ثقافة وفن

بين النقد البنّاء والهدّام … الابتعاد عن الهوى والتعصب والأحكام المسبقة والتجرد والإنصاف

وائل العدس :

من المتعارف عليه تاريخياً أن كلمة «النقد» استعملت بمعنى فَرز الدراهم والدنانير؛ لبيان الصحيح والزَّائف منها، وتلك مهارةٌ يختصُّ بها الصيارفة، ثم انتقلَت إلى نقد أخلاق الناس وعاداتهم، وبيان ما يتحلَّون به من كريم الصفات، وما يعاب على أحد من السلوك، ثم اتسع اللفظ حتى شمل مجالاتٍ عديدة. والنقد العلمي هو دراسة الأعمال وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابِه لها، والكشف عما فيها من جوانب القوة والضعف، والجمال والقبح، ثم الحكمُ عليها ببيان قيمتها ودرجتها.
ولكن عند نقد الآخرين لا تظن أنهم قد يستجيبون له حتى وإن كان في صورة جميلة زاهية، ففي كثير من الحالات يمتنع الإنسان عن قبول الملحوظات التي يظهرها له الناس بسبب تصوره أن الأمر على خلاف ما يعتقده الناس أو أن هناك مبررات أخرى. ومن السهل جداً انتقاد الآخرين واكتشاف أخطائهم وإبرازها، ولكن من الصعب بمكان إكمال البناء وإتمام النقص وسد الثغرات.
وبكل الأحوال لا يمكن أن تملك الحقيقة المطلقة دائماً، فإن كان لديك الحق في بعض القضايا فلا يعني ذلك امتلاكك للحقيقة المطلقة، والحق لن يقبل إذا كان مصحوباً بتعال وازدراء للآخرين.
النقد في اللغة
يأتي النقد في اللغة العربية بمعنيين، الأول نقد الشيء بمعنى نقره ليختبره أو ليميز جيده من رديئه، والثاني إظهار العيب والمثالب، وغمط الناس وبخسهم أشياءهم.
ويقال: فلان ينقد الناس، أي يعيبهم ويغتابهم وأهل العلم قسموا النقد إلى قسمين على نحو ما ورد في اللغة، فسموا أحدهما: النقد البنّاء، وهو النقد الذي يقوّم به صاحبه الخطأ، ويحاول إصلاحه.
وسمّوا الآخر: النقد الهادم (أو الهدام)، وهذا فيه إظهار عيب الآخرين للنيل منهم وتشويه سمعتهم والطعن في نياتهم من غير حجة ولا برهان.

النقد الإيجابي
النقد الإيجابي عملة نادرة، فقد يستغرق الإنسان عمراً طويلاً وزمناً مديداً كي يجد شخصاً يقدم له نقداً إيجابياً بنّاءً، ولا يأتي عبر الثناء والمديح والتزكية ولكنه بذل جهد لوصف عمل ما وذكر سلبياته وإيجابياته بوجه منضبط، فهو الذي يدفع المركبة إلى الأمام ويعطي الإنسان قدرة على الإنتاج والتطور، ويحوم حول فكرة موضوعية يمكن قياسها، بعيداً عن الدخول إلى النيات والمقاصد.
ولإيجاد نقاط تواصل لابد أن يكون النقد حول نقطة جوهرية واضحة ويكون البناء عليها تأصيلاً وتفريعاً، فالناقد الصادق يتجه نقده إلى صاحب العمل، كيف يطوره ويرتقي به من دون أن يدمره، فلا يكون هدفه إسقاط الآخرين أو إبراز ذاته من خلال نقده.
النقد البنّاء بعيد عن الهوى والتعصب والأحكام المسبقة، بل لابد أن يكون هناك تجرد وإنصاف ومحاولة بناء النقد على أصول عقلية وعلمية كي ينضبط الأمر.
كثير من الجدل يبرز ويظهر بسبب أن النقد كان سببه الجهل أو الهوى والتعصب، فلكي يكون النقد مقبولاً ومحترماً لابد أن يكون مبنياً ومرتكزاً على أصول علمية صحيحة بعيدة عن الجهل والهوى.
لا يتعسف الناقد الصادق في عباراته ويغلظ في أقواله، بل ينتقي أعذب الألفاظ وأحسنها، فلكي يكون النقد بنّاء لابد أن يكون هناك درجة من التواضع والاحترام للآخرين، واحتمال أن يكون الصواب مع الآخرين والخطأ معك.

فروقات
الناقد البنّاء يستخدم أساليب علمية، في حين الهدام يقوم على السب والتجريح الشخصي، ويقدم البنّاء نقداً متخصصاً وعلمياً، قائماً على دراسة تخصصه، في حين الناقد الهدام ينتقد أفكاراً لا يلم بها ويتكلم في غير مجاله.
البنّاء يحرص على نصيحة الأشخاص ويلمح قبل أن يصرح، وهدفه الحقيقة المجردة وتحسين الأوضاع، في حين الناقد الهدام يتعمد فضيحة الأشخاص، وهمه أن يكسب الموقف ويثبت أنه انتصر في النهاية.
الناقد البنّاء هو الذي يؤكد إيجابيات الفكرة وتوضيح سلبياتها، ويرى أن رأيه يمكن أن يؤخذ به، ويمكن رفضه، في حين الهدام لا يرى في أي فكرة سوى الجانب السلبي فقط، ويرى أن رأيه بمنزلة حكم نهائي غير قابل للنقض.
الناقد البنّاء هو الذي يرحب بجميع الآراء المطروحة ويناقشها، له رأي موحد حول الفكرة بغض النظر عن صاحبها، ويركز على الفكرة ويحاول أن يقدم بدائل للتطوير، في حين الناقد الهدّام غير مستعد لسماع رد صاحب الفكرة، ولديه ازدواجية، وينتقد حسب مكانة الأشخاص، ولا يهمه تقديم حلول.
الناقد البنّاء يعتبر النقد مرحلة من مراحل العمل والإنجاز، ويفصل بين الفكرة وبين غيرها من الأفكار التي لا علاقة لها بالموضوع، وممكن أن يتقبل الأفكار الإيجابية الأخرى لنفس الشخص الذي انتقده، في حين الهدّام يكرر نقد نفس الموضوع في أماكن وأوقات لا علاقة لها به، وإذا انتقد شخصاً فإنه يرفض كل أفكاره الأخرى مهما كانت إيجابية.

شروط لا بد من توافرها
لا بد من توافر شروط في الناقد قبل أن يوجه نقده، وأهمها الموهبة النقدية وهي قدرة يمنحها اللـه لبعض الناس، يستطيعون بها أن يَفحَصوا الأشياء فحصاً دقيقاً، فيكتشفوا عيوبها الخفيَّة.
إضافة إلى الأهلية والكفاءة وذلك من خلال مراعاة التخصص، وأيضاً الثقافة والخبرة بمعنى أن يكون الناقد ذا ثقافة واسعة متنوعة ومتعددة في الميادين العلمية المختلفة.
ولا بد له أن يتسم بالعدالة والإنصاف من خلال الابتعاد عن التحيُّز والتعصب والمجاملة، وأن يحكم على عناصر العمل وَفقَ الصفات التي تتصف بها حقيقته، وأن يعلِّل أحكامه، فيبين الأسباب التي جعلَته يحكم بالجودة أو الرداءة، وعليه أن يحترس من أن تدفعه عاطفته أو ميوله الشخصية أو العلمية إلى الإطراء الكاذب أو بخس حقِّ المجتهد.

متى يكون النقد مرفوضاً؟
عندما يتجاوز الناقد حدود الأدب، وخاصة إذا كانت ألفاظه جارحة، وتسيء إلى الشخص نفسه ولأهله لا إلى فكرته أو مشروعه.
أيضاً عندما يتجاوز النقد إلى الهجوم على المقدسات، وعندما يقدم بأسلوب غاضب، ويمتهن كرامة الشخص، وعندما يكون بلا مناسبة، حينئذ سيكون النقد في غير مكانه.
ومن أهم آداب النقد الإخلاص بتوافر سلامة النية وحسن القصد، والتمسك بنبل الغاية من النقد، ونبذ التعصب ولو كان للحق، وترك ازدراء المخالف ولو كان مخطئاً، إضافة إلى الأمانة في الحكم بذِكر ما له وما عليه، وفضائله ومساوئه، والتزام الأدب، وتجنب نهج التحدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock