من دفتر الوطن

الموشح المُكَفِّرْ

| حسن م. يوسف

أيهما أخذ عن الآخر أولاً؟ الغناء الدنيوي أم الإنشاد الديني؟ ولأي منهما كان الفضل في نشأة القدود؟

لم يبارحني هذا السؤال منذ أن حضرت الاحتفالية التي أحيتها الفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية بقيادة المايسترو عدنان فتح الله احتفاءً بنجاح مساعي الأمانة السورية للتنمية بإدراج القدود الحلبية على القائمة التمثيلية لـلتراث الإنساني في اليونسكو لعام 2021.

أعادني الحفل إلى معلومة قديمة في الذاكرة مفادها أن الموسيقا العربية قد وصلت إلى الصيغة الآلية الصرفة في الأندلس على يد زرياب أبو الحسن علي بن نافع الملقب بـ«لؤلؤة الأندلس»، الذي عاش بين القرنين الثامن والتاسع الميلادي، وأضاف للعود وتراً خامساً، وغادر الموصل إلى قرطبة هرباً من حسد أستاذه إسحاق الموصللي، فأسر نفوس أهل الأندلس بطربه الجميل، وفنون أناقته في المأكل والمعشر والملبس.

قبل نحو ثلاثة عقود قرأت رأياً لأحد الباحثين مفاده أن أهلنا في بلدان المغرب العربي قد خافوا على الموسيقا الأندلسية الآلية الصرفة من الضياع فاختاروا لها أشعاراً من بحور توافق مقاماتها لحفظها، إلا أنني بت الآن أظن أن هذا الرأي بعيد عن الصواب. صحيح أن فن (المالوف) نشأ في بلدان المغرب العربي إثر وصول العرب الفارين من غرناطة هرباً من محاكم التفتيش الإسبانية سنة 1492، لكن (المالوف) لم يولد لحفظ الموسيقا الآلية الصرفة، إذ حمل عرب الأندلس معهم موشحاتهم وأغانيهم التي تتغنى بالحب وحسن المرأة وجمال الطبيعة. ونظراً لأن المجتمعات التي حلوا ضيوفاً عليها ذات طبيعة محافظة، فقد تم بالتدريج استبعاد الكلمات الدنيوية من تلك الأغاني والموشحات، واستبدالها بأشعار على قد الكلام الأصلي، تتغنى بالسيرة النبوية وتمدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ثمة من يعتقد أن مبتكر فن (القَدّ) هو الملفان مار أفرام السرياني الذي ولد في نصيبين عام 306م وتوفي في أنطاكية عام 373 م، وكلتا المدينتين تقع تحت الحكم التركي حالياً. يعد مار أفرام «أعظم من كتب القصيدة المغناة والترنيمة الدينية في الشرق المسيحي»، ويفيد الدارسون أن مار أفرام كان يقوم بنفسه بانتقاء الأغاني الدنيوية الرائجة، التي غالباً ما تكون باللهجة العامية، وينظم على «قدّ» كلماتها أناشيد دينية، غالباً ما تكون بالفصحى، ليتم تقديمها في الكنيسة لراحة نفوس المؤمنين.

ويرى الدكتور المهندس سعد الله آغا القلعة في كتاب الأغاني الثاني أن «أسلوب إعادة توظيف الألحان الدنيوية لتدخل عالم الإنشاد الديني كان قد ولد في الأندلس، ثم ترسخ في دمشق»، ويرجع أصله لقيام الإمام محيي الدين بن عربي بإرساء أسلوب لرفد عالم التصوف بالألحان، من خلال تجريد الموشح من كلماته الدنيوية واستبدالها بكلمات صوفية وقد سمي (الموشح المُكَفِّرْ) لأنه سيساهم في التكفير عن ذنوب الملحن الأصلي وصاحب الكلمات الجديدة! خلال الأسابيع الماضية أخذتني الأسئلة شرقاً وغرباً، وكلما قرأت أكثر كان عدد أسئلتي يزداد وثقتي بمعلوماتي تنكمش. مالا شك فيه أن فن (القَدّ) لم يزدهر في أي مكان من العالم كما في مدينة حلب عاصمة الفن والطرب، لذا فمن الطبيعي أن تقوم اليونسكو بإدراج القدود الحلبية ضمن القائمة التمثيلية لـلتراث الإنساني، وهذا إنجاز ثقافي يجب الاحتفاء به وتكريسه في مختلف المجالات، لأن الكيان السرطاني الصهيوني يحاول سرقة أعشابنا وأزيائنا ومأكولاتنا من خلال تسجيلها باسمه! لكنني أحسب أن فن (القَدّ) كظاهرة ثقافية لا يتجلى في القدود الحلبية وحدها بل يتجلى في (المالوف) المغربي، وفن القوالي الباكستاني، وأغاني الجوسبل في كنائس الأمريكان الأفارقة، حيث يعاد توظيف الألحان الدنيوية في عالم الإنشاد الديني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن