ثقافة وفن

الحروف العربية الجميلة أصولها ومخارجها نطقاً ولغة

| د. رحيم هادي الشمخي

إن الحروف العربية، أو الأصوات اللغوية العربية، كما اصطلح عليها حديثاً، ليست سواء من حيث سهولة تحقيقها والتلفظ بها، فهي تتفاوت في مخارجها، وفي ما لها من ارتكازات مبثوثة من أقصى الحلق إلى الشفتين.
فأعمق الحروف مخرجاً تلك التي تسمى «حروف الحلق» وهي عند الخليل: ع ح ه غ خ، وجعل سيبويه «الهمزة» منها، ثم يلي هذه المجموعة حرفان هما ق ك، وهما لهويان، ينطلقان من مدرجة أخرى بعد الحلق، هي اللهاث أما الـ «ج ش ض» فتسمى شجرية، والشجر مفرج الفم، ومن وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين، ومن أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد، وتلي هذه المجموعة مجموعة الحروف الأسلية، وهي «ص س ز» وسميت كذلك لأن مبدأها من أسلة اللسان، وهي مستدق طرف اللسان، والطاء والتاء والدال نطقية، لأن مبدأها من قطع الغار الأعلى في الفم، والظاء والذال والثاء لثوية، لأن مبدأها من اللثة، والراء واللام والنون ذلقية، وذلق اللسان كذلق السنان، بمعنى طرفه، والفاء والباء والميم شفوية، وسماها الخليل شفهية أيضاً، وللشفتين دور كبير في إخراج هذه المجموعة الأخيرة والتصويت بها، أما الواو والألف والياء فهي هوائية، ليس لها مخرج معين في جهاز النطق، وإنما يعد فراغ الفم كله مدرجة لها، فهي تنطلق في هذا الفراغ، لا يعوقها شيء، ولا تتوقف عند نقطة معينة في الفم، هذا هو ترتيب الخليل بن أحمد للحروف، ولسيبويه ترتيب آخر، يختلف قليلاً عن هذا الترتيب.
وهذه الحروف ليست سواء من حيث الصفات والخصائص، كما هي ليست سواء من حيث المواقع التي تنطلق منها في جهاز النطق بل إن تفاوتها في الخصائص يرجع إلى تفاوت مخارجها، فكلما كان مخرج الحرف عميقاً كان تحقيقه أو التصويت به صعباً، فالحروف التي تخرج من عضل اللسان أسهل من الحروف التي تخرج من أقصى الحلق، والحروف الشفوية أسهل من حروف هاتين المجموعتين لمرونة عضلة اللسان والشفتين، وصلابة عضلة اللسان والشفتين، وصلابة عضلة الحلق.
ومن العجيب أن النتائج التي وصل إليها علماء الأصوات المحدثون جاءت مطابقة لما وصل إليه الخليل مع أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا اعتمادهم على أدق الأجهزة والآلات، واستعانتهم بالتشريح وعلم وظائف الأعضاء، أما الخليل فلم يعتمد شيئاً مما اعتمدوه، وكانت كل عدته في ذلك العهد المبكر هي عبقريته، ونفاذ فطنته.
والأطفال، من غير شك، يستطيعون أداء هذه الأصوات، عدا «الكاف» و«التاء» دون كبير عناء، ولكن هناك حروفاً أخرى لا يستطيع المتلفظ بها، أن يتابع نفسه، كما لا يستطيع أن يجري صوته بها، لأن الهواء الخارج من الرئتين يتوقف عند لفظ هذه الحروف بمرتكز معين من الفم، وبغير هذا التوقف لا يتحقق ذلك الصوت، وسميت هذه الحروف عند علماء العربية بـ«الشديدة» وسماها المحدثون من دارسي الأصوات بـ«المنفجرة».
وهذه الحروف هي ثمانية: الهمزة، والقاف، والكاف، والجيم، والطاء، والدال، والتاء والباء، ويجمعها قولك: أجدت طبقك، أو قولك: أجدك قطبت.
والذين يعلمون «الألف باء» يعرفون أن هذه الحروف أصعب حروف العربية نطقاً، وأشقها على الصغار، الذين ما يزال جهاز نطقهم غضاً، بل إن بعضها صعب على الكبار أيضاً.
والذي زاد في صعوبة التلفظ بهذه الحروف، هو طريقة أكثر إخواننا من المعلمين، فلقد استقر في أذهان هؤلاء المعلمين، أن الصوت ينبغي نطقه خالصاً ومجرداً من أي صوت آخر، قد يتخذ سلماً إليه، أو عوناً على تحقيق نطقه.
وهذه الطريقة يسهل تطبيقها على الحروف المهموسة التي ينطلق معها النفس، ويجري بها الصوت، دون توقف أو تعثر مثل «ه ح خ س ش ص ف» وسواها من الحروف غير المهموسة مثل «ر ل ن»، ولكن تطبيقها على الحروف «الشديدة» أو الانفجارية، أمر صعب، يكلف الصغار جهداً كبيراً تنوء به أعضاء نطقهم المرهفة الغضة.
فالطفل لا يستطيع نطق «الباء» و«الجيم» و«الدال» و«الكاف» و«الطاء» من غير أن يتخذ إلى نطقها سلماً أو معبراً، وهذا السلم أو المعبر هو الهمزة على ما سأوضح.
إن طريقة هؤلاء المعلمين مجافية لطبيعة العربية من جانب، ومخالفة لما وصل إلينا عن علماء العربية بشأن نطق أمثال هذه الحروف من جانب آخر.
وكان الخليل وسيبويه وغيرهما كابن جني، لا ينطقون الحروف إلا بعد أن يأتوا بهمزة، يسهلون بها النطق على أنفسهم، والإنسان كما نعلم يميل إلى التيسير على نفسه، وإلى التقليل من الجهد العضلي الذي يبذله عند النطق، كان الخليل إذا أراد أن يحدد مرتكز الصوت أو مخرجه «فتح فاه بألف ثم أظهر الحرف نحو «أ ب أ ح أ ع» أما سيبويه فقد اصطنع الهمزة المكسورة، ولم يصرح سيبويه بهذا، ولكني أستنتج ذلك مما ذكره ابن جني حين قال: «وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحرف أن تأتي به ساكناً لا متحركاً، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه، ومستقرة، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فتقول: أك أق أج، وكذلك سائر الحروف.
والآن وبعد أن علمنا أن الخليل وسيبويه وابن جني، كانوا لا ينطقون الحروف إلا بالاستعانة بهمزة وصل تسبقها، تيسيراً لعملية النطق، واقتصاداً في الجهد العضلي، فما يمنع معلمي «الألف باء» من أن يستعملوا هذه الطريقة في نطق الحروف الشديدة في الأقل، فيخففوا عن طلابهم الصغار، ويسهلوا عملية النطق عليهم.
إن من العسير على الصغير أن يقول: «ب، ت، ج، د، ط، ك»، مخرجاً أصوات هذه الحروف فقط، وهي ساكنة، ولكن من اليسير جداً أن يلفظ هذه الحروف مع همزة وصل قبلها، فيقول: «أب، أت، أج، أد، أط، أك»، وهكذا، وهم يفعلون ذلك، إلا أن المعلمين يزجرونهم عنه، ويكرهونهم على أن ينطقوا هذه الأصوات ساكنة ومجردة من همزة الوصل، وفي ذلك ما فيه من أثقال على الصغار، وأعنات لهم.
بقي أن أشير إلى أن نفراً من معلمي «الألف باء» يعمدون إلى طريقة أخرى في نطق الحروف الشديدة «المنفجرة» خاصة، محاولين التيسير على طلابهم، فيقولون: بىء، تىء، طىء.. إلخ، غير أن هذه الطريقة خاطئة أيضاً، لأنها لم تؤثر عن علماء العربية، ولم ترد المباحث الصوتية التي تركوها لنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن