24»، مشيراً إلى أن قاذفات القنابل الرهيبة هذه تظل تخدم العلم الوطني في سورية وقد خاضت الكثير من المعارك ضد المسلحين. ويقودها طيارون محنكون مثل من يقود إحدى طائرات «سو-24» على مدى 22 عاماً حتى الآن، بل إن تلك المناورات تحمل رسالة من موسكو أبعد من منطقة الشمال الشرقي، بأن المرور إلى طريق «M4» غير ممكن، وأن هناك أموراً أخرى أهم تم الاتفاق وتعهد النظام التركي بتنفيذها في إدلب، وعليه فعل ذلك قبل التهور والقيام بعمل غير محمود النتائج في شمال شرق سورية.
المتغيرات الناتجة عن تهديد النظام التركي تجاوز أرض الميدان العسكرية، ووصل إلى إحداث تغيير في عقلية وتفكير «الكرد الانفصاليين» في سورية، وهذا ما دفع بما يسمى «حزب الاتحاد الديمقراطي – با يا دا»، و«الإدارة الذاتية» الكردية الانفصالية للإعلان على لسان عضو هيئة الرئاسة المشتركة لـ«الحزب» ألدار خليل أنهما جاهزان للحوار مع دمشق بشكل مباشر بعد استشعار جملة من المخاطر وقراءة العديد من المتغيرات، من جملتها تأكد أردوغان أن عملية دعم الولايات المتحدة للمسلحين الأكراد في سورية لن تستمر على النحو الذي جرت به حتى الآن، إضافة إلى إشارة مدير الاتصالات في مؤسسة أولويات الدفاع الأميركية مايكل هول في مقال بصحيفة «ناشيونال إنترست» إلى أنه بدلاً من استخدام القوات الأميركية كحامية لأكراد سورية، سيكون من الحكمة إنهاء التدخل العسكري الأميركي في سورية، قائلاً: «صحيح أن الأكراد قاتلوا جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية، لكن اتخاذ الولايات المتحدة إجراء حركياً دفاعاً عن الأكراد ضد تركيا، حليف الناتو الذي يستضيف أسلحة نووية أميركية أمر غير وارد، وعلى الرغم من أننا يمكن أن نكون ممتنين للمساعدة الكردية، إلا أنه من الجدير الاعتراف بأنه في حين أن المصالح تتوافق في بعض الأحيان، فإنها تتباعد أيضاً وليس هناك سبب للاعتقاد بأن الأكراد، أو أي شخص غير أميركي، يستحقون الحماية الدائمة التي توفرها الولايات المتحدة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن